اختتم الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، المرحلة الأولى من افتتاح مقار التدريب الميداني للأئمة بمحافظة الجيزة، بافتتاح مقر التدريب الثالث بمسجد أبي بكر الصديق بإدارة أوقاف البدرشين، معلنًا التوسع في التجربة لتشمل ثلاث إدارات أخرى بالمحافظة خلال الشهر المقبل، تمهيدًا لتعميمها على مستوى الجمهورية، في إطار خطة الوزارة للارتقاء بالمستوى العلمي والفكري واللغوي للأئمة، وتطوير مهاراتهم الدعوية.
وأكد وزير الأوقاف أن التدريب الميداني يمثل خطوة مهمة في تطوير منظومة إعداد الأئمة، من خلال الوصول إليهم في مواقع عملهم، وتيسير مشاركتهم في البرامج التدريبية، وتعزيز الاستفادة العملية منها، مشيرًا إلى أن المرحلة الحالية تركز على مسارين أساسيين، هما ترسيخ الفكر المعتدل وتحسين الأداء اللغوي، على أن تتبعهما برامج متخصصة في مجالات متنوعة بعد تعميم التجربة على جميع أئمة الوزارة.
وزير الأوقاف: التدريب الميداني يطور أداء الأئمة ويعزز كفاءتهم الدعوية
جاء افتتاح مقر التدريب الجديد بحضور الشيخ محمود أبو العزايم، مساعد وزير الأوقاف لشئون التدريب والمراكز الثقافية ومراكز تحفيظ القرآن الكريم، والشيخ محمد مجدي عوض، مدير الإدارة العامة للتدريب، والشيخ سيد عمارة، مدير مديرية أوقاف الجيزة، والشيخ محمد علي جويد، مدير إدارة أوقاف البدرشين أول، والشيخ عزت محمد عباس، مدير إدارة أوقاف البدرشين ثان، والدكتور هشام جسار، مدير إدارة أوقاف الحوامدية.
واستُهلت الفعاليات بتلاوة قرآنية للقارئ الشيخ محمد أحمد عبد العزيز، أعقبتها كلمة وزير الأوقاف، الذي أوضح أن خطة التدريب تستهدف بناء منظومة متكاملة لإعداد الإمام وتأهيله، تجمع بين التكوين العلمي الرصين، والقدرة على التعامل مع القضايا الفكرية، والتمكن من أدوات التواصل والإلقاء، بما ينعكس إيجابًا على أداء رسالته الدعوية داخل المجتمع.
وأشار الوزير إلى أن انتقال البرنامج التدريبي إلى ثلاث إدارات أخرى بمحافظة الجيزة خلال الشهر المقبل يمثل خطوة جديدة نحو توسيع نطاق التدريب الميداني، والاستفادة من مزاياه في الوصول إلى أكبر عدد من الأئمة، مؤكدًا أن الوزارة تعمل على تعميم التجربة تدريجيًّا في مختلف المحافظات.
«أصول الفكر المعتدل».. مواجهة التطرف بالفهم الصحيح للنصوص الشرعية
وأكد الأزهري أن مسار «أصول الفكر المعتدل» يستهدف ترسيخ الفهم الصحيح للنصوص الشرعية، وتزويد الأئمة بالأدوات العلمية والمنهجية اللازمة لمواجهة الغلو والتطرف، وكشف أوجه الخلل في التأويلات المنحرفة التي تقوم على اقتطاع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من سياقاتها، وتحميلها معاني لا تحتملها.
وشدد على أن مواجهة الإرهاب والتطرف لا تتحقق إلا بالعلم الصحيح، والفهم المنضبط، والبصيرة الشرعية، موضحًا أن الإمام يقع على عاتقه دور مهم في تفنيد الأفكار المتطرفة، والرد على الشبهات بالحجة والبيان، وحماية عقول الناس من التضليل.
وفي هذا السياق، أكد وزير الأوقاف أن الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصرية يعملون ضمن منظومة متكاملة لمواجهة الفكر المتطرف، مشيرًا إلى أن تعدد المؤسسات لا ينفي وحدة الرسالة، وأن الجميع يمثلون أسرة واحدة تتكامل جهودها لحماية الدين والوطن، وصيانة الوعي المجتمعي، والتصدي للأفكار المنحرفة التي تسعى إلى تشويه حقيقة الإسلام.
