من يراقب الغاضبين؟.. شركات التكنولوجيا تدخل على خط الاحتجاجات الأوروبية.. عقود بالملايين ووجوه تحت الفحص.. ووثائق تكشف حدود الرقابة وأخطاء التعرف البيومتري

الخميس، 22 أكتوبر 2026 01:00 ص
من يراقب الغاضبين؟.. شركات التكنولوجيا تدخل على خط الاحتجاجات الأوروبية.. عقود بالملايين ووجوه تحت الفحص.. ووثائق تكشف حدود الرقابة وأخطاء التعرف البيومتري صورة مولدة بالذكاء الاصطناعى

رامى محيى الدين

إطار بريطاني لشراء تقنيات التعرف الحي على الوجوه بقيمة تصل إلى 20 مليون إسترليني.. وثلاث شركات ضمن الموردين

شرطة النقل: حذف البيانات البيومترية لغير المطابقين فورًا.. والاحتفاظ بتسجيلات الكاميرات 31 يومًا
رقابة بريطانية تصدر 107 توصيات لخمس جهات شرطية.. وتطالب بتوثيق مصادر الصور وتحسين المساءلة
استطلاع محدود: 29% من المشاركين أقل استعدادًا للتظاهر عند استخدام التعرف على الوجوه
تقرير رسمي فرنسي يرصد استخدامًا غير قانوني للتعرف على الوجوه ضمن قرابة 600 استخدام لبرنامج BriefCam


قد تبدأ الرحلة إلى مظاهرة من محطة قطار، لكن المرور أمام الكاميرا قد يفتح مسارًا آخر: استخراج ملامح الوجه ومقارنتها بقائمة مراقبة، ثم إصدار تنبيه يراجعه شرطي.

وفي لندن، انتقلت هذه الإمكانية إلى سياق احتجاج موثق؛ إذ أفاد تقرير لرويترز في 22 مايو 2026 باستخدام التعرف الحي على الوجوه عند نقاط الاقتراب من مسيرة مناهضة للهجرة.

وقالت شرطة العاصمة إن معلومات استخباراتية أشارت إلى تهديد محتمل للسلامة العامة، وإن التشغيل جرى خارج مسار المسيرة.


من هذه الواقعة، يتتبع التحقيق علاقة متشابكة بين أجهزة الأمن وموردي التكنولوجيا والجهات الرقابية: من يشتري الأنظمة؟ وما الذي تحذفه الكاميرات وما الذي تحتفظ به؟ وهل تكفي دقة المطابقة لتبرير الاستخدام قرب تجمع سياسي؟ تكشف الوثائق عقودًا وأطر شراء ونتائج شرطية متفاوتة وضمانات قانونية، لكنها لا تقدم سجلًا شاملًا لكل احتجاج أوروبي استُخدمت فيه التقنية، ولا تسمح باعتبار كل كاميرا ذكية أداة للتعرف على المتظاهرين.

 

ثلاث تقنيات.. وثلاثة مسارات للمراقبة

تميّز وزارة الداخلية البريطانية، في ورقة معلومات نشرتها في ديسمبر 2025، بين التعرف الحي الذي يقارن صور المارة بقائمة محددة أثناء مرورهم، والتعرف اللاحق الذي يفحص صورًا أو تسجيلات بعد حادث، والتعرف الذي يبدأه ضابط بتصوير شخص للتحقق من هويته. ويتوقف فهم أي واقعة على تحديد المسار المستخدم؛ فتحليل تسجيل قديم يختلف عن فحص وجوه جمهور في اللحظة نفسها.


وتذكر الورقة، نقلًا عن مجلس قادة الشرطة الوطني، أن التعرف اللاحق ساعد في تحديد 127 مشتبهًا بهم في اضطرابات أغسطس 2024 ببريطانيا. وهذا توثيق لاستخدام التقنية بعد أعمال اضطراب، وليس دليلًا على إخضاع جميع المشاركين في احتجاجات سلمية للمراقبة الحية.

