لم يعد الاعتماد على المواد المصورة القديمة مجرد وسيلة لاستعادة أحداث سابقة، بل أصبح أحد الأساليب التي يجري توظيفها في حملات التضليل الرقمي، عندما تُعاد مشاركة صور ومقاطع فيديو خارج سياقها الزمني، وتُقدم للجمهور باعتبارها مشاهد حديثة تعكس تطورات جارية.
وفي هذا السياق، تبرز جماعة الإخوان الإرهابية بوصفها محورًا لانتقادات تتعلق باستخدام منصات إعلامية وحسابات لمحتوى يستهدف التأثير في تصورات الجمهور وإثارة الجدل حول الأوضاع الداخلية.
وتقوم خطورة هذه الممارسات على أن الصورة أو مقطع الفيديو قد يحملان مشهدًا حقيقيًا، لكن إعادة نشرهما بتاريخ مختلف أو مصاحبتهما بتعليق غير دقيق يمكن أن يغيرا دلالتهما بالكامل، فالمشهد الذي يوثق واقعة حدثت قبل سنوات لا يصبح دليلًا على وقوع الحدث نفسه اليوم لمجرد تداوله على نطاق واسع، كما أن انتشار منشور عبر عدد كبير من الحسابات لا يمثل بالضرورة دليلًا على صحة مضمونه أو اتساع الواقعة التي يتحدث عنها.
وتكشف هذه الآلية عن أزمة في الخطاب الإعلامي الذي يعتمد على إعادة إنتاج المواد القديمة بدلًا من تقديم معلومات جديدة يمكن التحقق منها، فبدلًا من عرض الوقائع كاملة، يجري أحيانًا اجتزاء أجزاء من المشاهد، وإعادة استخدامها في سياقات مختلفة، مع إغفال التاريخ الأصلي للتصوير أو المكان الذي شهد الواقعة، بما يسمح بتكوين انطباع لا يتفق بالضرورة مع الحقيقة.
وتتحمل جماعة الإخوان الإرهابية مسؤولية سياسية وإعلامية عن خطابها وتحركات المنصات التابعة لها متى ثبتت صلتها بها، خصوصًا عندما تتبنى تلك المنصات روايات غير موثقة أو تسهم في نشر محتوى مضلل، غير أن إثبات مسؤولية الجماعة عن واقعة بعينها يظل مرتبطًا بتوثيق مصدر المادة، وتحديد الحساب الذي نشرها، والتحقق من صلته التنظيمية بها، بدلًا من الاكتفاء بالتشابه في اللغة أو المضمون.
من أرشيف 2021 و2023 إلى المشهد المتداول.. اختبار التوقيت والسياق
تمثل المقارنة بين تاريخ إنتاج المادة المصورة وتاريخ تداولها أحد أهم الأساليب لكشف التلاعب بالمحتوى الرقمي، فعندما تعود صورة أو مقطع إلى عام 2021 أو 2023، ثم يعاد تقديمهما على أنهما مشهد حديث، يصبح التحقق من التاريخ الأصلي خطوة ضرورية لتقييم الرواية المنشورة.
ولا يتوقف الفحص عند تاريخ النشر الأول، بل يمتد إلى البحث عن النسخة الأصلية، ومراجعة التفاصيل الظاهرة في المشهد، ومقارنة المعالم المكانية واللافتات والملابس والظروف المحيطة بالواقعة، وقد تكشف هذه المقارنة أن المحتوى المتداول لا يرتبط بالحدث الذي أُلصق به، أو أنه يوثق واقعة مختلفة تمامًا.
وفي التعامل مع المحتوى المنسوب إلى جماعة الإخوان الإرهابية، تكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة عندما تتحول المواد القديمة إلى جزء من سردية سياسية تسعى إلى تصوير مشهد معين باعتباره حقيقة مؤكدة. فالتكرار لا يصنع دليلًا، وكثرة المشاركات لا تعوض غياب المعلومات الأساسية، كما أن استخدام عناوين مثيرة لا يمنح الرواية مصداقية إضافية.
ومن هنا، فإن أي تقرير يوثق حملات إعادة تدوير الأرشيف يحتاج إلى تقديم أمثلة محددة، تتضمن تاريخ المقطع الأصلي، وتاريخ إعادة نشره، والحسابات التي تداولته، والفارق بين وصفه الأصلي والوصف الذي ظهر لاحقًا، وهذه العناصر هي التي تحول الاتهام العام بالتضليل إلى تحقيق صحفي قابل للفحص والمراجعة.
لماذا يمثل التحقق من المحتوى تحديًا أمام حملات التضليل؟
وتعتمد حملات التضليل على سرعة التداول قبل اكتمال التحقق، مستفيدة من ميل المستخدمين إلى مشاركة المواد التي تثير الغضب أو القلق أو الفضول، وفي كثير من الأحيان، يصل التصحيح إلى الجمهور بعد أن تكون الرواية الأولى قد حققت انتشارًا واسعًا، وهو ما يمنح المحتوى المضلل فرصة للتأثير حتى بعد ظهور معلومات تناقضه.
وتسعى جماعة الإخوان الإرهابية، من البيئة الرقمية التي تسمح بإعادة توزيع المحتوى بسرعة عبر صفحات متعددة، لكن تقييم هذه الممارسات يتطلب التمييز بين الحسابات التي ثبت ارتباطها بالجماعة والحسابات التي لا تتوافر أدلة كافية على صلتها بها، حتى لا يتحول كشف التضليل إلى تعميم غير موثق.
كما أن غياب البيانات المنظمة عن بعض المنشورات يجعل من الضروري إنشاء سجلات توثيقية للمقاطع المتداولة، تتضمن روابطها وتواريخها ومصادرها الأصلية ونتائج التحقق منها، ويمكن لهذه السجلات أن تكشف أنماط إعادة النشر، وتساعد الصحفيين والباحثين على تتبع انتقال الروايات بين المنصات.
الوعي الرقمي.. المواجهة تبدأ من الدليل
ومواجهة التضليل الذى تقوم به جماعة الإخوان الإرهابية لا تتحقق بمجرد إطلاق أوصاف سياسية على المحتوى المتداول، وإنما بتقديم الأدلة التي تكشف التناقض بين الرواية المنشورة والوقائع الموثقة، فالمواجهة الأكثر تأثيرًا هي التي تضع أمام الجمهور المادة الأصلية، وتاريخها الحقيقي، وسياقها الكامل، ثم تشرح بوضوح كيف جرى تغيير دلالتها.
وإعادة تدوير الأرشيف لا تستطيع وحدها إثبات وجود حدث جديد، مهما تكررت الصور أو تعددت الحسابات التي تنشرها، والحكم على أي رواية، سواء صدرت عن جماعة الإخوان الإرهابية أو غيرها، يجب أن يستند إلى الوقائع والأدلة والتواريخ القابلة للتحقق، لأن الحقيقة لا تُقاس بحجم الضجيج المحيط بها، بل بقوة ما يسندها من معلومات موثقة.