وراء حملات التشكيك التي تستهدف مؤسسات الدولة المصرية، تبرز تساؤلات حول مصادر التمويل وآليات توظيف الأموال في إدارة المعارك الإعلامية والرقمية التي تخوضها جماعة الإخوان الإرهابية من الخارج. وفي هذا السياق، يكشف إبراهيم ربيع، القيادي المنشق عن الجماعة والباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، تفاصيل ما وصفه بمنظومة مالية وتنظيمية تعتمد على ملايين الدولارات، وتوزع الأدوار بين غرف عمليات متخصصة ومنصات إعلامية وحسابات رقمية، لاستهداف مؤسسات الدولة وتشويه صورتها والنيل من ثقة المواطن فيها، متحدثًا عن أوجه إنفاق هذه الأموال، والغطاء الخيري المستخدم في جمعها، وما أثاره من صراعات داخلية بشأن إدارة التمويل وتوزيعه.
كيف تُدار الأموال؟
قدم إبراهيم ربيع، صورة تفصيلية لآلية تمويل الحملات الإخوانية، مؤكداً أن التمويل يأتي من جهات خارجية ومن الأموال التي تُجمع باسم العمل الخيري والدعوي، ثم تُحوَّل عبر قنوات غير رسمية إلى مراكز إعلامية وبحثية ومنصات رقمية في بعض العواصم الأوروبية. ويشير ربيع إلى أن هذه الأموال تُوزَّع على "غرف عمليات" متخصصة، كل غرفة مكلفة بملف محدد، غرفة للجيش، وأخرى للشرطة، وثالثة للقضاء، ورابعة للإعلام، وخامسة للملف الحقوقي. مؤكدا أن ما يُنفق على هذه الغرف يبلغ ملايين الدولارات سنوياً، وأن جزء كبيراً منها يُخصص لشراء ذمم ودفع رواتب لـ"ناشطين" و"محللين" يقدّمون مادة جاهزة تُخدم الأجندة، لا لخدمة الحقيقة.
استهداف هيئات الدولة
وأوضح ربيع أن الاستهداف ليس عشوائياً، بل يتبع خريطة أولويات دقيقة حيث تُوجَّه حملات ممنهجة لتشويه سمعته الدولة وإنجازاتها، عبر قصص ملفقة وصور مفبركة وفيديوهات مجتزعة من سياقها. وخاصة جهاز الشرطة، حيث تُضخ حملات تزعم "التعذيب" و"الفساد" دون أدلة، بهدف إفقاد المواطن الثقة في الشرطة كضامن للأمن. أما القضاء، فيُستهدف عبر حملات تشكيك في أحكامه ووصفه بـ"المسيَّس"، وهو كما اكد ربيع محاولة لتقويض هيبة الدولة من حلقة العدالة. ويضيف أن الإعلام الوطني والمؤسسات الدينية الرسمية لم تسلم من الحملات، حيث تُصوَّر على أنها أدوات للسلطة لا مؤسسات للدولة.
وأد ثقة المواطن
شدد ربيع على أن الهدف الاستراتيجي لهذه الحملات ليس إسقاط نظام بعينه، بل إحداث "شرخ نفسي" بين المواطن ومؤسساته، وهو ما يسميه "وأد الثقة". ويشرح القيادى المنشق الآلية قائلا تكرار الروايات السلبية عن المؤسسات، حتى لو كانت كاذبة، يخلق لدى المواطن حالة من "اللايقين" والشك، فيبدأ في التشكيك في كل شيء، بما في ذلك الأخبار الصحيحة. وهذا الشك هو "التربة الخصبة" التي تبحث عنها الجماعة لإعادة إنتاج نفسها. مؤكدا، أن هذا الاستهداف للمؤسسات لا يقتصر على الحملات الإعلامية، بل يمتد إلى "صناعة أزمات" على الأرض، عبر تحريك مجموعات صغيرة لخلق وقائع تُصوَّر وتُضخَّم إعلامياً، ثم تُقدَّم كدليل على "فشل الدولة"، في حلقة مغلقة من التضليل.
