من الشارع إلى الأسواق.. كيف تنعكس احتجاجات أوروبا على الاقتصاد؟.. خبراء يرصدون التأثيرات المحتملة على التجارة والسياحة والاستثمار.. ويناقشون خيارات دعم القدرة الشرائية وتحسين الخدمات مع استدامة التمويل

السبت، 24 أكتوبر 2026 01:00 م
من الشارع إلى الأسواق.. كيف تنعكس احتجاجات أوروبا على الاقتصاد؟.. خبراء يرصدون التأثيرات المحتملة على التجارة والسياحة والاستثمار.. ويناقشون خيارات دعم القدرة الشرائية وتحسين الخدمات مع استدامة التمويل خبراء يرصدون التأثيرات المحتملة على التجارة والسياحة والاستثمار في أوروبا

كتب ـ أحمد عرفة

بين المطالب المتعلقة بالأجور والسكن والتعليم، والأسئلة المرتبطة باستمرار الأعمال وتمويل الخدمات العامة، تفتح الاحتجاجات في عدد من الدول الأوروبية نقاشًا اقتصاديًا متعدد الجوانب: كيف تتأثر الأنشطة التجارية عندما تتعطل حركة النقل أو تغلق منشآت أبوابها؟ وما الفارق بين تكلفة إصلاح الممتلكات المتضررة، والإيرادات التي قد تفقدها الشركات خلال توقف العمل؟ وكيف يمكن الاستجابة للمطالب الاجتماعية مع الحفاظ على استدامة المالية العامة؟

وفي تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، تناول متخصصون في الاقتصاد والشأن الأوروبي هذه التساؤلات، مع التأكيد على اختلاف ظروف الدول ومطالب المشاركين، وضرورة الفصل بين التظاهر السلمي وأعمال الإضرار بالممتلكات، وكذلك بين الخسائر التي يمكن حصرها ماليًا والتأثيرات المحتملة التي تحتاج إلى بيانات لقياسها.

 

تكاليف إصلاح الممتلكات وخسائر توقف النشاط

توضح الدكتورة جيهان جادو، المحللة السياسية المتخصصة في الشأن الأوروبي، أن قراءة الأثر الاقتصادي تستدعي التمييز بين الأضرار المباشرة التي قد تلحق بالمتاجر والمنشآت، والتداعيات غير المباشرة المرتبطة بتعطل الأنشطة أو تغير حركة الاستهلاك.

وتقول جادو، في تصريحاتها من باريس، إن أعمال التخريب والنهب التي قد تصاحب بعض التحركات تفرض نفقات لإصلاح الممتلكات المتضررة واستعادة النشاط، بينما يرتبط جانب آخر من التكلفة بفترات الإغلاق وما قد يترتب عليها من تراجع المبيعات.

جيهان جادو
الدكتورة جيهان جادو

وتشير إلى أن استمرار الاضطرابات قد يؤثر على ثقة بعض المستثمرين والمستهلكين، لكن تقدير هذا الأثر يتطلب النظر إلى مدة الأحداث ونطاقها وطبيعة القطاعات المتأثرة، مع مراعاة اختلاف الظروف الاقتصادية بين الدول الأوروبية.

وتؤكد ضرورة التمييز بين ممارسة الحق في التظاهر السلمي، وبين الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، موضحة أن حماية حرية التعبير والحفاظ على الأمن واستمرار الأنشطة مسؤوليات متكاملة.

 

النقل والتجارة والسياحة.. قطاعات يرتبط تأثرها بمدة التعطل

من جانبها، تقول الدكتورة هدى الملاح، مدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية وخبيرة دراسات الجدوى، إن تعطّل حركة النقل والتجارة وإغلاق بعض المنشآت يمثل قنوات محتملة لانتقال أثر الاضطرابات إلى النشاط الاقتصادي.

