إحسان السيد تكتب: الحرب والأسعار والرهان الخاسر على «الضمير».. ماذا بعد تأمين السلع؟ .. مناقشات 3 ساعات بمجلس الشيوخ تطرح السؤال الحاضر: لماذا تستمر الأسعار في الارتفاع .. وكيف يمكن الحد من زياداتها؟

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 07:28 م
إحسان السيد تكتب: الحرب والأسعار والرهان الخاسر على «الضمير».. ماذا بعد تأمين السلع؟ .. مناقشات 3 ساعات بمجلس الشيوخ تطرح السؤال الحاضر: لماذا تستمر الأسعار في الارتفاع .. وكيف يمكن الحد من زياداتها؟ مجلس الشيوخ

على مدار أكثر من 3 ساعات بالجلسة العامة لمجلس الشيوخ اليوم، كان هناك سؤال حاضر، تمت صياغته بأكثر من طريقة، وذُكر ضمن أكثر من سياق، بينما لم يحصل أيٌّ ممن طرحوه، أو ضمّنوه في سياقات مختلفة، على إجابة واضح.

 

السؤال الأكثر إلحاحًا على لسان المواطن ونواب مجلس الشيوخ معًا، هو: لماذا تستمر الأسعار في الارتفاع، وما الذي يمكن فعله للحد من هذه الزيادات؟

 

المناقشات التي شهدها مجلس الشيوخ اليوم، خلال مناقشة 3 طلبات مناقشة عامة تستهدف استيضاح سياسة الحكومة بشأن رقابة الأسواق، وحماية المواطنين من غلاء الأسعار، وتعزيز منظومة الأمن الغذائي خلال الفترة المقبلة، لم تتعلق فقط باستعراض إجراءات الحكومة لضبط الأسعار والأمن الغذائي، أو رصد أرقام تتعلق بالمخزون الاستراتيجي ومنافذ البيع وحملات الرقابة، بقدر ما عكست السؤال الذي ظل حائرًا حتى نهاية الجلسة التي بدأت بعد الساعة الحادية عشرة صباحًا بدقائق، وانتهت بعد الثانية ظهرًا بنحو ثلاثين دقيقة.

 

فعلى مدار نحو ثلاث ساعات من المناقشات، عرض وزير التموين والتجارة الداخلية، الدكتور شريف فاروق، ملامح تحرك الدولة لتأمين احتياجاتها من السلع الأساسية، في ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة، تتداخل فيها تداعيات الحروب مع اضطرابات سلاسل الإمداد وتغيرات الأسواق العالمية، وهي تحديات لا يمكن تجاهل تأثيرها على تكلفة الاستيراد والإنتاج والنقل، ولا سيما في سوق يرتبط جزء من احتياجاته الغذائية بالأسواق الخارجية.

 

وفي هذا السياق، تبدو الإجراءات التي استعرضها د. شريف فاروق، مهمة في تأمين المعروض وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات، بدءًا من الحفاظ على احتياطي استراتيجي آمن، وتنويع مناشئ استيراد القمح، وزيادة السعات التخزينية، وصولًا إلى التوسع في منافذ البيع والأسواق، وإطلاق مبادرات لتوفير عدد من السلع بأسعار مخفضة، وبلا شك، تعكس هذه الخطوات تحركًا على أكثر من مستوى لتقليل مخاطر نقص السلع أو تأثر إمداداتها بالتطورات الخارجية.


وعبر النائب أحمد العوضي، وكيل مجلس الشيوخ، عن هذا الجانب من الصورة، مؤكدًا أن الدولة بذلت جهودًا لتوفير السلع في الأسواق، وأن «التحدي الراهن لا يرتبط بتوافر معظم السلع بقدر ما يرتبط بارتفاع أسعارها»، وهي نقطة تكشف بوضوح الفارق بين نجاح الدولة في تأمين الاحتياجات الغذائية، وبين التحدي الآخر المتعلق بقدرة المواطن على شرائها.

 

لكن تأمين السلع، على أهميته، لا يعني بالضرورة أن المواطن سيشعر بانخفاض الأعباء عند الشراء، فبين توافر السلعة في المخازن ووصولها إلى المستهلك بسعر مناسب، توجد حلقات متعددة تتعلق بتكاليف الإنتاج والنقل والتوزيع، وهوامش الربح، وطبيعة المنافسة داخل الأسواق، ومدى قدرة الأجهزة الرقابية على رصد الممارسات التي قد تؤدي إلى زيادات غير مبررة.

 

وهنا، تبرز أهمية السؤال الذي ظل حاضرًا على لسان النواب في مناقشات الجلسة: كيف يمكن الانتقال من ضمان توافر السلع إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقرار السعري؟ فالأرقام المتعلقة بالمخزون والمنافذ والحملات الرقابية تقدم صورة مهمة عن حجم الجهد المبذول، لكنها تحتاج إلى أن تكتمل بمؤشرات توضح أثر هذا الجهد على الأسعار الفعلية، والفروق بين المناطق، ومدى انعكاس المبادرات الحكومية على تكلفة احتياجات الأسرة.