الوجه الآخر تصفية الحسابات والفساد المالي
لا يكتفي ربيع بالحديث عن التمويل الخارجي، بل يكشف أن جزءا من هذه الملايين يُسرق داخلياً. مؤكدا، أن قيادات في الخارج تتقاسم الأموال، وأن كثيراً من "الحملات" تُنفَّذ بأقل تكلفة حقيقية، بينما تُقدَّم فواتير مضخمة، والفرق يُحوَّل إلى حسابات شخصية. مشيرا إلى أن هذا الفساد هو أحد أسباب الانشقاقات المتتالية، حيث يكتشف الشباب أن "الأموال التي تُجمع باسم فلسطين أو الدعوة" تُنفق على صراعات نفوذ وحياة رفاهية لقيادات في الخارج، بينما يُترك الشباب في الداخل يواجهون المصير وحدهم. واصفا هذا التناقض بأنه "الفضيحة الكبرى" التي لم تعد مخفية.
البنية التنظيمية لغرف العمليات
وكشف ربيع عن هيكلة "غرف العمليات" حيث تخضع لتقسيم جغرافي ووظيفي دقيق، تتوزع بين عواصم أوروبية عدة، كلٌّ منها متخصص في جانب محدد من الحملة. غرفة تُعنى بالشأن الإعلامي والمنصات الرقمية الناطقة بالإنجليزية، وأخرى تختص بالملف الحقوقي وصياغة التقارير التي تُقدَّم للمنظمات الدولية، وثالثة في برلين أو باريس تُدار منها عمليات جمع التبرعات تحت غطاء مؤسسات خيرية مسجلة. ويؤكد أن هذه الغرف تعمل بنظام "العقد الواحد" أي أن كل غرفة تتلقى تعليماتها من مركز واحد ولا تعرف تفاصيل عمل الغرف الأخرى، بما يضمن سرية الشبكة ويصعّب تتبع مسار الأموال.
آليات غسل السمعة والتضليل الرقمي
واشار ربيع، إلى أن جزء من التمويل يُوجَّه إلى ما يسميه "صناعة السمعة العكسية"، عبر شراء خدمات شركات علاقات عامة متخصصة في "إدارة الأزمات"، تعمل على تضخيم أي واقعة سلبية داخل مصر حتى لو كانت فردية ومعزولة وتحويلها إلى "نمط ممنهج" عبر شبكات من الحسابات الوهمية والمؤثرين المدفوعين. ويوضح أن هذه الشبكات تستخدم تقنيات حديثة، بينما تُخصَّص ميزانيات لشراء "ترندات" مدفوعة على منصات التواصل، وتوظيف "مزارع حسابات" في دول ذات تشريعات رقمية مرنة، بهدف خلق انطباع بوجود رأي عام واسع يتبنى الروايات المضادة للدولة.
التمويل الخيري كغطاء
وأضاف القيادي المنشق أن الأموال الدعوية والخيرية تُجمع عبر صناديق موازية لا تخضع لرقابة الجهات الرسمية في دول المهجر، وتُحوَّل عبر محافظ إلكترونية وعملات مشفرة أحياناً لتجنب التتبع المصرفي التقليدي. وتحوَّل الأموال في الواقع إلى تمويل الحملات الإعلامية ورواتب العاملين في الغرف، في تناقض صارخ مع الشعارات المعلنة.
التنسيق مع أجندات خارجية
وشدد ربيع على أن توقيت الحملات ليس عشوائياً، بل يتزامن مع مناسبات محددة مؤتمرات دولية، أو مواسم انتخابية في دول كبرى، أو أزمات اقتصادية حيث تُرفع وتيرة الاستهداف لتحقيق أقصى أثر ممكن، فمواجهة هذه المنظومة تتطلب ليس فقط رداً إعلامياً، بل شفافية مؤسسية وبناء جسور ثقة حقيقية مع المواطن، لأن "وأد الثقة" لا يُعالج بالبيانات وحدها، بل بالأفعال الملموسة التي تُعيد للمواطن يقينه بمؤسساته.