بين نهار يميل إلى الحرارة وليالٍ تقترب فيها الأجواء من البرودة، تدخل الزراعات المصرية مرحلة تحتاج إلى حسابات دقيقة، لا سيما مع التغيرات الجوية التي تشهدها البلاد خلال النصف الثاني من أكتوبر. فالفترة التي وصفها الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية، بـ«أيام الحيرة»، لا تتعلق فقط بتغير الملابس المناسبة بين النهار والليل، وإنما تضع المزارعين أمام تحدٍ مهم يتمثل في حماية المحاصيل من تداعيات التذبذب الحراري والرطوبة، والاستعداد لموسم الشتاء دون الإضرار بمعدلات النمو والإنتاج.
ومع اقتراب موسم زراعة القمح واتساع الاهتمام بالمحاصيل الشتوية، تبرز أهمية هذه الفترة بالنسبة إلى المزارعين، خاصة في الزراعات التي تحتاج إلى إدارة دقيقة للري والتسميد، ومتابعة الأمراض والآفات. فالتعامل غير المناسب مع الظروف الجوية المتغيرة، أو تأخر اكتشاف الإصابة، قد يزيد من صعوبة السيطرة على المشكلات الزراعية، وهو ما يجعل المتابعة اليومية للمحصول ضرورة لا يمكن تجاهلها.
البطاطس والفراولة تحت المراقبة.. الرطوبة كلمة السر
تأتي البطاطس والفراولة ضمن المحاصيل التي تستدعي اهتمامًا خاصًا خلال هذه الفترة، في ظل أهمية متابعة الرطوبة وحالة التربة والنبات، خاصة في المناطق التي قد تتعرض للأمطار أو ترتفع فيها معدلات الندى خلال ساعات الصباح.
وبحسب التوصيات التي أعلنها فهيم، فإن التغيرات المفاجئة في رطوبة التربة قد تزيد احتمالات تشقق درنات البطاطس في بعض الزراعات البدرية، بينما تستدعي الظروف الرطبة متابعة العفن الرمادي في الفراولة، إلى جانب البصل والثوم المبكر. ولا يعني ذلك أن الإصابة ستحدث بالضرورة، وإنما يفرض على المزارع فحص النباتات بانتظام، والتأكد من سلامة الصرف الزراعي، والتدخل عند ظهور مؤشرات تستدعي المكافحة.
وتزداد أهمية هذه الإجراءات مع دخول الزراعات مراحل نمو مختلفة؛ فالمحاصيل التي لا تزال في بداية عمرها تحتاج إلى إدارة تغذية تتناسب مع نمو الجذور والمجموع الخضري، بينما تختلف احتياجات النباتات الأكبر عمرًا، وهو ما يستوجب تجنب تطبيق برنامج تسميد واحد على جميع الحقول دون مراعاة طبيعة المحصول ومرحلة نموه.
القمح يقترب.. هل بدأ العد التنازلي للموسم الجديد؟
في الوقت الذي يراقب فيه المزارعون تأثير تقلبات الطقس على الزراعات القائمة، يبدأ الاستعداد للموسم الجديد للقمح، أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي المصري.
وتضمنت توصيات رئيس مركز معلومات تغير المناخ الاستعداد للزراعة اعتبارًا من بداية شهر هاتور، مع الالتزام بالخريطة الصنفية المناسبة لكل منطقة. ويظل اختيار الصنف الملائم وتحديد موعد الزراعة وفقًا للتوصيات الفنية المحلية من القرارات المهمة التي تؤثر في قدرة المحصول على النمو وتحقيق إنتاجية جيدة.
ولا تتوقف الاستعدادات عند توفير التقاوي، بل تشمل تجهيز الأرض، ومراجعة احتياجات الري والتسميد، والتأكد من ملاءمة الصنف للمنطقة، بما يقلل من المخاطر التي قد تواجه المحصول خلال مراحل نموه المختلفة.
الأمطار المحدودة لا تعني تجاهل مخاطر الأمراض
ورغم أن فرص سقوط الأمطار المتوقعة خلال الفترة من 20 إلى 30 أكتوبر تبدو محدودة على أغلب المناطق، وفقًا للتوقعات الواردة في تصريحات فهيم، فإن احتمالات سقوط أمطار خفيفة على السواحل الشمالية الغربية، وامتدادها بصورة محدودة إلى بعض مناطق الدلتا والقاهرة، تجعل متابعة حالة الزراعات أمرًا مهمًا.
فالخطر الزراعي لا يرتبط بكمية الأمطار وحدها، وإنما يتوقف أيضًا على مدة بقاء الرطوبة على النباتات، وحالة التربة والصرف، وطبيعة المحصول، ومدى توافر الظروف الملائمة لنشاط مسببات الأمراض.
ولهذا تشمل قائمة المتابعة البياض الزغبي على القرعيات، واللفحات على البسلة والفاصوليا، والعفن الرمادي في بعض الزراعات، فضلًا عن عدد من الآفات، من بينها التربس والمن وذبابة الفاكهة في البرتقال. ويظل التشخيص الصحيح للإصابة الخطوة الأولى قبل اختيار أي معاملة للمكافحة، بدلًا من اللجوء إلى الرش الوقائي العشوائي.
ماذا يفعل المزارع خلال «أيام الحيرة»؟
تتمثل الأولوية خلال هذه المرحلة في متابعة الحقول يوميًا، وضبط الري وفقًا لاحتياجات النبات ورطوبة التربة، والاهتمام بالصرف في المناطق المعرضة للأمطار، ومراقبة العلامات الأولى للأمراض والآفات. كما ينبغي أن يتناسب التسميد مع عمر المحصول وحالته الفعلية، وألا تُستخدم المبيدات إلا عند الحاجة، وبمستحضرات مسجلة للمحصول والمرض، مع الالتزام بالجرعات وفترات ما قبل الحصاد.
وتكشف هذه الفترة أن الانتقال من أجواء الخريف إلى الشتاء لا يمثل مجرد تغير في درجات الحرارة، بل مرحلة تتطلب إدارة دقيقة للزراعات القائمة واستعدادًا مبكرًا للمحاصيل الجديدة، حتى تمر التقلبات الجوية بأقل تأثير ممكن على الإنتاج الزراعي.