
- كيف تغير التكنولوجيا مفهوم الأمن؟
- ما هى أهمية الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ؟
- لماذا يربط الرئيس بين أمن الخليج والسودان وليبيا والصومال بالأمن القومى المصر؟
- لماذا قررت مصر عدم استمرار التفاوض مع إثيوبيا.. وكيف ستواجه التحديات المائية؟
يمكن قراءة مداخلة فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى- فى جلسة «أمن الوطن والمواطن»، ضمن فعاليات اليوم الثالث لأعمال منتدى مصر 2026- فى إطار مجموعة من الأسئلة والاستنتاجات، فليست المسألة فى الأمن أن تعرف الدولة كيف تواجه الخطر عندما يقع، وإنما أن تدرك كيف يتشكل الخطر، ومن أين يأتى، وكيف يمكن أن ينتقل من حدود السياسة إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، فالرئيس حرص على الجمع بين عدد من الملفات وربطها ببعضها البعض، وهي: «تطوير المنظومة الشرطية، واستعادة أحداث 2011، وإدارة الأزمات، والأمن المائى، واستقرار الدول العربية، وحدود التحرك المصرى فى محيط إقليمى مضطرب».
وتعكس مداخلة الرئيس الشاملة اتساع مفهوم الأمن القومى فى حسابات الدولة المصرية، بحيث لم يعد مقتصرًا على حماية الحدود أو مواجهة الجريمة، بل أصبح مرتبطًا بقدرة المؤسسات على الاستمرار، وبمدى استعداد الدولة للأزمات، وبما يجرى فى جوارها الجغرافى، وبقدرتها على حماية مصالحها من دون الانجرار إلى مسارات غير محسوبة.
لقد طرحت الجلسة سؤالً مهممً بشكل غير مباشر، وهو ليس كيف تحمى الدولة نفسها فحسب، وإنما كيف تحمى استقرارها فى عالم يعج بالأزمات؟، حيث إن المخاطر ليست محصورة داخل حدود جغرافية واضحة.
أولًا: لماذا يستعيد الرئيس بشكل متكرر أحداث 2011؟
فى الجلسة استعاد فخامة الرئيس أحداث عام 2011، وما شهدته تلك الفترة من استهداف لمؤسسات أمنية واقتحام للسجون، والقراءة السياسية تتجاوز حدود التذكير بوقائع الماضى إلى محاولة تفسير الحاضر من خلال تجربة الدولة مع لحظة اضطراب مؤسسى واسعة. ففى الوعى السياسى للدولة، تمثل تلك المرحلة نقطة فاصلة فى فهم العلاقة بين استقرار المؤسسات واستقرار المجتمع؛ فالمؤسسة الأمنية، مثل بقية مؤسسات الدولة، لا تؤدى وظيفة منفصلة عن حياة المواطنين؛ إذ يرتبط عملها بانتظام الحياة العامة، وحماية الممتلكات، وتنفيذ القانون، وضمان استمرار الخدمات والأنشطة الاقتصادية؛ غير أن استدعاء الذاكرة- بحسب الرئيس- لا يكتسب قيمته بمجرد تكرار أحداثها، بل بمدى القدرة على استخلاص الدروس منها، فالاستقرار المستدام لا يقوم فقط على منع تكرار لحظة الانهيار، وإنما كذلك على بناء مؤسسات قادرة على العمل بكفاءة، والاستجابة للتغيرات الاجتماعية، وتصحيح أوجه القصور، والحفاظ على ثقة المواطنين.
إن الذاكرة الوطنية تشير إلى أن مقياس قوة الدولة ليس بقدرتها على احتواء الاضطراب وحده، وإنما أيضًا بقدرتها على منع تراكم المشكلات التى قد تجعل المجتمع أكثرعرضة للاهتزاز، ومن ثم، فإن حماية المؤسسات وبناء الثقة العامة ليسا مسارين متعارضين، بل عنصران متكاملان فى استقرار الدولة.
