لم تعد المنافسة على رئاسة البرازيل مقتصرة على الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ومنافسه فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو؛ فقبل ساعات من جولة الإعادة المقررة اليوم الأحد، انتقلت المعركة إلى ملاعب كرة القدم وحسابات نجومها على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أعلن لاعبون بارزون انحيازاتهم السياسية، بينما تحولت قضية عقارية تخص مهاجم المنتخب البرازيلي ريتشارليسون إلى جزء من الجدل الانتخابي.
وفي بلد تعد فيه كرة القدم جزءا من الهوية الوطنية، لم يكن انقسام اللاعبين بعيدا عن الاهتمام الشعبي، خصوصا بعدما أعلن نيمار دعمه لفلافيو بولسونارو، في مقابل مواقف مؤيدة للولا من نجوم آخرين، بينما وجد ريتشارليسون نفسه طرفا في مواجهة علنية مع المرشح الرئاسي بشأن عقار فاخر على إحدى الجزر البرازيلية.
نيمار والرقم 22.. رسالة انتخابية من نجم السامبا
قبل ثلاثة أيام من جولة الإعادة، دخل نيمار مجددا إلى السجال السياسي، بعدما علق على مقطع مصور ينتقد فلافيو بولسونارو بعبارة قصيرة تضمنت الرقم «22»، وهو الرقم الانتخابي لمرشح الحزب الليبرالي.
ولم يتوقف الأمر عند التعليق؛ ففي 23 أكتوبر، ظهر نيمار في مقطع مصور مع النائب نيكولاس فيريرا، أحد أبرز داعمي بولسونارو، الذي سأله عن رقم قميصه السابق مع برشلونة الإسباني، قبل أن يحول الإجابة إلى إشارة للرقم الانتخابي للمرشح.
ولم يكن هذا الموقف جديدا على نيمار؛ فقد أعلن دعمه لجايير بولسونارو خلال انتخابات 2022، ليواصل انحيازه السياسي إلى العائلة نفسها، ولكن هذه المرة خلف الابن الذي يسعى للوصول إلى القصر الرئاسي.
ريتشارليسون والجزيرة.. خلاف عقاري يدخل الانتخابات
على الجانب الآخر، أثار ريتشارليسون، مهاجم توتنهام الإنجليزي والمنتخب البرازيلي، جدلا واسعا بعدما أعاد فتح نزاع بشأن عقار فاخر في جزيرة كومبريدا، بمنطقة أنجرا دوس ريس في ولاية ريو دي جانيرو.
وتعود القضية إلى عام 2020، عندما يقول اللاعب إنه استثمر نحو عشرة ملايين ريال برازيلي في شراء حقوق مرتبطة بعقار على الجزيرة، قبل أن يفقد السيطرة عليه عقب نزاع قضائي امتد لسنوات.
واتهم ريتشارليسون فلافيو بولسونارو والمحامي ويلر توماز، المقرب منه، بالتدخل في القضية والاستحواذ على العقار بصورة غير مشروعة، مؤكدا أن المرشح الرئاسي سبق أن أبدى اهتمامًا بشرائه، لكنه رفض البيع.
وفي 17 أكتوبر، نشر اللاعب مقطعا مصورا طالب فيه الشرطة الفيدرالية بالتحقيق في ملابسات القضية، ثم عاد بعد أيام ليعرض وثائق قال إنها تثبت حقوقه في العقار.
لكن بولسونارو نفى علاقته بالاستحواذ على الملكية، مؤكدا أنه ليس طرفا في النزاع القضائي، بينما قال المحامي ويلر توماز إن شركته حصلت على الحقوق بصورة قانونية، وإن الأشخاص الذين باعوا العقار لريتشارليسون لم يكونوا يملكون حق التصرف فيه.
وكان النزاع قد وصل إلى القضاء البرازيلي، وصدرت فيه قرارات لمصلحة الشركة المرتبطة بالمحامي، دون أن يمثل ذلك إثباتًا للاتهامات السياسية التي وجهها اللاعب إلى بولسونارو.
لولا يدخل على خط الأزمة
لم يبق الخلاف محصورا بين اللاعب والمرشح الرئاسي؛ ففي 21 أكتوبر، أعلن لولا دا سيلفا أنه سيطلب من الشرطة الفيدرالية التحقيق في القضية، متحدثا عن ضرورة توضيح الملابسات التي أدت إلى فقدان ريتشارليسون حقوقه المزعومة في العقار.