4adc9272-7a04-4d60-888c-eaf16dd98649
انفو مولد بالذكاء الاصطناعى

 

خلف الكاميرا.. سوق للموردين

وتكشف منصة «Contracts Finder» الحكومية البريطانية عن إطار وطني متعدد الموردين لتقنيات التعرف الحي على الوجوه، تحت مرجع BLC0168، بقيمة تتراوح بين صفر و20 مليون جنيه إسترليني، للفترة من أول أبريل 2025 إلى 31 مارس 2029. وهذه قيمة إطار شراء، وليست بيانًا بأن المبلغ دُفع بالكامل، أو خُصص لمراقبة الاحتجاجات.

وتحدد الجهة المشرفة «BlueLight Commercial» ثلاثة موردين: «Digital Barriers»، و«NEC Software Solutions UK»، و«Bedroq». ويشمل الإطار تراخيص البرامج والدعم والصيانة والتركيب والتدريب والخدمات المهنية، فضلًا عن أجهزة وخدمات مرتبطة بالتعرف الحي. وتقول الجهة إن الترتيب يتيح الشراء من مورد ضمن الإطار أو إجراء منافسة مصغرة، بينما تحتفظ الجهة المشترية بإدارة عقدها التشغيلي.
وتظهر صلة مباشرة بمورد تقني في إفصاح شرطة النقل البريطانية عن استخدام خوارزمية «NeoFace M40» التابعة لشركة NEC. وتثبت هذه الوثائق وجود موردين ومسار تعاقدي للتوسع، لكنها لا تثبت أن الشركات تتخذ قرارات الانتشار قرب المظاهرات أو تتلقى بيانات المشاركين؛ فذلك يحتاج إلى نصوص العقود وترتيبات المعالجة والوصول إلى البيانات.

daf07221-4176-45c6-ad2f-ada826e846d5
daf07221-4176-45c6-ad2f-ada826e846d5

 

نتائج متباينة.. ماذا تقيس الأرقام؟

في تحقيق مشترك نشرته «Liberty Investigates» و«الجارديان» في 29 سبتمبر 2026، كشفت وثيقة حصل عليها الفريق بموجب حرية المعلومات أن تجربة لشرطة النقل في محطات لندن شملت 18 عملية تشغيل بين فبراير ويوليو، ومسح أكثر من نصف مليون وجه، بتكلفة 320,786 جنيهًا إسترلينيًا. وسجلت تنبيهًا واحدًا اتضح أنه تطابق خاطئ، دون اعتقال ناتج عن التنبيهات خلال الفترة محل الفحص.


ولا تثبت هذه التجربة استخدام التقنية ضد مظاهرات، كما لا تعني غياب اعتقالات شرطية أخرى في المحطات. لكنها تطرح سؤالًا عن تناسب التكلفة ونطاق المسح مع النتائج المحققة. وفي المقابل، تؤكد شرطة النقل أن التشغيل يستهدف مواقع تحددها المعلومات وتحليل الجريمة، وأن التجربة توسعت إلى محطات المترو في أغسطس، وتمتد حتى نوفمبر 2026 لتقييم فاعليتها وأثرها.


وتقدم شرطة العاصمة صورة مختلفة في بيان صدر في 13 مايو 2026؛ إذ قالت إن تجربة بكرويدون، بين أكتوبر 2025 ومارس 2026، شملت 24 عملية، وأسفرت عن 173 اعتقالًا، مع مرور أكثر من 470 ألف شخص أمام الكاميرات وتسجيل تنبيه خاطئ واحد. وأضافت أن الجريمة في المنطقة تراجعت 10.5% مقارنة بالفترة المماثلة.
هذه نتائج تعلنها الجهة المشغلة، ولا يثبت التزامن وحده أن الكاميرات سببت انخفاض الجريمة. كما أن الاعتقال لا يساوي الإدانة، واختلاف المكان وقوائم المراقبة وظروف التشغيل يمنع تحويل المقارنة بين التجربتين إلى حكم شامل بنجاح التقنية أو فشلها.

 

البيانات تُحذف.. لكن أي بيانات؟

وتوضح سياسة شرطة النقل أن صور وبيانات الأشخاص الذين لا يولّد مرورهم تنبيهًا تُحذف آليًا وفورًا، بينما تُحذف الصور المرتبطة بالتنبيهات بعد استخدامها مباشرة أو خلال 24 ساعة. لكن السياسة نفسها تنص على الاحتفاظ بتسجيل الفيديو الذي تستخدمه كاميرات النظام لمدة 31 يومًا.


يعني ذلك أن حذف البيانات البيومترية لا يساوي بالضرورة اختفاء التسجيل المرئي الأصلي. وهذا التمييز لا يثبت إساءة استخدام التسجيلات، لكنه يجعل أسئلة الوصول إليها وأغراض استخدامها وضوابط الاحتفاظ بها جزءًا أساسيًا من تقييم الخصوصية.
وتقول الشرطة أيضًا إن ضابطًا يراجع التنبيه ويقرر التواصل مع الشخص، وإن تفاصيل الانتشار تُعلن مسبقًا، وتتوفر مسارات بديلة لمن يفضلون تجنب منطقة التعرف.

0f193235-ec67-4707-8003-5a6e7074399e
انفو مولد بالذكاء الاصطناعى

 

107 توصيات.. الرقابة تختبر التطبيق

وفي 18 أغسطس 2026، نشرت مفوضية المعلومات البريطانية نتائج عمل رقابي شمل خمس جهات شرطية في إنجلترا وويلز، عبر تدقيقات أُجريت بين يونيو 2025 ومارس 2026. وأعلنت إصدار 107 توصيات تتعلق بالامتثال والممارسات الأفضل، قُبلت جميعها أو قُبلت جزئيًا.


ووصفت المفوضية النتائج بأنها مختلطة؛ إذ وجدت توثيقًا للأساس القانوني وإجراءات للإبلاغ عن خروقات البيانات، لكنها طالبت بتحسين الإشراف والتدريب، وتسجيل مصادر المعلومات وكيفية استخدامها ومشاركتها، وضبط الاحتفاظ بصور التعرف اللاحق، وفحص الدقة واحتمالات التحيز.


وتكشف المراجعة أن المساءلة تتجاوز قدرة البرنامج على المطابقة إلى إدارة المؤسسة له. كما أن قبول التوصيات يمثل التزامًا بالمعالجة، ولا يثبت بذاته اكتمال تنفيذها.

 

الخوف من التعرف.. أثر يسبق التوقيف

وفي الاتحاد الأوروبي، نشرت وكالة الحقوق الأساسية في 30 سبتمبر 2026 تقريرًا عن التعرف البيومتري عن بُعد، درس سبع دول: فرنسا وألمانيا واليونان والمجر وأيرلندا وإيطاليا وهولندا. وأظهر استطلاع مصاحب أن 29% من المشاركين سيكونون أقل استعدادًا للمشاركة في مظاهرات سلمية عند استخدام التعرف على الوجوه، بينما أعرب 37% عن مخاوف من استخدام بياناتهم لأغراض غير مصرح بها.


غير أن منهجية التقرير تحدد نطاق النتائج بدقة: الاستطلاع شمل 1054 مقابلة في خمس دول فقط، هي فرنسا وألمانيا واليونان والمجر وأيرلندا. وجُمعت الإجابات في مواقع مختارة أو قربها، ويصرح التقرير بأنها غير ممثلة لسكان الدول المشمولة، ولا يجوز تعميمها على الجمهور الأوروبي.


وتقدم النتائج مؤشرًا على احتمال إحجام بعض الأشخاص عن التظاهر خشية التعرف عليهم، دون أن تقيس عدد من امتنعوا بالفعل. وتطالب الوكالة بضمانات سابقة للتشغيل، ورقابة مستقلة، وشفافية تتيح فحص الضرورة والتناسب.

fcfc0b77-0436-47e9-b3ca-8570b8e5dd2e
انفو مولد بالذكاء الاصطناعى

 

فرنسا.. تجاوز موثق وحدود للاستنتاج

وفي فرنسا، يوضح تقرير نشرته وزارة الداخلية في 28 أكتوبر 2024 أن برنامج تحليل الفيديو «BriefCam» استُخدم لدى الشرطة والدرك في إطار قضائي وبصورة لاحقة للأحداث، وليس في أعمال الشرطة الإدارية بالزمن الحقيقي. وسجل حالة واحدة لاستخدام التعرف على الوجوه بصورة غير قانونية ضمن قرابة 600 استخدام للبرنامج.


ورصد التقرير قصورًا في تنسيق وتنظيم شراء هذه البرامج، وأوصى بإجراءات رسمية للاقتناء والمتابعة. وتوثق النتيجة تجاوزًا محددًا وضعفًا في الحوكمة؛ ولا تعني أن جميع استخدامات البرنامج كانت تعرفًا على الوجوه، أو أنها استهدفت المظاهرات.

 

القانون الأوروبي.. حظر واستثناءات مشروطة

وتحظر المادة الخامسة من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، كقاعدة عامة، التعرف البيومتري الحي عن بُعد في الأماكن المتاحة للجمهور لأغراض إنفاذ القانون، مع استثناءات محددة للضرورة القصوى، منها البحث عن ضحايا معينين أو مفقودين، ومنع أخطار جسيمة على الحياة أو تهديدات إرهابية، وتحديد مشتبه بهم في جرائم مدرجة وفق شروط النص.


وتشترط الضمانات حدودًا زمنية وجغرافية وشخصية، وتقييمًا للأثر على الحقوق الأساسية، وإذنًا مسبقًا من جهة قضائية أو إدارية مستقلة ملزمة القرار. وفي الاستعجال المبرر، يجب طلب الإذن دون تأخير وبحد أقصى 24 ساعة؛ وإذا رُفض، يتوقف الاستخدام وتُحذف بياناته ونتائجه. ويحظر اتخاذ قرار ذي أثر قانوني سلبي اعتمادًا على مخرجات النظام وحدها.


وهذا إطار للاتحاد الأوروبي، ولا يحكم تلقائيًا تشغيل الشرطة داخل بريطانيا. وتقر وزارة الداخلية البريطانية، من جانبها، بأن منظومتها القانونية القائمة معقدة وأن الرقابة مجزأة، وتعرض ذلك ضمن مبررات العمل على إطار جديد.

 

من يراقب من يراقبون الشارع؟

لا تتيح الوثائق التي فحصها التحقيق حساب إجمالي الإنفاق الأوروبي على هذه التقنيات، أو حصر الاحتجاجات التي خضعت لها. لكنها تثبت تقاطعًا بين موردين تجاريين وتوسع شرطي وحالة استخدام قرب احتجاج، إلى جانب نتائج تشغيل متفاوتة وثغرات رقابية وتجاوز فرنسي محدد.


ومن هنا، يصبح اختبار المساءلة متعلقًا بما يمكن مراجعته: قيمة أوامر الشراء المنفذة، ومسؤولية كل مورد، ومعايير إدراج الأسماء في قوائم المراقبة، وسجلات الوصول والحذف، ونتائج مراجعة الأخطاء والشكاوى. فدقة التعرف على شخص لا تجيب وحدها عن سؤال مشروعية البحث عنه في ذلك المكان.


تظل حماية الناس من الجريمة غرضًا مشروعًا، ويظل التظاهر السلمي حقًا يحتاج إلى حماية. وبينهما تتحدد مسؤولية الدولة في إثبات ضرورة الاستخدام وتناسبه، ومسؤولية الجهات الرقابية في فحص هذا الإثبات. وعندما تصبح الوجوه قابلة للبحث داخل الحشود، تتوقف الثقة على قدرة الجمهور على معرفة حدود هذه السلطة ومحاسبة من يتجاوزها.
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة