هل اقتربت نهاية التنظيم بالقارة العجوز؟.. باحث يكشف كواليس التحول الأوروبى من احتواء الجماعة لمواجهة شبكاتها السياسية والإعلامية ومخاطر اللوبى الإخوانى ومستقبلها فى ظل الانقسامات الداخلية وتراجع الغطاء السياسى

الجمعة، 23 أكتوبر 2026 10:00 ص
هل اقتربت نهاية التنظيم بالقارة العجوز؟.. باحث يكشف كواليس التحول الأوروبى من احتواء الجماعة لمواجهة شبكاتها السياسية والإعلامية ومخاطر اللوبى الإخوانى ومستقبلها فى ظل الانقسامات الداخلية وتراجع الغطاء السياسى جماعة الإخوان الإرهابية

كتبت: منة الله حمدى

في خطوة تعكس تحولًا في النظرة الأوروبية لجماعة الإخوان الإرهابية ، صوّت البرلمان الأوروبي لصالح استراتيجية مواجهة نفوذ شبكات لشبكات المتطرفة السياسية. فهل يشكل هذا التصويت تهديدًا وجوديًا للجماعة، أم يبقى مجرد جرس إنذار؟ يقول طارق أبو السعد، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، إن الأمر يستحق قراءة متأنية تكشف أبعاد الوجود الإخواني في أوروبا ومستقبله.

 

الإخوان والبرلمان الأوروبي.. تهديد أم جرس إنذار؟

قال طارق أبو السعد، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، إن تصويت البرلمان الأوروبي لصالح تبنّي استراتيجية فعّالة لمواجهة نفوذ شبكات الإسلام السياسي في أوروبا، وعلى رأسها الشبكات المرتبطة بجماعة الإخوان، يُعدّ خطوة واسعة ومهمة في مواجهة تنظيم مصنّف إرهابيًا في مصر وعدد من الدول العربية والغربية. وأضاف أن هذا التصويت، بصرف النظر عن نتائجه المستقبلية، يمثل تحولًا جوهريًا في نظرة المؤسسات الأوروبية إلى الجماعة، وانتقالًا تدريجيًا من التعامل معها باعتبارها جزءً من المشهد الديني والاجتماعي للمسلمين في أوروبا، إلى النظر إليها باعتبارها شبكة إيديولوجية وتنظيمية قد تشكل تهديدًا طويل المدى لطبيعة المجتمعات الأوروبية وقيمها السياسية والثقافية والاجتماعية.

طارق أبو السعد
طارق أبو السعد

 

جرس إنذار

غير أن أبو السعد حذّر من المبالغة في تقدير أثر التصويت رغم أهميته، موضحًا أن الجهة المعنية باتخاذ قرار ملزم بإدراج جماعة أو أفراد أو كيانات في قائمة الاتحاد الأوروبي للإرهاب هي مجلس الاتحاد الأوروبي، وذلك وفق إجراءات قانونية لم تُتخذ بعد. وبناءً على ذلك، اعتبر بعض الباحثين أن التصويت "مجرد جرس إنذار" بأن خطورة الإخوان تتجاوز العمليات الإرهابية المباشرة إلى ما هو أكثر تعقيدًا وتأثيرًا في بنية المجتمعات الأوروبية نفسها. مضيفا أن تنظيم الإخوان تحوّل من مجرد ورقة تستخدمها بعض الدول الأوروبية لتهدئة قطاعات من الجاليات المسلمة أو الحديث نيابة عنها فيما يخص احتياجاتها الدينية والاجتماعية، إلى نسج شبكة واسعة النفوذ داخل المجتمعات العربية والإسلامية المقيمة في أوروبا، وهو ما يمثل محاولة لتكوين شكل من أشكال جماعات الضغط، أو ما يمكن تسميته بـ"اللوبي الإخواني"، وهو خروج عن الدور الذي سمحت به بعض السياسات الأوروبية، ويمثل خطرًا بدأت أوروبا تدرك أبعاده.

 

حركة التنظيم العالمي الدولي للإخوان

ولفهم هذا التحول، قال الباحث إنه ينبغي العودة إلى طبيعة الوجود الإخواني في أوروبا، الذي لم ينشأ باعتباره وجودًا تنظيميًا مباشرًا فحسب، وإنما تشكّل عبر عقود طويلة من خلال الجمعيات الدينية والمؤسسات التعليمية والمراكز الإسلامية والأنشطة الخيرية والثقافية، إلى جانب شبكات العلاقات الشخصية وحركة التنظيم العالمي "الدولي للإخوان". وأضاف أن تيارات الإسلام السياسي استفادت من مناخ الحريات الأوروبية، ومن حاجة الحكومات إلى وجود مخاطبين منظمين داخل الجاليات المسلمة، خاصة مع تزايد أعداد المهاجرين المسلمين منذ النصف الثاني من القرن العشرين.