وبذلك، تحولت قضية بدأت باعتبارها نزاعا على ملكية عقارية إلى موضوع حاضر في الأيام الأخيرة من الحملة الرئاسية، بعدما استخدمها طرفا الخلاف في تبادل الاتهامات والردود العلنية.
وتكشف الواقعة كيف يمكن لخلاف شخصي يتعلق بنجم رياضي أن يكتسب أبعادا سياسية واسعة عندما يتزامن مع انتخابات تشهد منافسة حادة، خصوصا إذا كان أحد الأطراف مرشحا لمنصب الرئاسة.
رافينيا وراي وباولينيو.. نجوم في المعسكر الآخر
لم يكن ريتشارليسون وحده في المشهد المقابل لنيمار؛ فقد أظهرت مواقف عدد من اللاعبين السابقين والحاليين وجود انقسام واضح في الوسط الكروي بشأن الانتخابات.
ومن بين الأسماء المرتبطة بدعم لولا، رافينيا لاعب برشلونة الإسباني، وراي نجم المنتخب البرازيلي السابق وبطل كأس العالم 1994، وجونينيو بيرنامبوكانو، المعروف بمواقفه السياسية العلنية.
كما أعلن باولينيو لاعب بالميراس دعمه لإعادة انتخاب لولا، مستشهدًا بالبرامج الاجتماعية والتعليمية التي ارتبطت بحكومات حزب العمال.
وامتد الحضور السياسي إلى كرة القدم النسائية، بعدما عبرت لاعبات من ساو باولو عن تأييدهن للولا خلال احتفالات الفريق بأحد ألقابه، في مشهد أظهر انتقال الجدل الانتخابي إلى مناسبات رياضية لا ترتبط مباشرة بالحملات السياسية.
وفي المقابل، برزت أسماء أخرى مؤيدة لمعسكر بولسونارو، من بينها اللاعب السابق فيليبي ميلو، إلى جانب نيمار وعدد من نجوم الكرة الذين أعلنوا مواقفهم بصورة متفاوتة.
كرة القدم والسياسة.. علاقة أقدم من الانتخابات الحالية
لا يمثل دخول نجوم كرة القدم إلى المنافسة السياسية ظاهرة جديدة في البرازيل؛ فقد شهدت البلاد خلال ثمانينيات القرن الماضي تجربة لافتة ارتبطت بنجم المنتخب السابق سقراط، الذي شارك في حركة «ديمقراطية كورينثيانز»، الداعية إلى توسيع المشاركة في اتخاذ القرارات داخل النادي، في وقت كانت البرازيل تشهد تحولات سياسية مع اقتراب نهاية الحكم العسكري.
لكن أدوات التأثير اختلفت بصورة كبيرة؛ فبينما ارتبط الحضور السياسي للاعبين سابقًا بالمواقف الجماعية والتحركات العامة، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تتيح لنجم واحد الوصول إلى ملايين المتابعين من خلال تعليق قصير أو صورة أو مقطع مصور.
وهذا ما أظهرته مشاركة نيمار، الذي أثار جدلا واسعا بمجرد نشر الرقم الانتخابي لمرشحه المفضل، وكذلك ريتشارليسون الذي نقل خلافه العقاري إلى ساحة النقاش العام خلال الأيام الأخيرة للحملة.
من الملاعب إلى صناديق الاقتراع
تكشف انتخابات البرازيل الحالية أن نجومية اللاعب لا تمنعه من التحول إلى طرف في السجال السياسي، لكنها لا تعني بالضرورة أن جماهيره ستتبنى مواقفه الانتخابية.
كما أن انحيازات اللاعبين تظل مواقف شخصية، ولا تمثل بالضرورة الأندية أو المنتخب الوطني الذي سبق أن جمعهم تحت قميص واحد.
وبين نيمار الذي يستخدم شهرته لإعلان تأييد مرشح، وريتشارليسون الذي أصبح خلافه العقاري جزءا من المواجهة الانتخابية، وغيرهما من اللاعبين الذين أعلنوا مواقفهم، تدخل كرة القدم البرازيلية جولة الإعادة منقسمة سياسيا، بينما يظل حسم المنافسة في يد الناخبين.
فبعدما اعتاد البرازيليون مشاهدة نجومهم يتنافسون على الأهداف والبطولات، أصبح بعض هؤلاء النجوم طرفا في معركة مختلفة، لا تحسم داخل المستطيل الأخضر، وإنما أمام صناديق الاقتراع.