لم تترك الحرب جسد رائد معروف كما كان، نهشت جسده، وانتزعت منه قدميه وإحدى يديه، لكنها عجزت عن الوصول إلى روحه أو إخماد إرادته في الحياة، فمن بين الركام والوجع، يروي الشاب الغزي حكاية إنسانية تختلط فيها قسوة الفقد بقوة الأمل، وتتحول فيها المعاناة إلى رحلة جديدة نحو الحياة.
معاناة رائد
لم يسمح رائد للألم بأن يسرق منه حقه في الفرح، فاختار أن ينتصر للحياة على طريقته، وينتزع من بين أنقاض الحرب لحظة أمل، توجت بالزواج، متسلحا بالمحبة والألفة والإيمان بأن الحياة، مهما أثقلتها الجراح، قادرة على منح أصحابها فرصة جديدة للبدء من جديد.
واليوم، يخوض رائد فصلا آخر من حكايته، بعدما سافر إلى مصر لاستكمال رحلة العلاج والتعافي، في محاولة لاستعادة ما يمكن استعادته من قدرته على الحركة وممارسة تفاصيل الحياة اليومية، رحلة لا تقتصر على العلاج الجسدي، بل تمتد إلى ترميم الروح، والتكيف مع واقع فرضته الحرب، والتشبث بمستقبل لا تزال أبوابه مفتوحة أمام الأمل.
رائد معروف
صمود رائد
حكاية رائد، على ما تحمله من صمود وإصرار، ليست سوى واحدة من آلاف الحكايات التي تختبئ خلف مشهد الدمار في غزة، هناك، يعيش آلاف الجرحى والمصابين مع تبعات البتر والإصابات البليغة، في أجساد أنهكتها الحرب، ونفوس تحاول التمسك بالحياة وسط ظروف إنسانية وعلاجية بالغة القسوة.
وبين ألم الإصابة وانتظار فرصة للعلاج، يواجه هؤلاء معركة أخرى لا تقل صعوبة عن لحظة الإصابة نفسها، معركة استعادة القدرة على الحركة، والتأهيل، والتكيف مع إعاقات دائمة، والبحث عن سبيل للعودة إلى حياة كريمة، وبينما يتمكن بعضهم من السفر بحثا عن العلاج، لا يزال آخرون ينتظرون فرصة قد تمنحهم بداية جديدة، وتخفف عنهم وطأة الألم.
معاناة مبتورى الأطراف
ولا تتوقف معاناة مبتوري الأطراف في غزة عند لحظة الإصابة أو فقدان أحد الأطراف، بل تبدأ بعدها رحلة طويلة وشاقة مع الألم الجسدي والنفسي، في ظل ظروف إنسانية قاسية ونقص في الإمكانات الطبية ومستلزمات التأهيل، فخلف كل حالة بتر إنسان يحاول التكيف مع واقع جديد، ويواجه صعوبات يومية في الحركة وقضاء احتياجاته الأساسية، وسط احتياج متزايد إلى الأطراف الصناعية والعلاج الطبيعي والدعم النفسي.
وتزداد المعاناة حين تتحول أبسط تفاصيل الحياة، من الوقوف والمشي إلى ارتداء الملابس أو الوصول إلى مكان آمن، إلى تحديات تتطلب جهدا مضاعفا ومساعدة مستمرة.
وبين ألم الفقد وصعوبة التأقلم، يبقى كثيرون رهائن انتظار فرصة للسفر واستكمال العلاج، أو الحصول على خدمات تأهيلية تعينهم على استعادة استقلاليتهم والاندماج في المجتمع، إنها معاناة لا تختصرها الأرقام وحدها، بل تكشفها حكايات أشخاص انتزعت منهم أجزاء من أجسادهم بفعل الحرب، فيما لا يزالون يتمسكون بحقهم في الحياة بكرامة، وبأمل أن يجدوا يدا تمتد إليهم لتخفيف أعبائهم ومساعدتهم على بدء حياة جديدة.
في قصة رائد معروف، لا يبدو الصمود مجرد كلمة تقال في مواجهة الحرب، بل فعلا يوميا يتجسد في القدرة على الحب، وتكوين أسرة، ومواصلة العلاج، والإيمان بأن ما تبقى من الحياة يستحق أن يُعاش.
حكاية شاب فقد أجزاء من جسده، لكنه لا يزال يقاوم كي لا يفقد حقه في المستقبل، وشهادة إنسانية على أن خلف كل إصابة حكاية، وخلف كل حالة بتر إنسانا ينتظر فرصة لاستعادة الأمل، وأن آلاف الجرحى في غزة لا يحتاجون إلى التعاطف وحده، بل إلى العلاج والتأهيل والرعاية التي تعيد إليهم بعضا مما سلبته الحرب.