تعود الملاجئ النووية ومرافق الحماية المدنية إلى واجهة الاهتمام في أوروبا، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتزايد المخاوف من الهجمات الجوية والطائرات المسيرة والتهديدات الهجينة. وبينما تتجه دول أوروبية إلى تحديث خطط الطوارئ وتحديد أماكن الاحتماء وتطوير أنظمة الإنذار، تكشف المقارنة بين الدول عن تفاوت كبير في مستوى الاستعداد، من شبكات ملاجئ واسعة في سويسرا وفنلندا والسويد، إلى دول تعيد حصر المنشآت القائمة بدلًا من بناء ملاجئ جديدة.
ولا يعني هذا التحرك أن أوروبا تستعد لـ حرب نووية وشيكة، لكنه يعكس عودة ملف حماية المدنيين إلى الحسابات الأمنية، بعدما تراجعت أهمية كثير من منشآت الحرب الباردة أو أُغلقت أو تحولت إلى استخدامات أخرى.
ألمانيا تعيد حصر الملاجئ وتخصص مليارات للحماية المدنية
تواجه ألمانيا واحدة من أبرز فجوات الاستعداد المدني في أوروبا. فبحسب تقارير منشورة في عام 2026، لا يتجاوز عدد الملاجئ العامة المتبقية نحو 579 ملجأ، بطاقة استيعابية تقارب 480 ألف شخص، وهي نسبة محدودة مقارنة بعدد السكان الذي يتجاوز 80 مليون نسمة.
وتتجه السلطات الألمانية إلى تسجيل مواقع يمكن استخدامها وقت الطوارئ، مثل مواقف السيارات تحت الأرض والأنفاق ومحطات المترو والأقبية المناسبة، بدلًا من الاعتماد على إنشاء شبكة ضخمة من الملاجئ الجديدة. كما أعلنت الحكومة حزمة للحماية المدنية بقيمة 10 مليارات يورو حتى عام 2029، تشمل تعزيز قدرات الاستجابة ووسائل الإنذار والمعدات المتخصصة والتنسيق بين الجهات المعنية.
لكن هذه الأموال لا تعني تخصيص المبلغ كله لبناء ملاجئ نووية؛ إذ تشمل الحزمة جوانب أوسع من الحماية المدنية، بينما يظل تحويل المساحات القائمة إلى أماكن آمنة مرتبطًا بمدى صلاحيتها وتجهيزها وإمكانية الوصول إليها عند وقوع الطوارئ.
بولندا تحدد 86 ألف نقطة للاحتماء
تتحرك بولندا على مسار مختلف نسبيًا، في ظل قربها الجغرافي من الحرب في أوكرانيا. وأعلنت وزارة الداخلية البولندية في 30 سبتمبر 2026 أن أكثر من 86 ألف نقطة احتماء ستُحدد بعلامات واضحة في الأماكن العامة بحلول نهاية العام.
وتشمل هذه النقاط مباني عامة وأقبية ومواقف سيارات تحت الأرض، ويمكن أن توفر حماية أساسية في حالات مثل الهجمات الجوية وهجمات الطائرات المسيرة والاعتداءات الإرهابية وبعض المخاطر المفاجئة. كما تتيح قاعدة بيانات مخصصة للمواطنين التعرف على مواقع الاحتماء ومستوى الحماية الذي توفره.
غير أن هذه النقاط لا تعادل بالضرورة الملاجئ النووية المحصنة؛ فالمقصود بها توفير مستويات متفاوتة من الحماية، ويعتمد استخدامها على طبيعة الخطر وحالة المبنى وإمكانية الوصول إليه. وتعمل بولندا كذلك على توسيع جهود الدفاع المدني وحماية السكان ضمن خطط أوسع للاستعداد للطوارئ.
سويسرا وفنلندا والسويد.. شبكات أكثر رسوخًا
تختلف الصورة في شمال أوروبا وسويسرا، حيث احتفظت بعض الدول ببنية أكثر تطورًا للحماية المدنية منذ الحرب الباردة.
وتُعد سويسرا من أبرز النماذج الأوروبية، إذ تفرض منظومتها القانونية توفير ملاجئ للسكان، وتضم شبكتها آلاف الملاجئ العامة ومئات الآلاف من الملاجئ الخاصة. وتُقدّر الطاقة الاستيعابية الإجمالية بنحو 9.3 مليون شخص، بما يوازي عدد السكان تقريبًا، وفق بيانات أوردها تقرير صحفي أوروبي عن الملاجئ في سبتمبر 2025.
أما السويد، فتضم نحو 64 ألف ملجأ للحماية المدنية يمكنها استيعاب قرابة 7 ملايين شخص. وتعمل الحكومة على تحسين جاهزية هذه المنشآت وتدريب الجهات المسؤولة عن صيانتها وتشغيلها، كما ينبغي أن تكون الملاجئ جاهزة للاستخدام خلال 48 ساعة عند رفع مستوى الاستعداد. وتوفر هذه الملاجئ حماية من موجات الضغط والشظايا والإشعاع والتهديدات الكيميائية والبيولوجية، لكنها لا تضمن النجاة من إصابة مباشرة بسلاح نووي.
وفي فنلندا، تشير بيانات منشورة إلى وجود نحو 50.5 ألف ملجأ، تكفي لحماية قرابة 4.8 مليون شخص، ويقع معظمها في منشآت خاصة. ويعكس هذا النموذج اعتمادًا طويل الأمد على دمج الحماية المدنية في المباني والبنية التحتية، بدلًا من التعامل معها باعتبارها استجابة مؤقتة للأزمات.
دول البلطيق تستعد للإجلاء وحماية المناطق الحدودية
لا يقتصر الاستعداد الأوروبي على الملاجئ، بل يمتد إلى خطط إجلاء السكان وتعزيز المناطق الحدودية. وتولي إستونيا ولاتفيا وليتوانيا اهتمامًا متزايدًا للتحصينات والدفاع عن الحدود، بالتوازي مع تطوير خطط مدنية للتعامل مع احتمالات التصعيد.
وتشمل هذه الاستعدادات تحديد طرق الإجلاء، وتنسيق حركة السكان، وتعزيز القدرة على استمرار الخدمات الأساسية في الأزمات. وتزداد أهمية هذه الخطط في المناطق القريبة من روسيا وبيلاروسيا، حيث يمكن أن يؤدي أي تصعيد إلى ضغط سريع على البنية التحتية وخدمات الطوارئ.
وفي المقابل، لا تمتلك كل الدول الأوروبية شبكات ملاجئ واسعة أو متكاملة؛ إذ أُهملت منشآت كثيرة من حقبة الحرب الباردة أو أصبحت غير مناسبة للتهديدات الحديثة، ما يدفع بعض الحكومات إلى إعادة تقييم الأقبية والأنفاق والمنشآت الموجودة بدلًا من إنشاء ملاجئ جديدة على نطاق واسع.
الاتحاد الأوروبي يدفع نحو استعداد يمتد إلى كل منزل
على المستوى الأوروبي، تتجاوز الاستعدادات مسألة الملاجئ إلى بناء قدرة المجتمع على التعامل مع الأزمات، سواء كانت عسكرية أو طبيعية أو مرتبطة بانقطاع الخدمات والإمدادات. وتتضمن استراتيجية الاتحاد الأوروبي للاستعداد تشجيع المواطنين على الاحتفاظ بإمدادات أساسية تكفي لمدة لا تقل عن 72 ساعة، إلى جانب تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتعزيز التنسيق بين الدول وأجهزة الطوارئ.
ويعني ذلك أن الحماية المدنية لا تعتمد على وجود ملجأ فقط، بل تتطلب أيضًا معرفة أقرب مكان آمن، واتباع التعليمات الرسمية، وتوافر المياه والأدوية ومستلزمات الإسعافات الأولية، وقدرة السلطات على إيصال التحذيرات بسرعة.
وتكشف هذه التحركات عن مشهد أوروبي غير متجانس: سويسرا وفنلندا والسويد تمتلك شبكات أكثر رسوخًا، بينما تحاول ألمانيا سد فجوات في بنيتها القديمة، وتعمل بولندا على تحديد نقاط الاحتماء وتسهيل الوصول إليها. لكن التحدي الأكبر يظل ضمان أن تكون المواقع المعلنة صالحة للاستخدام فعلًا، وأن توفر مستوى الحماية المناسب للخطر، بدلًا من الاكتفاء بإحصاء المباني والمساحات المتاحة.