من الشائعة إلى صناعة الفوضى.. لجان الإخوان الإلكترونية توظف الذكاء الاصطناعي لتزييف الواقع وضرب الثقة في مؤسسات الدولة.. فيديوهات مفبركة وأزمات اقتصادية وهمية تستهدف وعي المصريين لزعزعة الاستقرار

الإثنين، 26 أكتوبر 2026 12:00 م
من الشائعة إلى صناعة الفوضى.. لجان الإخوان الإلكترونية توظف الذكاء الاصطناعي لتزييف الواقع وضرب الثقة في مؤسسات الدولة.. فيديوهات مفبركة وأزمات اقتصادية وهمية تستهدف وعي المصريين لزعزعة الاستقرار الإخوان

كتب عزوز الديب

لم تعد المواجهة الرقمية التي تخوضها جماعة الإخوان الإرهابية تعتمد على نشر الأخبار الكاذبة بصورة تقليدية، بل اتجهت إلى أساليب أكثر تعقيدًا تقوم على صناعة روايات مضللة، وتوظيف المحتوى المرئي والصوتي خارج سياقه، واستغلال أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مشاهد تبدو واقعية، في محاولة للتأثير على اتجاهات الرأي العام وإثارة الشكوك حول مؤسسات الدولة. وفي هذا المشهد، لم تعد منصات التواصل مجرد وسيلة لنقل الشائعات، وإنما تحولت إلى مساحة لإعادة تشكيل الوقائع في أذهان المتلقين، بحيث تكتسب الادعاءات الزائفة مظهر الحقيقة بفعل التكرار وسرعة الانتشار.

وتعكس هذه التحولات انتقال الدعاية الرقمية من نشر معلومة مضللة إلى بناء حملة متكاملة تستهدف قضية بعينها؛ إذ تبدأ بادعاء غير موثق، ثم تدعمه صور أو مقاطع مصورة، قبل إعادة تداوله عبر حسابات وصفحات متعددة، وصولًا إلى خلق انطباع بأن القضية تحظى باهتمام واسع. ومع تصاعد التفاعل، قد يتحول المحتوى إلى «تريند» يجذب مستخدمين لا يعرفون مصدره أو خلفياته، فتتسع دائرة انتشاره دون التحقق من صحته.

الذكاء الاصطناعي.. حين تتحول التكنولوجيا إلى أداة للتضليل

يمثل توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق أحد أبرز التحديات التي تواجه مكافحة التضليل الإلكتروني، بعدما أتاحت هذه الأدوات إنتاج تسجيلات صوتية وصور ومقاطع فيديو يمكن استخدامها لنسب تصريحات لم تصدر عن أصحابها أو تصوير وقائع لم تحدث على النحو المعروض.

وتشمل أنماط التضليل المتداولة ادعاءات بشأن حوادث خطف لفتيات وأطفال، وتسجيلات منسوبة إلى مسؤولين وشخصيات عامة، فضلًا عن مقاطع يجري التلاعب بمحتواها أو اجتزاؤها من سياقها الأصلي. وتكمن الخطورة في أن المحتوى المرئي والصوتي يمنح الادعاء قوة إقناعية إضافية لدى بعض المتلقين، خصوصًا عندما يرتبط بمخاوف اجتماعية قائمة أو يتزامن مع واقعة حقيقية.

ولا يعني ذلك أن كل مقطع مثير للجدل مفبرك، لكن التحدي يكمن في ضرورة التحقق من المصدر والتاريخ والسياق قبل التعامل معه باعتباره دليلًا قاطعًا، في ظل تراجع قدرة المشاهدة وحدها على إثبات صحة المحتوى.

الاقتصاد في مرمى الشائعات.. استهداف القرارات اليومية للمواطنين

يمثل الملف الاقتصادي بيئة حساسة لانتشار المعلومات المضللة، نظرًا لارتباطه المباشر بمعيشة المواطنين ومدخراتهم وثقتهم في المؤسسات المالية. ومن بين الادعاءات التي يجري تداولها شائعات تزعم تعرض مواطنين لإجراءات أمنية بسبب تلقي تحويلات مالية من الخارج، وهي روايات يمكن أن تثير القلق بشأن التعامل مع البنوك والقنوات الرسمية للتحويلات إذا جرى تداولها دون أدلة موثوقة.