 

ولعل ما طرحه النائب حسام الخولي، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن بمجلس الشيوخ، بشأن الفجوة بين سعر المنتج وسعر البيع النهائي، يعكس جانبًا مهمًا من هذه المعضلة، إذ أشار إلى أن المواطن قد يتفهم ارتفاع الأسعار نتيجة زيادة سعر الدولار أو تكلفة مستلزمات الإنتاج، لكنه تساءل عن وصول سعر السلعة من 10 جنيهات إلى 50 جنيهًا قبل أن تصل إلى المستهلك، فهذه الفجوة تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن تكاليف النقل والتوزيع، وهوامش الأرباح، ومدى كفاءة المنافسة بين حلقات التداول.

 

وذلك لا يعني بالطبع إغفال تأثير الحرب والتوترات الإقليمية في الأسواق، أو التقليل من صعوبة إدارة ملف الغذاء في ظل هذه الظروف، لكنه يعني أيضًا ضرورة التمييز بين الزيادات التي تفرضها عوامل خارجية حقيقية، وتلك التي قد ترتبط بتعدد حلقات الوساطة أو ضعف المنافسة أو استغلال بعض التجار للظروف الراهنة، فالتعامل مع كل هذه العوامل باعتبارها سببًا واحدًا قد يصعّب تحديد الأدوات المناسبة لمواجهتها.

 

وفي هذا الإطار، فإن التعويل على التزام التجار ومسؤوليتهم لا يغني عن وجود منظومة رقابية واضحة وفعالة، وربما عبّر النائب محمود مسلم، عضو مجلس الشيوخ، عن هذا التحدي بوضوح في مداخلته، حين انتقد الاكتفاء بمناشدة التجار الالتزام بالأسعار، قائلًا: «زهقنا من الرهان على الضمير والشرف مع التجار» معتبرا أن هذا الرهان خاسرا، ومطالبًا بآليات أقوى لضبط الأسواق، حتى في ظل الاقتصاد الحر..

 

ومن هنا، فكلما توفرت بيانات أكثر دقة عن أسعار الجملة والتجزئة، وأصبح من الممكن تتبع حركة السلع والفروق السعرية بين الأسواق، زادت قدرة الجهات المعنية على تحديد مواضع الخلل والتدخل بصورة أكثر استهدافًا، كما أن إتاحة معلومات موثوقة للمواطن عن الأسعار ومنافذ البيع يمكن أن تعزز المنافسة وتمنحه قدرة أكبر على الاختيار.

 

وقد طرح النائب محمود مسلم في هذا السياق أهمية إنشاء قواعد بيانات للأسعار، ووضع مؤشرات واضحة لحركتها، وحساب التكلفة الحقيقية للمنتجات ونشرها، بما يساعد على كشف الممارسات الانتهازية، وهي مقترحات تلتقي مع الحاجة إلى تطوير الرقابة من مجرد رصد المخالفات إلى فهم حركة الأسعار وأسباب التغير فيها.

 

ومن هنا أيضًا، تبدو أهمية المقترحات التي طرحت خلال المناقشات بشأن تطوير مؤشرات الأسعار، والاستفادة من التكنولوجيا في متابعة الأسواق، وتحسين التنسيق بين الجهات المعنية بالأمن الغذائي. فالمطلوب ليس فقط زيادة عدد الحملات أو المنافذ، وإنما التأكد من أن هذه الأدوات تعمل ضمن منظومة مترابطة، تستطيع رصد المشكلة وتحديد أسبابها وقياس نتائج التدخلات الحكومية.

 

وفي المقابل، أعلن وزير التموين تشكيل لجنة مشتركة تضم الوزارة وجهاز حماية المستهلك ومباحث التموين والهيئة القومية لسلامة الغذاء، بهدف توحيد الجهود الرقابية، إلى جانب التوسع في استخدام أدوات رقمية، من بينها «رادار الأسعار» و«كارت المفتش»، كما أكد استمرار المبادرة التي أطلقتها الوزارة لتوفير 30 سلعة بأسعار مناسبة، وهذه إجراءات يمكن أن تمثل خطوة مهمة، لكن يبقى اختبارها الحقيقي في قدرتها على إحداث أثر ملموس في الأسواق، وليس فقط في زيادة حجم البيانات أو عدد الحملات.

 

وهنا، يبقى التحدي الأساسي هو الانتقال من إعلان الإجراءات إلى تحديد النتائج المستهدفة منها: ما أثر مبادرات خفض الأسعار على السلع التي تشملها؟ وكيف ستتم متابعة الفروق بين أسعار المنتج والمستهلك؟ وما المؤشرات التي يمكن من خلالها تقييم نجاح الرقابة في الحد من الزيادات غير المبررة؟ وكيف يمكن حماية محدودي ومتوسطي الدخل من استمرار الضغوط المعيشية؟

 

وهذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية ما اتخذته الدولة لتأمين الغذاء، وإنما تستكمل هذه الجهود بالتركيز على النتيجة التي ينتظرها المواطن في حياته اليومية، فنجاح منظومة الأمن الغذائي لا يُقاس فقط بقدرتها على توفير السلع وتخزينها، بل أيضًا بقدرتها على إتاحتها بأسعار يمكن للمواطن تحملها، وبوجود آليات واضحة تفسر حركة الأسعار وتواجه أسباب ارتفاعها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة