في عصر تتسارع فيه الأخبار عبر منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد التأثير في الرأي العام مرتبطًا فقط بامتلاك معلومات جديدة، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بالقدرة على صياغة المشهد وتوجيه الانتباه إلى رواية بعينها.
ومن هنا تبرز خطورة استخدام الصور غير الموثقة والشعارات المتداولة والدعوات مجهولة المصدر في تقديم انطباعات عن تحركات ميدانية لا تتوافر أدلة كافية على حدوثها بالصورة التي تعرضها المنشورات.
وتأتي جماعة الإخوان الإرهابية في صدارة هذا الملف فى محاولة يائسة منها للتأثير في الرأي العام عبر المنصات الرقمية، وتزداد خطورة هذه الاتهامات عندما يتعلق الأمر بمحتوى يصور تجمعات أو تحركات مزعومة، أو يربط شعارات متداولة بوقائع ميدانية من دون تحديد زمانها ومكانها ومصدرها الأصلي.
لكن الفصل بين الدعاية السياسية والواقعة الحقيقية يقتضي التحقق من كل حالة على حدة، فوجود شعار على الإنترنت لا يثبت أن أصحاب حسابات واسعة الانتشار يمثلون اتجاهًا عامًا في الشارع، كما أن تداول دعوة للتجمع لا يعني بالضرورة أن التجمع نُفذ بالفعل، أو أن عدد المشاركين فيه يتناسب مع ما تروجه المنشورات.
وتكمن المشكلة في تحويل المحتوى الرقمي من وسيلة لنقل المعلومات إلى أداة لصناعة انطباعات مسبقة، فعندما تتكرر صورة واحدة عبر حسابات مختلفة، أو تُنشر دعوة بصيغ متقاربة، قد يتكون لدى المتابع تصور بأن هناك تحركًا واسعًا ومنظمًا، بينما يظل حجم المشاركة الفعلي غير معلوم ما لم تؤكده أدلة مستقلة.
جيل Z» و«يوم الكرامة».. ضرورة فحص الشعارات قبل تبني الروايات
تثير الشعارات المرتبطة بدعوات التجمعات، ومنها ما جرى تداوله تحت مسمى «يوم الكرامة»، تساؤلات بشأن مصدرها، والجهات التي تقف وراء نشرها، ومدى ارتباطها بتحركات حقيقية على الأرض. كما أن المحتوى الذي يحمل إشارات إلى «جيل Z» يحتاج إلى فحص مستقل يحدد طبيعة الدعوة، وتاريخ ظهورها، والحسابات التي روجت لها، وما إذا كانت الصور المصاحبة لها توثق أحداثًا فعلية أم تعود إلى سياقات أخرى.
ولا يكفي أن تتشابه منشورات متعددة في الصياغة أو التصميم لإثبات وجود حملة منظمة تقف وراءها جهة بعينها، فالتوصل إلى هذه النتيجة يحتاج إلى أدلة تربط بين الحسابات والجهة المنسوب إليها النشاط، وإلى تحليل تسلسل النشر ومصادر المواد المستخدمة.
وفي هذا الإطار، ينبغي أن تتجه المقارنة إلى الفرق بين الشعارات المتداولة والمشاهد الأصلية، والبحث عن أقدم ظهور للصورة، وتحديد ما إذا كانت قد نُشرت سابقًا في مناسبة مختلفة. كما يجب التمييز بين الدعوة الإلكترونية والحدث الميداني، وعدم تقديم الأولى باعتبارها دليلًا على تحقق الثاني.
وتقوم منصات جماعة الإخوان الإرهابية والصفحات التابعة لها على ترويج مثل هذه الشائعات او اجتزاء الوقائع فى محاولة منها للتضليل أو تضخيم دعوات غير موجودة من الأساسا، حيث تتعدد الوسائل التي يمكن من خلالها تغيير دلالة المحتوى الرقمي، بدءًا من استخدام صورة قديمة خارج سياقها، مرورًا باقتطاع أجزاء من مقطع، ووصولًا إلى إرفاق مشهد حقيقي بتعليق غير دقيق، وقد يؤدي تكرار هذه المواد عبر صفحات مختلفة إلى تضخيم الانطباع بوجود حدث واسع، رغم أن النسخ المتعددة قد تعود جميعها إلى مصدر واحد.
وتعتمد بعض أساليب التضليل التى تقم بها جماعة الإخوان الإرهابية على إخفاء التفاصيل التي تساعد الجمهور على التحقق، مثل تاريخ التصوير أو موقع الحدث أو المصدر الأصلي، كما قد تستخدم عناوين حاسمة لا تتناسب مع المعلومات المتاحة، فتقدم الاحتمال باعتباره حقيقة، أو تحول دعوة افتراضية إلى ادعاء بوقوع تجمع ميداني.
وتكشف هذه الإجراءات أن المعركة الحقيقية ليست في عدد الحسابات التي تنشر شعارًا معينًا، بل في قدرة الرواية على الصمود أمام الفحص المستقل، فالمحتوى الذي لا يستطيع تقديم دليل على زمانه ومكانه ومصدره يظل محتوى غير مكتمل، مهما اكتسب من انتشار، وأن التصدي لممارسات جماعة الإرهابية من حملات تضليل يتطلب المزيد من الوعى لدى المواطنين، وأن المؤسسات الإعلامية مطالبة بعدم إعادة نشر الشعارات المثيرة لمجرد انتشارها، بل بالبحث عن الجهة التي أطلقتها، وتحديد ما إذا كانت مرتبطة بواقعة حقيقية، والتواصل مع المصادر المعنية قبل تقديمها إلى الجمهور.
وتظل مسؤولية المستخدمين أساسية في عدم مساواة كثافة التفاعل بصحة المعلومات، فالانتشار قد يكون نتيجة إعادة النشر، أو الاهتمام بالجدل، أو الاعتراض على المحتوى، وليس بالضرورة تعبيرًا عن تأييده أو عن وجود تحرك فعلي، وان مواجهة الدعاية الرقمية التى تقوم بها جماعة الإخوان الإرهابية تبدأ من تفكيك الرواية وفحص أدواتها، فالفارق بين المشهد الحقيقي والمشهد المصنوع لا تحدده العناوين، وإنما الأدلة التي تكشف ما حدث بالفعل، ومتى وقع، وأين جرى، ومن يقف وراء نشره.