ثانيًا: لماذا لم يعد الأمن فقط مواجهة للجريمة؟
عرض اللواء محمود توفيق وزير الداخلية ملامح تطوير العمل الأمنى، بما يشمل استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى، والرصد المبكر لأنماط الجريمة، وتحديث المنشآت، وتأهيل الكوادر، وتطوير السياسة العقابية، وهذه العناصر تشير إلى أن التحدى الأمنى أصبح أكثر تعقيدًا، فالتكنولوجيا تغير طبيعة الجريمة وأساليب ارتكابها، كما تتيح فى المقابل أدوات جديدة للتحليل والتتبع وسرعة الاستجابة. ومن هنا، فإن تطوير المنظومة الأمنية لا يتعلق فقط بزيادة الإمكانات، وإنما بمدى القدرة على توظيفها فى تحسين الأداء وتوجيه الموارد إلى مواضع الخطر.
لكن هناك فارقًا بين امتلاك التكنولوجيا وتحقيق أثر ملموس منها. فكفاءة المنظومة الأمنية ليست مرتبطة فقط بعدد الأنظمة الحديثة أو المنشآت المطورة، بل بما يلمسه المواطن فى حياته؛ ومن هنا صارت الاستجابة أسرع، وانخفضت المخاطر التى يتعرض لها، وأصبح المواطن يحصل على الحماية والخدمة فى الوقت المناسب.
وهذه النقطة تفسر أهمية الحديث عن التواصل مع المواطنين إلى جانب تطوير الأدوات الأمنية، فالثقة ليست عنصرًا معنويًا زائدًا على المنظومة، وإنما عامل يساعد على اكتشاف المشكلات مبكرًا، ويشجع على الإبلاغ والتعاون، ويجعل العلاقة بين المجتمع وأجهزة الدولة أكثر فاعلية.
ثالثًا: ما هو دور الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ؟
من الملفات التى تستحق قراءة أعمق دور الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ التى تحدث عنها فخامة الرئيس؛ فوجود جهة تنسق التعامل مع المخاطر يعكس إدراكًا بأن الأزمة الحديثة لا تعترف بالحدود الإدارية بين الوزارات والمؤسسات.
قد تبدأ الأزمة فى قطاع واحد، لكنها سرعان ما تمتد إلى قطاعات أخرى، وهو ما قد يترتب عليه اضطراب فى الإمدادات قد يؤثر على الأسعار، أو حادث كبير يضغط على الخدمات، أو تطور إقليمى يفرض استعدادات أمنية واقتصادية متزامنة، وفى مثل هذه الحالات، لا تكون المشكلة فى نقص المعلومات وحده، بل فى كيفية جمعها وتقييمها وتحويلها إلى قرار موحد وسريع.
لذلك، فإن قيمة منظومة إدارة الأزمات لا تتوقف عند وجود خطط مكتوبة، وإنما ترتبط بمدى اختبار هذه الخطط، ووضوح المسئوليات، وسرعة تبادل المعلومات، وقدرة المؤسسات على العمل معًا تحت الضغط.
وهنا يتضح البعد الاستراتيجى للملف -كما فهمنا من مداخلة فخامة الرئيس- لأن الدولة التى تنتظر اكتمال الأزمة حتى تتحرك تدفع غالبًا تكلفة أكبر من الدولة التى تستعد لسيناريوهاتها مسبقًا؛ والاستعداد لا يعنى توقع كل شىء، وإنما تقليل مساحة المفاجأة، وتحديد البدائل، وضمان استمرار الوظائف الحيوية عندما تتعرض البلاد لاختبار صعب.
رابعًا: هل السياسة الخارجية ملف بعيد عن المواطن؟
ربما كان الربط بين الأمن الداخلى والسياسة الخارجية من أهم خيوط الجلسة؛ فمصر لا تتحرك فى فراغ؛ إذ تقع فى منطقة تتقاطع فيها صراعات السودان وليبيا والقرن الأفريقى مع أمن البحر الأحمر والخليج، كما يظل الأمن المائى أحد الملفات المتصلة مباشرة بمصالحها الحيوية.
إن هذه الجغرافيا تفرض على صانع القرار أن ينظر إلى ما وراء الحدود، لأن آثار الاضطراب الإقليمى قد تظهر فى التجارة والاستثمار وحركة الملاحة وأمن الحدود وتدفقات البشر، فضلًا عن انعكاساته السياسية والاستراتيجية، ومن هذه الزاوية، يمكن فهم تأكيد فخامة الرئيس السيسى أهمية الاتزان الاستراتيجى، وعدم اتخاذ القرارات تحت ضغط الانفعال، باعتباره إشارة إلى ضرورة الفصل بين رد الفعل السريع والتقدير الاستراتيجى طويل المدى.
وهنا، فإن كل تصعيد لا يستدعى بالضرورة تصعيدًا مقابلًا، وليس كل تهديد يمكن التعامل معه بالأداة نفسها؛ فالقرار الرشيد هو الذى يحدد الهدف، ويوازن بين أدوات التحرك، ويقدر التكلفة المحتملة، ويترك مساحة للدبلوماسية من دون التفريط فى المصالح الوطنية.
كما أنه -ووفقًا لما أثير فى الجلسة فى هذا الإطار- فإن الاتزان الاستراتيجى لا يعنى الانتظار السلبى؛ إذ يحتاج إلى قدرة على المبادرة، وبناء العلاقات، وتنسيق المواقف، والاستعداد لسيناريوهات متعددة. وهنا تصبح السياسة الخارجية جزءًا من منظومة الأمن القومى، لا واجهة دبلوماسية لها.
خامسًا: ما هى الرؤية المصرية لدوائر الأمن القومى العربى؟
فى حديثه عن أمن دول الخليج، والسودان، وليبيا، والصومال، وضع فخامة الرئيس السيسى الأمن المصرى داخل دائرة عربية وإقليمية أوسع؛ وتقوم هذه الرؤية على أن استقرار الدول المحيطة ليس مسألة بعيدة عن مصالح مصر، لأن الأزمات فى هذه الدول قد تترك آثارًا مباشرة أو غير مباشرة على الأمن والاقتصاد والتوازنات الإقليمية، لكن أهمية هذه الرسالة لا تتوقف عند تأكيد التضامن العربي، بل تمتد إلى سؤال إدارة هذا التضامن: كيف يمكن دعم استقرار الدول الشقيقة، مع تجنب اتساع الصراعات، والحفاظ على قدرة الدولة المصرية على حماية مصالحها؟
وفى هذا الإطار، يكتسب حديث فخامة الرئيس السيسى عن طبيعة التحرك المصرى دفاعًا عن أمن المملكة العربية السعودية دلالة تتصل بتحديد الأهداف وحدود المهمة، والتمييز بين حماية دولة شقيقة وبين الانخراط فى مسارات عسكرية أوسع، وهذه مسألة استراتيجية؛ لأن القرارات المتعلقة باستخدام القوة تتصل بمدى وضوح نطاق المهمة، وتقدير تداعياتها، والقدرة على احتواء مخاطر توسعها.
والنتيجة أن مفهوم الأمن القومى العربى يحتاج إلى ترجمة عملية تتجاوز التصريحات العامة، عبر التنسيق السياسى، والتعاون الاقتصادي، وتبادل المعلومات، والعمل على تسوية النزاعات، بما يقلل من احتمالات انتقال أزماتها إلى بقية المنطقة.
سادسًا: الأمن المائى ودلالة الجمع بين التحركات المختلفة؟
يأتى الأمن المائى فى مقدمة الملفات التى يصعب فصلها عن الأمن القومى المصرى، فالمياه ترتبط بالزراعة والغذاء والتنمية، وبقدرة الدولة على تلبية احتياجات السكان، ومن ثم فإن أى توتر حول الموارد المائية يحمل أبعادًا تتجاوز المجال الفنى إلى الحسابات السياسية والاستراتيجية. لكن التعامل مع هذا الملف يتطلب الجمع بين حماية الحقوق المصرية والتحرك الدبلوماسي، وبين الاستعداد الداخلى وتحسين كفاءة إدارة الموارد، وبين رفض الإجراءات الأحادية والبحث عن مجالات للتعاون المشترك.