وتوضح أن انخفاض الإقبال على الأسواق والمطاعم والفنادق، إذا حدث واستمر، قد ينعكس على إيرادات المنشآت والعاملين بها، مشيرة إلى أهمية متابعة حركة السياحة والحجوزات لفهم مدى تأثر هذا القطاع.

الدكتورة هدى الملاح
الدكتورة هدى الملاح

وتضيف أن بعض الشركات قد تتريث في تنفيذ خطط توسعها عندما ترتفع درجة عدم اليقين، وهو احتمال يحتاج إلى متابعة قرارات الاستثمار الفعلية، ولا يعني أن جميع المشروعات أو القطاعات تتأثر بالدرجة نفسها.

وتؤكد الملاح، أن الاحتجاجات وحدها لا تعني تعذر التعافي الاقتصادي، موضحة أن فرنسا تمتلك قاعدة اقتصادية متنوعة وقطاعات صناعية وخدمية وقدرات إنتاجية وتكنولوجية تدعم قدرتها على التعامل مع المتغيرات.

وبحسب قراءتها، فإن استمرار النشاط واستعادة انتظام الخدمات، إلى جانب التعامل مع أسباب المطالب الاجتماعية، من العوامل المؤثرة في تحديد مدة التداعيات الاقتصادية وحجمها.

 

مطالب متعددة تختلف باختلاف الدول والفئات

ويرصد رضوان جخا، المحلل السياسي المغربي، تنوع الملفات التي تحضر في التحركات الأوروبية، مشيرًا إلى مطالب تتعلق بالتعليم في فرنسا وإيطاليا، وأخرى مرتبطة بالسكن والإيجارات في إسبانيا والبرتغال، إلى جانب قضايا المعيشة والخدمات.

رضوان جخا
رضوان جخا

وتوضح جادو، أن تشابه بعض المطالب لا يلغي اختلاف الأوضاع المالية والاجتماعية بين الدول، وهو ما يستدعي قراءة كل حالة في سياقها، وتبادل الخبرات بشأن السياسات التي تستهدف السكن والعمل والخدمات.

وفي السياق نفسه، تقول الكاتبة فابيولا بدوي إن تعدد الفئات المشاركة في الاحتجاجات الفرنسية يعكس تنوع المطالب التعليمية والاجتماعية والاقتصادية، لكنه لا يعني بالضرورة وجود برنامج سياسي موحد أو اتفاق على الحلول.

وتشير إلى أن المطالب المتعلقة بأعداد المعلمين وكثافة الفصول والمباني التعليمية تتقاطع مع نقاش أوسع بشأن جودة الخدمات العامة والقدرة الشرائية، بما يستلزم تناول كل ملف وفق احتياجاته وأدوات معالجته.

فابيولا بدوي
فابيولا بدوي

تباطؤ التضخم لا يعني انخفاض تكلفة المعيشة

وتلفت بدوي إلى فارق اقتصادي يساعد على فهم المطالب المرتبطة بالدخل: تباطؤ التضخم يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، ولا يعني بالضرورة انخفاضها أو عودتها إلى مستويات سابقة.

وتوضح أن أثر الأسعار على الأسر يختلف بحسب دخولها ونسبة ما تنفقه على السكن والطاقة والغذاء، ولذلك قد يستمر شعور بعض الفئات بالضغط المالي حتى مع تحسن مؤشرات اقتصادية أخرى.

ومن جانبها، ترى الملاح، أن ارتفاع النفقات الأساسية قد يؤثر على قدرة الشباب على الادخار والاستقلال المالي، وهو ما يجعل فرص العمل والإنتاجية وتكاليف السكن عناصر مترابطة في النقاش الاقتصادي.

وتشير جادو إلى أهمية ربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل، ودعم فرص العمل المستقر، ومعالجة صعوبات الحصول على السكن، باعتبارها ملفات تؤثر مباشرة في قدرة الأجيال الجديدة على التخطيط للمستقبل.

 

تمويل الخدمات العامة بين كفاءة الإنفاق واستدامة الموارد

وفيما يتعلق بالاستجابة للمطالب، تقول جادو إن النقاش لا يقتصر على زيادة الإنفاق العام أو خفضه، بل يشمل كيفية توجيه الموارد، وجودة الخدمات، وتوزيع الأعباء المالية.

وتوضح أن التوسع في الإنفاق يحتاج إلى مصادر تمويل مستدامة، بينما تتطلب إجراءات ضبط الموازنة مراعاة انعكاساتها على التعليم والصحة والنقل والسكن، بما يحقق التوازن بين الاحتياجات الاجتماعية والانضباط المالي.

وتتفق الملاح مع أهمية هذه المعادلة، مشيرة إلى أن تغير التركيبة السكانية وزيادة احتياجات المعاشات والرعاية الصحية يضيفان اعتبارات طويلة الأجل إلى قرارات التمويل.

وترى أن زيادة الإنتاجية وتشجيع الاستثمار وتوفير فرص عمل ذات قيمة مضافة، إلى جانب تحسين كفاءة الإنفاق، تساعد على توسيع الموارد المتاحة للخدمات والحماية الاجتماعية، وتؤكد أيضا أهمية شرح القرارات الاقتصادية للمواطنين ومناقشة آثارها على الدخول والخدمات، بما يدعم الحوار بشأن أولويات الإصلاح وتوزيع تكلفته.

 

الحوار والمؤسسات.. أدوات التعامل مع المطالب الاجتماعية

وتقول الدكتورة ليلى همامي، إن فرنسا تمتلك مؤسسات راسخة وخبرات سياسية واجتماعية متراكمة في التعامل مع التحركات المطلبية، وإن الأحداث يمكن أن تفتح مجالًا لمناقشة إصلاحات في التعليم والخدمات العامة.

وتشير إلى أن الحوار بين القوى السياسية والاجتماعية يتيح بحث احتياجات المؤسسات التعليمية والعاملين بها، ومراجعة الإجراءات المطروحة، مع ارتباط النتائج بقدرة السياسات على تقديم استجابات عملية.

الدكتورة ليلى همامى
الدكتورة ليلى همامى

وتؤكد بدوي أن تقييم نتائج الاحتجاجات يحتاج إلى متابعة التعديلات الفعلية في السياسات، ومدى استجابتها للمطالب، وقدرة المشاركين على الحفاظ على دعم اجتماعي لها.

وتشدد على أن تعدد المشاركين لا يبرر تحميل الجميع مسؤولية تصرفات مجموعات محددة، كما أن حماية الأشخاص والممتلكات واحترام القانون والحقوق تمثل عناصر أساسية في التعامل مع الأحداث.

 

قياس الخسائر يحتاج إلى بيانات عن الأضرار والمبيعات والتعطل

وتعرض إفادات المصادر مسارات محتملة للتأثير الاقتصادي، لكنها لا تقدم حصيلة مالية شاملة لخسائر الأحداث الحالية. ويتطلب الوصول إلى تقدير قابل للمقارنة بيانات تحدد الفترة والموقع والقطاع، وتفصل بين أضرار الممتلكات وخسائر توقف الأعمال وتكاليف استعادة الخدمات.

كما يحتاج رصد الأثر على السياحة والاستثمار إلى مقارنة الحجوزات والمبيعات والقرارات الفعلية بفترات مناسبة، حتى يمكن تحديد ما يرتبط بالأحداث وما يرجع إلى عوامل اقتصادية أخرى.

وبذلك تظل متابعة انتظام الأنشطة، وحصر الأضرار، والاستجابات الحكومية والاجتماعية، أساسًا لتقييم التداعيات الاقتصادية لكل حالة، مع الحفاظ على التمييز بين المطالب السلمية والأفعال التي تلحق الضرر بالأشخاص والممتلكات.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة