لم تتوقف محاولات جماعة الإخوان الإرهابية لاستهداف الدولة المصرية عند حدود الصدام السياسي، بل انتقلت إلى ساحات الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحاول منصات محسوبة على التنظيم، استغلال الأزمات الاقتصادية والإقليمية، وإعادة تدوير الشائعات، وتضخيم المشكلات اليومية، بهدف التشكيك في مؤسسات الدولة وإضعاف ثقة المواطنين فيها. لكن تعدد المنصات وتكرار الرسائل لا يعني بالضرورة نجاحها في تحقيق أهدافها، خاصة مع وجود آليات رسمية لرصد المعلومات المغلوطة، وتزايد أهمية التحقق من مصادر الأخبار قبل تداولها.
وأكد إبراهيم ربيع القيادي المنشق عن جماعة الإخوان والباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، في تصريحات لـ " اليوم السابع" ، أن اعتماد الجماعة المتزايد على المنصات الرقمية يعكس تراجع قدرتها على الحشد والتأثير المباشر داخل مصر، ومحاولتها تعويض أزمتها التنظيمية عبر حملات إعلامية موجهة من الخارج. ويشير هذا الطرح إلى أن المعركة الرقمية أصبحت إحدى الأدوات التي تسعى الجماعة من خلالها إلى إعادة تقديم نفسها والتأثير في الرأي العام، بعد التغيرات التي شهدها وضعها السياسي والتنظيمي منذ عام 2013.
من الحشد المباشر إلى معارك الشاشات
وقال إبراهيم ربيع، إن جماعة الإخوان اتجهت إلى استخدام المنصات الرقمية باعتبارها بديلًا عن أدوات الحضور السياسي والتنظيمي المباشر، مع الاعتماد على صفحات وحسابات متعددة لإعادة نشر رسائل متشابهة، وتقديمها في صور مختلفة بما يمنحها انتشارًا أوسع. مضيفا، أن هذه الحملات تستهدف التشكيك في مؤسسات الدولة وتضخيم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، مع تجاهل جوانب أخرى من الصورة، بما يخلق انطباعًا بأن المشكلات الجزئية تمثل بالضرورة أزمة عامة ممتدة.
وأكد ربيع، تقوم إحدى الآليات الأساسية لهذا النوع من الحملات على اقتناص واقعة محدودة، ثم إخراجها من سياقها، وإعادة صياغتها بعناوين أكثر إثارة، قبل تداولها عبر حسابات متعددة. وقد يؤدي تكرار الرسالة إلى اعتقاد بعض المستخدمين أن تعدد ناشريها يعني تعدد مصادرها، رغم أن المحتوى قد يستند في الأصل إلى رواية واحدة لم تُتحقق صحتها بصورة مستقلة. غير أن مواجهة هذا الأسلوب لا تتحقق بمجرد وصف المحتوى بأنه مضلل، وإنما تتطلب فحص كل واقعة على حدة، والعودة إلى مصدر المعلومة الأصلي، ومقارنة الادعاءات بالبيانات المتاحة، والتمييز بين النقد المشروع للأداء العام وبين نشر معلومات غير صحيحة أو مجتزأة.
الأرقام تكشف اتساع معركة الشائعات
وأشار ربيع إلى بيانات المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ومؤشرات عن حجم التحدي الذي تواجهه الدولة المصرية في التعامل مع المعلومات المغلوطة. فبحسب التقرير المنشور يوليو 2026، ارتفعت الشائعات التي رصدها المركز خلال النصف الأول من العام بنسبة 113% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، وسط تصاعد التوترات والأزمات الإقليمية.حيث أوضح التقرير أن الشائعات المرتبطة بالتداعيات السلبية للأزمات الخارجية شكلت 57.3% من إجمالي الشائعات المرصودة خلال النصف الأول من 2026، مقابل 21.1% خلال الفترة المناظرة من العام السابق. حيث تكشف الأرقام أن الشائعة لا تتحرك بمعزل عن الأحداث، وإنما تستغل الملفات الأكثر ارتباطًا بحياة المواطنين واحتياجاتهم اليومية، خصوصًا عندما تتزامن مع تطورات إقليمية أو ضغوط اقتصادية تثير القلق بشأن المستقبل.

إبراهيم ربيع القيادة المنشق عن الجماعة الارهابية
لماذا لا تكفي المنصات لصناعة رأي عام؟
ورأى ربيع أن انتقال الجماعة إلى الفضاء الإلكتروني لا يعني استعادة نفوذها السابق، بل يعكس، محاولة تعويض تراجع قدرتها على التحرك المباشر. فامتلاك صفحات متعددة أو تحقيق انتشار واسع لمنشور بعينه لا يقدم وحده دليلًا على تغير اتجاهات الرأي العام أو اقتناع المواطنين بالمضمون المتداول. مؤكدا، هنا تظهر أهمية التمييز بين الانتشار الرقمي والتأثير الفعلي؛ فقد يحظى محتوى مثير للجدل بمشاهدات وتفاعلات مرتفعة، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى موقف اجتماعي أو سياسي مستقر. كما أن تكرار الرسالة لا يجعلها حقيقة، ولا يمنحها مصداقية لمجرد تداولها عبر أكثر من حساب.
المشروعات والوقائع في مواجهة الروايات المضللة
وفي مواجهة الحملات التي تستهدف تشويه صورة الدولة، تظل الوقائع القابلة للتحقق هي الأساس في تقييم الأداء والإنجازات. حيث أكد ربيع، المشروعات القومية في مجالات النقل والصحة والتعليم والإسكان والطاقة، وغيرها من القطاعات، يمكن تقييمها من خلال معدلات التنفيذ والتشغيل والخدمات التي تقدمها، وليس بمجرد العناوين المؤيدة لها أو المنشورات المنتقدة لها. متابعا، تتيح قاعدة بيانات المشروعات القومية المنشورة على الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية الاطلاع على مشروعات في قطاعات متعددة، بما يساعد على الانتقال من الجدل العام إلى فحص المعلومات المتعلقة بكل مشروع على حدة. مؤكدا، أن قوة الدولة لا تتجسد في قدرتها على الرد على كل منشور فحسب، بل في إتاحة المعلومات الموثوقة، وسرعة تصحيح الأخطاء، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات من خلال الأداء والشفافية.
وعي المجتمع خط الدفاع الأول
ووأشار ربيع، إلى قدرة المواطنين على التحقق من المعلومات حيث تظل عنصرا أساسيًا في الحد من تأثير الحملات المضللة. فقبل تداول أي خبر، ينبغي الرجوع إلى مصدره الأصلي، والتأكد من تاريخ نشره، وفحص الصور ومقاطع الفيديو للتأكد من أنها مرتبطة بالحدث المعني، وعدم الاكتفاء بعنوان مثير أو منشور مجهول المصدر.
وأكد إبراهيم ربيع، فإن تراجع قدرة الجماعة على الحشد المباشر دفعها إلى الاعتماد بصورة أكبر على الأدوات الرقمية، في محاولة لاستهداف وعي الشباب والتأثير في نظرتهم إلى الدولة ومؤسساتها. وتكشف هذه المواجهة أن معركة الوعي لا تُحسم بكثرة المنشورات أو ارتفاع الأصوات، وإنما بقدرة المجتمع على التمييز بين المعلومة الصحيحة والرواية المضللة، وبمدى توافر الحقائق وسهولة الوصول إليها.
وختم ربيع، بإن قوة مصر في مواجهة أي محاولات تستهدف استقرارها لا تقوم على الشعارات وحدها، بل على تماسك مؤسساتها، وقدرتها على معالجة التحديات، وإتاحة المعلومات، ورفع كفاءة التواصل مع المواطنين. أما المنصات الإعلامية، مهما تعددت، فلا تستطيع أن تجعل الادعاء حقيقة بمجرد تكراره، ولا أن تفرض رواية واحدة على مجتمع يمتلك أدوات التحقق والنقاش. وتبقى الأدلة والوقائع والشفافية هي المعيار الحقيقي للحكم على ما يُنشر، وهي الأساس الذي يحول دون أن تصبح الشائعة بديلًا عن الحقيقة.