ولا تتوقف آثار هذه الشائعات عند إرباك المتلقي أو إثارة غضبه، بل قد تمتد إلى تغيير سلوكه المالي، أو دفعه إلى اتخاذ قرارات بناء على مخاوف غير مثبتة. وينطبق الأمر ذاته على المحتوى الذي يزعم وجود نقص في السلع الأساسية، أو يعيد نشر مشاهد قديمة لزحام الأسواق وعمليات الشراء المكثف، مع تقديمها باعتبارها صورًا للأوضاع الحالية.

وهنا يصبح التلاعب بالتوقيت والسياق عنصرًا أساسيًا في التضليل؛ فقد يكون الفيديو حقيقيًا، لكن استخدامه لإثبات واقعة جديدة لا علاقة له بها.

إعادة تدوير الماضي.. صناعة واقع موازٍ على الشاشات

تقوم إحدى آليات التضليل على إحياء أحداث قديمة وإعادة تقديمها باعتبارها تطورات جارية، سواء تعلق الأمر بمظاهرات أو تجمعات أو أزمات خدمية وأمنية. وتُرفق هذه المواد أحيانًا بعناوين مثيرة تتجاهل تاريخ التصوير ومكانه، بما يخلق انطباعًا بوجود اضطراب آني.

وقد يمتد الأسلوب إلى تداول صور أو مقاطع من دول أخرى، ثم ربطها بادعاءات تتعلق بالأوضاع داخل مصر. ومع تكرار النشر عبر حسابات مختلفة، تتراجع لدى بعض المستخدمين القدرة على التمييز بين الحدث الأصلي والرواية المستحدثة، وتتسع الفجوة بين المعلومات المتداولة والوقائع التي يمكن التحقق منها.

هندسة «التريند».. كيف يصنع التفاعل الوهمي قضية عامة؟

لا تتحدد خطورة الشائعة بمضمونها فقط، بل تتأثر أيضًا بطريقة انتشارها. فالحسابات المجهولة أو غير الموثوقة قد تسهم في تضخيم محتوى بعينه، فيما يمكن للتنسيق بين صفحات متعددة أن يمنحه زخمًا لا يعكس بالضرورة حجم الاهتمام الحقيقي به. ومع تتابع التعليقات والمشاركات، قد يبدو الادعاء وكأنه محل إجماع، رغم غياب الأدلة التي تثبته.

وتشير أرقام متداولة في سياق رصد الشائعات إلى أن المحتوى الاقتصادي يمثل نحو 20.3% من الشائعات محل الرصد، مقابل 11.4% لشائعات التعليم والخدمات، ونحو 11% للشائعات الصحية والجنائية. وتظل دلالة هذه النسب مرتبطة بمصدر البيانات ومنهجية جمعها والفترة الزمنية التي تغطيها، لكنها تبرز أهمية متابعة الملفات الأكثر اتصالًا بالحياة اليومية عند تحليل أنماط التضليل.

المواجهة تبدأ من المعلومة الموثوقة

تتمثل إحدى أبرز مشكلات التضليل الرقمي في اختلال ميزان السرعة؛ إذ يمكن للادعاء الكاذب أن ينتشر خلال دقائق، بينما يتطلب التحقق من تفاصيله ومصدره وقتًا أطول. وخلال هذه الفترة قد تتكون انطباعات خاطئة، أو يتخذ البعض قرارات استنادًا إلى معلومات لم تخضع للفحص.

لذلك، لا تكفي مواجهة الشائعات بمجرد نفيها بعد انتشارها، بل تتطلب رصدًا مبكرًا للمحتوى المضلل، وإتاحة المعلومات الرسمية بوضوح، وسرعة تصحيح الوقائع، إلى جانب تعزيز التربية الإعلامية والوعي بآليات التزييف الرقمي. كما يمثل التحقق من تاريخ الصور ومصادر الفيديوهات ومقارنة الادعاءات بأكثر من مصدر موثوق خط دفاع مهمًا أمام الحملات المنظمة.

وفي النهاية، لا تكمن خطورة الشائعة في بقائها على شاشة الهاتف، وإنما في قدرتها على التأثير في قرارات المواطنين وثقتهم وعلاقاتهم بالمؤسسات. فالمحتوى المضلل قد يستهدف قرارًا ماليًا، أو شعورًا بالأمان، أو ثقة أسرة في خدمة تعليمية أو صحية. ومن ثم، فإن حماية المجال الرقمي لا تتحقق بالاستجابة الأمنية أو الإعلامية وحدها، بل تحتاج إلى منظومة تجمع بين الشفافية وسرعة التحقق وتطبيق القانون والوعي المجتمعي، بما يحد من فرص تحويل الادعاءات غير المثبتة إلى أزمات واقعية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة