قال الدكتور محسن دهشان الخبير واستشارى جودة التعليم والتطوير المؤسسي ورئيس فريق المراجعة الخارجية بالهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد برئاسة مجلس الوزراء: شهدت أروقة «منتدى مصر 2026»، وتحديداً جلسات محور بناء الإنسان التي انعقدت تحت عنوان «ماذا يتعلم أبناؤنا... وهل يؤهلهم ذلك للمستقبل؟»، نقاشات اتسمت بالمكاشفة والموضوعية بين صناع القرار، والخبراء التربويين، وقادة القطاع الخاص.
وأوضح دهشان: لم تكن تلك النقاشات مجرد ترف فكري، بل جاءت لتضع المشرط على الجرح، وتقيس بوضوح مدى ما تحقق في ملف جودة التعليم في مصر، بعيداً عن التهويل أو التقليل؛ لتجيب عن السؤال الجوهري: أين تقف المنظومة التعليمية اليوم من التمكين الحقيقي ومهارات المستقبل؟، بين الإتاحة الكمية والجودة الكيفية: أين نقع اليوم؟، متابعا: عند قراءة المشهد التعليمي بعين الجودة الشاملة والمعايير الدولية للتمكين، نجد أن مصر تخوض تحولاً هيكلياً عميقاً؛ فقد أثمرت الجهود الأخيرة عن نتائج ملموسة في ملف «الإتاحة الكمية»؛ حيث انخفضت كثافات الفصول في قطاعات واسعة، وارتفعت معدلات انتظام الحضور الفعلي للطلاب بفضل آليات التقييم والمتابعة المستمرة، غير أن التقييم الموضوعي لمنظومة التعليم قبل الجامعي يضع نسبة تحقق الجودة الشاملة اليوم عند نحو 55% إلى 60%؛ إذ لا تزال هناك فجوة بين «الحضور والانضباط» وبين «كفاءة وقت التعلم الكيفي».
وأشار إلى إن التحدي الحقيقي الذي أثير في المنتدى لا يكمن في مجرد التواجد الفيزيائي للطفل داخل المدرسة، بل في طبيعة النشاط الذهني والفكري الذي يمارسه داخل الفصل خلال تلك الساعات.
مناهج تتطلع للمستقبل.. وثقافة تجر للوراء
وأكد على أنه قطع قطار تطوير المناهج شوطاً كبيراً باتجاه بناء المهارات بدلاً من التلقين، مستنداً إلى الإطار القومي القائم على الكفايات؛ حيث أُدخلت مفاهيم البرمجة، والتفكير الحاسوبي، والاستدامة البيئية في المراحل المبكرة، إلى جانب إتاحة المسارات المتعددة والبكالوريا المصرية.
وقد أظهرت التقييمات الميدانية أن أجيال النشء الجديدة باتت تمتلك طلاقة أكبر في التعبير والبحث الرقمي وحل المشكلات لكنّ هذا التحول الإيجابي يصطدم أحياناً بـ «المقاومة المجتمعية» في المراحل الثانوية، حيث لا تزال ثقافة "الدرجة وحفظ نموذج الإجابة" تُهيمن على وعي أولياء الأمور والطلاب، مما يستدعي العمل على تغيير ثقافة التقييم المجتمعية لتواكب المناهج الحديثة.
المعلم.. الكتلة الحرجة وفجوة «التطبيق الميداني»
وقال: يظل المعلم هو الركيزة الأساسية لأي إصلاح تعليمي؛ ورغم إطلاق برامج تدريبية مكثفة بالتعاون مع الأكاديمية المهنية للمعلمين والمنصات الحديثة، تظهر الميدانيات وجود «فجوة نقل تدريبي» بين المادة النظرية التي يتلقاها المعلم، وبين ممارساته اليومية داخل الصف موضحا أنه تعود هذه الفجوة إلى كبر حجم الفصول أحياناً، والضغط الإداري، وكثافة المقررات وإن المطلوب اليوم لم يعد مجرد إعطاء دورات تدريبية سريعة، بل اعتماد برامج «المعايشة والمرافقة الميدانية» داخل الفصول، وربط التنمية المهنية للمعلم بـ مدى نمو التعلم الحقيقي لدى طلابه.
الشراكات الخارجية وسوق العمل: النقطة المضيئة
وذكر الدكتور محسن دهشان أنه تتجلى أبرز النجاحات الوطنية في ملف الشراكات الاستراتيجية مع القطاع الخاص والمؤسسات الدولية:
المدارس التكنولوجية التطبيقية (IATS): قدمت نموذجاً ملهماً في ربط التعليم بالصناعة، وسجلت نسب توظيف فورية لخريجيها تجاوزت 85%، مما أعاد الاعتبار الهام للتعليم الفني والتقني.
وأشار إلى أن ملف المدارس اليابانية والدولية الحكومية: شكلت نماذج معيارية نقلت الممارسات المتقدمة في الجودة والأنشطة إلى بيئة التعليم العام وتؤكد هذه التجارب أن ربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل الحديثة — في مجالات البرمجيات، واللوجستيات، والطاقة المتجددة — لم يعد خياراً ثانوياً، بل هو المسار الوحيد لتحقيق التنمية المستدامة.