تتسع تداعيات الطقس المتطرف حول العالم، بين فيضانات مدمرة تجتاح المدن والقرى، ومناطق تعاني الجفاف وتراجع الأمطار، ومخاوف من موجات حر وحرائق واضطرابات في المحاصيل خلال الأشهر المقبلة. وفي أحدث المشاهد، ضربت العاصفة «آدم» شرق إسبانيا بأمطار استثنائية تسببت في فيضانات واسعة، ووفاة خمسة أشخاص على الأقل، وإجلاء آلاف السكان، بينما تتزايد التحذيرات المناخية من استمرار اضطراب أنماط الأمطار والحرارة مع اشتداد ظاهرة النينيو.
وتكشف هذه التطورات عن صورة مناخية متناقضة؛ ففي الوقت الذي تغرق فيه مناطق تحت وطأة السيول، تواجه مناطق أخرى نقصًا حادًا في المياه وتهديدات للمحاصيل الزراعية. وبينما لا يمكن اعتبار كل كارثة طبيعية نتيجة مباشرة للتغير المناخي، فإن ارتفاع حرارة الكوكب يغير الظروف التي تتشكل فيها الظواهر الجوية، ويزيد مخاطر بعض الأحداث المتطرفة وشدتها، بحسب طبيعة المنطقة والظاهرة.
فيضانات إسبانيا.. أمطار استثنائية وإجلاء آلاف السكان
شهد شرق إسبانيا واحدة من أبرز الكوارث الجوية خلال الأيام الأخيرة،بعدما تسببت العاصفة «آدم»، المرتبطة بنظام جوي من نوع «دانا»، في هطول أمطار غزيرة على مناطق من إقليم فالنسيا ومقاطعات ساحلية أخرى.
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة 20 مينوتوس الإسبانية فقد أسفرت العاصفة عن وفاة خمسة أشخاص على الأقل، فيما أجلت قوات الحرس المدني أكثر من 2100 شخص، ونفذت قرابة 500 عملية إنقاذ منذ بداية الأزمة. كما سجلت مناطق في إقليم فالنسيا كميات استثنائية من الأمطار، تجاوزت 700 لتر للمتر المربع خلال فترة الهطول، وهو ما أدى إلى فيضان مجارٍ مائية وغمر طرق ومنازل وعزل بلدات عن محيطها.
وكانت بلدة أوليفا من أكثر المناطق تضررًا، إذ اضطرت فرق الإنقاذ إلى إجلاء السكان من مواقع غمرتها المياه، بينما استُخدمت المروحيات والقوارب للوصول إلى أشخاص حاصرتهم السيول. وأثارت المشاهد مخاوف من تكرار كارثة فالنسيا في عام 2024، التي خلفت أكثر من 230 وفاة، وأعادت إلى الواجهة أسئلة بشأن استعداد المدن لمواجهة الأمطار الاستثنائية وقدرة أنظمة الإنذار والإخلاء على الحد من الخسائر.
وتوضح الأزمة الإسبانية أن حجم الخطر لا يتحدد بكمية الأمطار وحدها، بل يتأثر أيضًا بسرعة هطولها، وطبيعة التضاريس، وتشبع التربة بالمياه، وقدرة شبكات الصرف ومجاري الأنهار على استيعاب التدفقات المفاجئة.
النينيو يغير أنماط الطقس.. مناطق تغرق وأخرى تجف
في الوقت الذي تواجه فيه إسبانيا الفيضانات، تحذر تقارير مناخية دولية من اتساع التباين في أنماط الأمطار بين مناطق العالم، مع استمرار تطور ظاهرة النينيو في المحيط الهادئ.
وقالت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، في تحديث نشرته في 8 أكتوبر، إن ظاهرة النينيو مرجح أن تستمر حتى فبراير 2027، مع توقعات بأن تكون من أقوى الحالات المسجلة منذ عام 1950. وتؤثر الظاهرة في دوران الغلاف الجوي ودرجات حرارة المحيطات، بما يغير أنماط الأمطار والحرارة في مناطق متعددة، وقد يزيد احتمالات الجفاف في بعض الأماكن والأمطار الغزيرة في أماكن أخرى.
لكن النينيو لا تعني أن جميع مناطق العالم ستشهد الطقس نفسه، كما لا تحدد وحدها موعد وقوع كل فيضان أو موجة جفاف. فالتأثيرات تختلف بحسب الموقع الجغرافي والفصل وأنماط الرياح وظروف المحيطات الأخرى، ولذلك تظل التوقعات الإقليمية ومتابعة التحذيرات المحلية ضرورية.
وتشير تقارير مراقبة المخاطر الجوية إلى أن الأمطار الغزيرة والفيضانات أثرت خلال أكتوبر في أجزاء من وسط وشمال إفريقيا، ووسط آسيا، وأمريكا الوسطى، وشمال أمريكا الجنوبية، بينما استمر الجفاف طويل الأمد في مناطق أخرى. ويعكس ذلك صعوبة التعامل مع أزمة مناخية تجمع بين فائض المياه في منطقة ونقصها في منطقة أخرى خلال الفترة نفسها.
الجفاف يهدد الزراعة والمياه.. والهند تواجه موسمًا صعبًا
على الجانب الآخر من المشهد، تواجه مناطق في آسيا مخاطر متزايدة بسبب نقص الأمطار وارتفاع درجات الحرارة. وذكرت وكالة ناسا، في تحديث نُشر في 12 أكتوبر، أن أجزاء من الهند شهدت خلال موسم الصيف جفافًا هو الأسوأ منذ عام 2015، في وقت تتابع فيه الوكالة التغيرات في كميات الهطول خلال تطور النينيو الحالية.
ويؤثر الجفاف في الزراعة من خلال تقليص المياه المتاحة للري، ورفع الضغط على الأنهار والخزانات، وزيادة احتياجات المحاصيل إلى المياه. وقد تمتد التداعيات إلى الثروة الحيوانية وإنتاج الغذاء وأسعار بعض السلع، خصوصًا عندما يتزامن نقص الأمطار مع ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة.
كما تواجه أجزاء من جنوب شرق آسيا مخاطر تتعلق بتراجع المياه وحرائق الغابات وتأثر المحاصيل، في ظل أهمية المنطقة في إنتاج الأرز وزيت النخيل وسلع زراعية أخرى. وحذرت تقارير حديثة من أن اشتداد النينيو قد يزيد الضغوط على الأمن الغذائي إذا تراجعت الإمدادات الزراعية بالتزامن مع استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج.
من الفيضانات إلى الحرائق.. سلسلة مخاطر تضرب العالم
لا تقتصر آثار اضطراب المناخ على الأمطار والجفاف، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع الحرارة وجفاف النباتات والتربة إلى زيادة قابلية بعض المناطق لاندلاع الحرائق وانتشارها، بينما قد تتسبب الأمطار الغزيرة في انهيارات أرضية وفيضانات مفاجئة.
وفي جبال الهيمالايا، سلطت كوارث حديثة الضوء على مخاطر الانهيارات الجليدية والصخرية والفيضانات الطينية في المناطق الجبلية، حيث يؤدي الاحترار السريع إلى تغيير استقرار الجليد والتربة والمنحدرات. وأشارت منظمة «وورلد ويذر أتريبيوشن» إلى أن كارثة وقعت في أغسطس 2026 قرب الحدود بين نيبال والصين، بعد انهيار صخري جليدي تحول إلى تدفق مدمر من الحطام والمياه، تسببت في خسائر واسعة.
وفي سياق أوسع، نشر خبراء مناخ ووكالة «رويترز» تحليلًا في 20 أكتوبر عن اتساع موجات الحرارة التي تغطي مساحات شاسعة وتستمر لفترات طويلة، في ظاهرة وصفها التقرير بـ«عواصف الحرارة». ويشير التحليل إلى زيادة تواتر هذه الأحداث مقارنة بالعقود الماضية، مع آثار تمتد إلى صحة السكان والزراعة والأنظمة البيئية.
ولا يعني تزامن هذه الكوارث أن سببها واحد؛ فلكل حدث ظروفه الجوية والجغرافية الخاصة. لكن الاحترار العالمي يمكن أن يرفع احتمالات بعض الظواهر المتطرفة، فيما تؤثر عوامل مثل التخطيط العمراني وإزالة الغابات وإدارة المياه في حجم الخسائر التي تتعرض لها المجتمعات.
هل يشهد العالم مزيدًا من الكوارث المناخية في 2027؟
تظل الأشهر المقبلة محط متابعة من جانب خبراء المناخ، في ظل توقعات استمرار النينيو واضطراب أنماط الأمطار وارتفاع درجات الحرارة في مناطق واسعة. وقد تواجه بعض المناطق مخاطر أكبر من الجفاف والحرائق، بينما تظل مناطق أخرى معرضة لأمطار شديدة وفيضانات مفاجئة.
لكن التوقعات المناخية لا تعني أن كل منطقة ستتعرض لكارثة، ولا تسمح بتحديد جميع الأحداث الجوية مسبقًا. ويتوقف حجم الأضرار على شدة الظواهر، ومدى استعداد الحكومات، وفعالية أنظمة الإنذار المبكر، وقدرة البنية التحتية على التعامل مع السيول والحرارة ونقص المياه.
وتعيد فيضانات إسبانيا التأكيد على أهمية الاستعداد للكوارث الجوية، خصوصًا في المناطق التي شهدت خسائر سابقة أوتتعرض لأمطار غزيرة خلال فترات قصيرة. فإلى جانب خفض الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، تحتاج الدول إلى تحسين أنظمة تصريف المياه، وتطوير خرائط مخاطر الفيضانات، وحماية المناطق المعرضة للانهيارات، ووضع خطط واضحة لإجلاء السكان.
وبين مدن تغمرها المياه وأراضٍ تتشقق من الجفاف، يتزايد التحدي أمام العالم في التعامل مع مناخ تتغير أنماطه ومخاطره. وتبقى الرسالة الأهم أن الاستعداد المبكر والاعتماد على التحذيرات العلمية يمكن أن يقللا الخسائر البشرية والمادية، حتى عندما يتعذر منع الظواهر الطبيعية نفسها.