 

توظيف العلاقات الإخوانية في المجتمع الغربي 

وهنا أشار أبو السعد إلى المفارقة الأساسية؛ فبينما كانت بعض الحكومات الأوروبية تبحث عن مؤسسات تساعدها على إدارة العلاقة مع المسلمين، كانت الشبكات الإخوانية تسعى إلى توظيف هذه العلاقة لتعزيز حضورها المؤسسي والاجتماعي، واكتساب قدر من الشرعية السياسية والشعبية وسط الجاليات. وأضاف أن الأمر لم يقتصر على بناء مسجد أو إدارة مركز إسلامي أو تقديم خدمات دينية، وهي أنشطة مشروعة بطبيعتها، وإنما امتد إلى محاولة التأثير في الخطاب الديني، وتوجيه قطاعات من الشباب، والتدخل في قضايا الهوية والتعليم والأسرة، والسعي إلى احتكار الحديث باسم المسلمين أمام الحكومات والمؤسسات الرسمية.

 

وقال أبو السعد إن المشكلة الأوروبية مع الإخوان تكمن تحديدًا هنا؛ فالدولة الأوروبية لا تخشى وجود المسلمين أو ممارسة شعائرهم الدينية، وإنما تخشى تحوّل الدين إلى أداة لبناء ولاءات سياسية وإيديولوجية موازية للولاء الوطني، أو إلى وسيلة لتكوين جماعات مغلقة تعيش داخل المجتمع دون أن تندمج فيه. وأضاف أن الدور الإيديولوجي للإخوان الإرهابية أخطر على المدى البعيد مما كان يتوقعه بعض الساسة الأوروبيين؛ لأنه يعمّق الانفصال عن المجتمع، ويضع عراقيل أمام الاندماج، ويغذي خطابًا يرفض العلمانية والليبرالية وبعض الحريات العامة بزعم تعارضها مع الدين.

 

التجربة الفرنسية أبرز نماذج التصاعد والقلق

ولفت الباحث إلى أن التجربة الفرنسية تمثل أحد أبرز النماذج على تصاعد هذا القلق، خاصة بعد التقرير الحكومي الصادر في مايو 2025 بشأن جماعة الإخوان الإرهابية في فرنسا، الذي تناول مخاطر ما وصفه بالتغلغل الإيديولوجي والمؤسسي داخل بعض القطاعات الاجتماعية والدينية. مضيفا، أن هذا التقرير يعبّر عن انتقال الاهتمام الأوروبي من مراقبة التطرف العنيف وحده إلى الاهتمام بالتطرف غير العنيف، الذي قد لا يستخدم السلاح، لكنه يسعى إلى التأثير التدريجي في المجتمع ومؤسساته وقيمه.

 

وقال أبو السعد إن ألمانيا والنمسا شهدتا خلال السنوات الماضية نقاشات أمنية وسياسية بشأن بعض المؤسسات والشبكات المرتبطة بإيديولوجيا الإخوان الإرهابية، مع اختلاف طبيعة الإجراءات والتقييمات القانونية من دولة إلى أخرى. مضيفا، أن أخطر ما يقلق الأوروبيين ليس مجرد وجود تنظيم إخواني داخل حدودهم، وإنما احتمالات تحوّله إلى شبكة مصالح وضغط سياسي "لوبي إخواني"، تمتلك مؤسسات تعليمية ودينية واجتماعية، وتستطيع التأثير في اتجاهات قطاعات من الجاليات المسلمة، ثم توظيف هذا التأثير في التفاوض مع الحكومات الأوروبية.

 

و قال أبو السعد إنه لا يمكن اعتبار التصويت الأوروبي الذي جرى يوم الخميس 8 اكتوبر 2026 تهديدًا وجوديًا مباشرًا للجماعة، ما لم يتحول إلى قرار من الاتحاد الأوروبي، فهو أقرب إلى رسالة تحذير وتنبيه، تستهدف إعادة ضبط سياسات الجماعة وتحجيم نفوذها، وربما دفع المؤسسات المرتبطة بها إلى العودة إلى حدود الدور الوظيفي الذي قامت به في مراحل سابقة، دون تجاوز الخطوط الحمراء. مضيفا، أن الدول الأوروبية التي تعاملت لعقود مع شخصيات ومؤسسات محسوبة على الإسلام السياسي وقادة في التنظيم العالمي للإخوان الارهابي، لا تستطيع بسهولة تفكيك هذه العلاقات دفعة واحدة، كما أن وجود التنظيم في أوروبا لا يرتبط بالمؤسسات الدينية وحدها، وإنما يمتد إلى علاقات سياسية وإعلامية واقتصادية وشبكات اجتماعية نشأت عبر سنوات طويلة، وهو ما يجعل التعامل معها أكثر تعقيدًا من مجرد إصدار قرار بالحظر.