وتكمن أهمية هذا التوازن فى أن الملفات العابرة للحدود تتداخل فيها الإدارات، حيث تتأثر بمواقف أطراف متعددة وبقواعد القانون الدولى وبموازين المصالح. لذلك، فإن حماية المصالح المصرية تستدعى استمرار التفاوض، وبناء الشراكات الممكنة، وتطوير أدوات إدارة المياه داخليًا، مع التمسك بالحقوق التى تستند إليها الدولة.
والأمن المائى هنا مثال واضح على أن الأمن القومى اختلفت أنماطه ولم يعد فقط مسألة عسكرية؛ فقد يكون مصدر الخطر موردًا طبيعيًا، أو اضطرابًا فى الإمدادات، أو تغيرًا فى البيئة الإقليمية؛ وهنا تصبح قدرة الدولة على إدارة هذه الملفات جزءًا من قدرتها على حماية استقرارها فى المدى الطويل.
سابعاً: ماذا يعنى حديث فخامة الرئيس حول مراكز الإصلاح والتأهيل؟
تحدث فخامة الرئيس عن مراكز الإصلاح والتأهيل من منظور أخلاقى وإنساني، مشيرًا إلى ضرورة عدم معاقبة الشخص مرتين على الجرم نفسه، والتركيز على إعادة بناء شخصيته وتأهيله للعودة إلى المجتمع. كما دعا إلى تنظيم زيارات للاطلاع على هذه المراكز. وهذا المحور يفتح ملفًا يتجاوز شكل المنشآت أو مستوى تجهيزاتها، ليصل إلى فلسفة السياسة العقابية نفسها.
فالعقوبة فى مفهومها الحديث لا تتوقف عند سلب الحرية؛ بل تشمل أيضًا حماية المجتمع، وتقليل احتمالات العودة إلى الجريمة، وإعداد المحكوم عليه للاندماج مجددًا بعد انتهاء العقوبة، ووفقًا لما استنتجناه من كلام فخامة الرئيس، فإن نجاح هذا التوجه مرتبط بما تحققه برامج التأهيل فى الواقع، من خلال فرص التعليم والتدريب، والرعاية الصحية والنفسية، والاستعداد للحياة بعد الإفراج، ومدى انخفاض معدلات العودة إلى الجريمة.
كما أن دعوة فخامة الرئيس إلى تنظيم الزيارات تثير أهمية الاطلاع المباشر على منظومة الإصلاح والتأهيل، بما يساعد على تكوين صورة تستند إلى المشاهدة والمعلومات، بدلًا من الاكتفاء بالتصورات العامة.
فى هذا الإطار، فإن قراءة الرسالة تشير إلى أن حماية المجتمع لا تنتهى عند تنفيذ العقوبة، وإنما تشمل معالجة الظروف التى قد تدفع إلى تكرار الجريمة، مع الحفاظ على حقوق المحكوم عليهم وتهيئتهم للعودة إلى الحياة العامة.
إن هذه الجلسة الدسمة بالأفكار والتفاعلات، ومداخلة فخامة الرئيس تقدم تصورًا واسعًا للأمن، يجمع بين حماية المؤسسات، وتطوير الأداء الشرطى، وإدارة الأزمات، والسياسة الخارجية، والأمن المائى، واستقرار المحيط العربى.
ففى المجال الأمنى، تبرز أهمية تقييم أثر التكنولوجيا فى الحد من الجريمة وتحسين الاستجابة، وفى إدارة الأزمات، يصبح الاختبار فى سرعة التنسيق واستمرار الخدمات، وفى السياسة الخارجية، تظهر النتائج فى قدرة التحرك الدبلوماسى على حماية المصالح وتقليل المخاطر، أما فى الأمن المائى، فتظل العبرة بما يتحقق من حماية للحقوق، وتحسين لإدارة الموارد، وفتح لمسارات تعاون مستدامة.