الأزهري يحذر من التدين الظاهري وسوء فهم النصوص الدينية
وحذر الوزير من أنماط التدين التي تكتفي بالمظاهر والأشكال دون إدراك حقيقة الدين ومقاصده، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الخوارج: «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ»، موضحًا أن كثرة العبادة في ظاهرها لا تمنع الانحراف إذا غاب الفهم الصحيح، وأُسيء توظيف النصوص الشرعية في تكفير الناس أو استباحة حرماتهم.
كما استشهد بما ورد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في مناقشته للخوارج، حين بيَّن أنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكافرين فحملوها على المؤمنين، لافتًا إلى أن هذه الواقعة تكشف خطورة إساءة فهم النصوص الشرعية وتنزيلها في غير مواضعها.
وأكد الأزهري أن تأهيل الإمام علميًّا وفكريًّا ضرورة أساسية لتمكينه من كشف أوجه الانحراف في الاستدلال بالنصوص، وتقديم الفهم الصحيح للدين، بما يسهم في حماية المجتمع من الأفكار المتشددة، ويعزز دور الخطاب الديني في نشر الوعي والاعتدال.
تحسين الأداء اللغوي.. تطوير مهارات الإلقاء والتواصل مع الجمهور
وفيما يتعلق بمسار «تحسين الأداء اللغوي»، أوضح وزير الأوقاف أن امتلاك الإمام للعلم لا يكتمل أثره إلا بقدرته على التعبير عنه بوضوح ودقة، والتواصل الفعال مع الجمهور، وحسن اختيار الألفاظ، وإتقان فن الإلقاء، وضبط مخارج الحروف، ومراعاة قواعد النحو والبلاغة.
وأشار إلى أن تطوير المهارات اللغوية والبيانية للأئمة يسهم في إيصال المعاني الصحيحة إلى المتلقين بصورة واضحة ومؤثرة، ويرتقي بمستوى الخطاب الديني، ويعزز قدرته على الاستجابة لاحتياجات المجتمع والتعامل مع قضاياه المختلفة.
وشدد الوزير على أن الجمع بين التأهيل الفكري والتطوير اللغوي يمثل أساسًا لبناء إمام قادر على عرض المفاهيم الشرعية بصورة صحيحة، ومواجهة الأفكار المغلوطة بالحجة، والتأثير الإيجابي في الجمهور من خلال خطاب ديني يجمع بين سلامة المضمون وجودة الأداء.
تدريب ألف إمام خلال الشهر الأول وجوائز مالية للمتميزين
وأوضح الأزهري أن دورتي «أصول الفكر المعتدل» و«تحسين الأداء اللغوي» تمثلان المرحلة الأولى من منظومة تدريبية تستهدف جميع أئمة وزارة الأوقاف، لافتًا إلى أن الوزارة تعتزم إطلاق دورات تدريبية جديدة في مهارات ومجالات متنوعة عقب الانتهاء من تعميم المسارين الحاليين على جميع الأئمة، وفقًا لاحتياجات العمل الدعوي ومتطلبات تطوير الأداء.
وأضاف أن البرنامج يستهدف تدريب ألف إمام خلال الشهر الأول، على مدار شهر كامل بواقع مائة ساعة تدريبية، تعقبها اختبارات لتقييم مستوى المشاركين وقياس مدى استفادتهم من البرنامج، وتحديد العناصر المتميزة.
وفي إطار تحفيز الأئمة على الاجتهاد والتفوق، أعلن الوزير تخصيص جوائز مالية للمتميزين، تبلغ 30 ألف جنيه للمركز الأول، و25 ألف جنيه للمركز الثاني، و20 ألف جنيه للمركز الثالث.
وتعكس هذه الخطوات توجه وزارة الأوقاف نحو تطوير منظومة التدريب، وتعزيز كفاءة الأئمة علميًّا وفكريًّا ولغويًّا، من خلال برامج تجمع بين التأصيل الشرعي والتطبيق العملي، بما يدعم رسالة الوزارة في نشر الفكر المعتدل، ومواجهة التطرف، والارتقاء بمستوى الخطاب الديني.