 

موقف انجلترا من الإخوان الإرهابية

وقال أبو السعد إن موقف إنجلترا يبرز بوصفه أحد العناصر المهمة في رسم مستقبل التنظيم الدولي للإخوان، فقد مثّلت على مدار عقود إحدى الساحات التي راعت نشاط الجماعة، واستضافت شخصيات قيادية في التنظيم الدولي، وأصبحت لندن إحدى العواصم المؤثرة في علاقات الجماعة الخارجية. مضيفا، أنه رغم أن المراجعة الإنجليزية الرسمية لجماعة الإخوان الارهابية، التي نُشرت خلاصاتها عام 2015، تضمنت انتقادات وتحذيرات بشأن بعض جوانب إيديولوجيا الجماعة وعلاقاتها بالتطرف، فإن إنجلترا لم تتخذ قرارًا شاملًا بحظر التنظيم، ومن غير المتوقع أن تتجه حاليًا إلى تصنيف شامل للجماعة منظمة إرهابية، ورغم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مما يجعل موقفها منفصلًا من الناحية القانونية عن أي قرار أوروبي محتمل، فإن تأثيرها السياسي والأمني سيظل حاضرًا في أي قرار يخص مستقبل الإخوان.

 

تأثير الإعلام الإخوانى على الدول الروبية

وأوضح "أبو السعد" لم تكن المنصات الإعلامية التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية، وما تديره من قنوات فضائية ومواقع إلكترونية وحسابات منسقة على منصات التواصل الاجتماعي، بعيدة عن هذا التحول الأوروبي؛ بل يمكن القول إنها كانت أحد الأسباب التي عمّقت القلق الأوروبي من الجماعة خلال السنوات الأخيرة. فمنذ أن فقد التنظيم قدرته على الحركة داخل مصر بعد عام 2013، تحولت هذه المنصات إلى أداة رئيسية لبث خطاب مشوّه يخلط بين الدين والسياسة، ويروّج لسرديات مضللة عن واقع المسلمين في أوروبا، ويصوّر المجتمعات الأوروبية بوصفها بيئة معادية للإسلام، بما يغذي مشاعر الانفصال والعزلة لدى قطاعات من الجاليات المسلمة، ويضع عراقيل أمام اندماجها في مجتمعاتها المضيفة.

 

مشيرًا إلى ما لعبته هذه المنصات ودورها في التشويه المنهجي لصورة الدول الأوروبية ومؤسساتها، وخاصة تلك التي بدأت مراجعة علاقتها بالشبكات الإخوانية، مثل فرنسا وألمانيا والنمسا، عبر حملات ترويجية تخلط بين نقد السياسات الحكومية والتحريض على مؤسسات الدولة نفسها. ولم تقتصر هذه المنصات على الخطاب الدعائي المباشر، وإنما امتدت إلى إنتاج محتوى يقدّم قيادات التنظيم بوصفهم "ممثلين شرعيين" للمسلمين في أوروبا، ويوظف قضايا الهوية والاندماج والحرية الدينية في سياق سياسي ضيق يخدم أجندة الجماعة، وهو ما أثار انتباه المؤسسات الأوروبية إلى أن خطر الإخوان لا يقتصر على البنية التنظيمية والجمعياتية، بل يمتد إلى آلة إعلامية موازية تسعى إلى تشكيل الوعي الجمعي للجاليات المسلمة وتوجيهه بعيدًا عن سياق الاندماج الوطني.


واختتم أبو السعد قائلًا إن الأخطر على الجماعة أن هذه التحولات تأتي في وقت تعاني فيه أصلًا من أزمة تنظيمية داخلية، وانقسامات في القيادة، وتراجع في قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها تنظيمًا دوليًا موحدًا يمتلك مشروعًا سياسيًا قابلًا للحياة. مضيفا، أن التنظيم الذي فقد السلطة في مصر عام 2013، ودخل في صراعات قيادية ممتدة، واعتمد بصورة متزايدة على مساحات الحركة الخارجية، سوف يجد نفسه أمام تحديات إضافية إذا بدأت الدول الأوروبية في مراجعة علاقتها بمؤسساته وشبكاته، وقد يؤدي ذلك إلى تعميق الانقسامات الداخلية، خاصة إذا تراجعت الموارد المالية أو تقلّصت قدرة القيادات على إدارة العلاقات الخارجية، أو فقدت المؤسسات المرتبطة بالتنظيم جانبًا من الغطاء السياسي والاجتماعي الذي تمتعت به.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة