كشف المشهد الإقليمي الراهن إفلاسًا فكريًا وأخلاقيًا طال تنظيم جماعة الإخوان الإرهابية بعد أن اصطدمت نداءاته الزائفة حول الأممية المتوهمة بجدار الهوية الوطنية المصرية الضاربة في جذور التاريخ؛ إذ عجز هذا الفصيل المعتنق لنهج الإقصاء عن فهم تركيبة الشخصية المصرية الرافضة لمحاولات التمزيق والتفتيت، جاء سقوط تلك الخيالات المريضة نتيجة طبيعية لوعي شعب أصيل أدرك قيمة وطنه رافضًا مقولة حفنة التراب المزعومة؛ ومن ثم نهض المواطن مدافعًا عن كيان مقدس يستوجب التضحية بالغالي والنفيس، وأسفر هذا اليقين عن تمزيق الأقنعة الخادعة وإحباط مآرب التخريب المتعمدة لتنتهي أسطورة الخونة إلى زوال محتوم يطوي معه صفحات من التضليل.
أظهرت مؤسسات الدولة الوطنية صمودًا في مواجهة عواصف الفوضى العاتية التي اجتاحت المنطقة لتسدد ضربة قاصمة لطموحات تفكيك الأوطان وتدمير بنيانها، ووقف الجيش المصري متلاحمًا مع شعبه خلف قيادته المخلصة مشكلين حائط صد منيع تكسرت عليه نبال المؤامرات الهادفة لإسقاط الكيان الجامع، ولم يكتف هذا الثبات بحماية الأمن القومي الداخلي وتأمينه ليمتد أثره العميق معيدًا رسم ملامح الخارطة الإقليمية بأكملها؛ حيث أرسى هذا التلاحم الفريد قاعدة ثابتة تؤكد للمراقبين أن استدامة الدول مرهونة بتماسك أجهزتها ونضج مواطنيها بعيدًا عن الشعارات الفارغة التي يرددها المتاجرون بالدين في كل محفل بغية السطو على لبنات العقول.
تراجع المعاقل وانهيار وهم الاضطهاد
شهدت الساحة الدبلوماسية تحولات جذرية أعادت العلاقات بين القاهرة وعواصم كانت توفر غطاءً آمنًا للقيادات الهاربة لتبرهن على خسارة الرهان الخارجي؛ فقد اقتنعت القوى المؤثرة بأن استقرار الشرق الأوسط ينطلق من العاصمة المصرية لتصبح محاولة دعم الكيانات الموازية مسارًا محفوفًا بالخسائر الاستراتيجية المتلاحقة، وجرد هذا التغير الشامل في مسارات السياسة الدولية الفصيل المارق من أوراقه الضاغطة، ليحوله إلى كيان منبوذ يتسول مأوى بعد تنصل الأطراف الداعمة منه، وانتهت مرحلة الاستقواء بالأجنبي لتجد هذه العناصر نفسها في عزلة خانقة تفضح هشاشة مشروعهم المعتمد أساسًا على الارتهان لإرادات خارجية لا تقيم وزنًا للمصالح الوطنية.
تحطمت أسطورة المظلومية المصطنعة على صخرة إدراك المواطن الذي عاين بنفسه دموية جماعة الإخوان الإرهابية، لتفقد استراتيجية استجداء التعاطف جدواها إثر انكشاف نزعتهم الانتقامية؛ فقد دونت السجلات التاريخية توجيه هؤلاء لسلاحهم الغادر نحو صدور المدافعين عن الوطن من عسكريين ومدنيين فور إبعادهم عن مقاعد السلطة، وحفر هذا السلوك الموغل في الإجرام قناعة لا تتزحزع في الوجدان الجمعي العربي بأن هذا المسار لا يجلب سوى الخراب والدمار، وأسفرت هذه التجربة المريرة عن نبذ مجتمعي واسع النطاق يغلق الأبواب أمام أي محاولة لغسل أيديهم الملطخة بالدماء أو تبييض صورتهم القاتمة أمام أنظار الأجيال تلو الأخرى.
التصدع الداخلي ومواجهة معاول الهدم بالبناء
يشهد البناء التنظيمي حاليًا أشد عصوره انحطاطًا بفعل انقسامات حادة وصراعات ضارية حول المكاسب المالية والزعامة بين الرؤوس الفارة خارج البلاد، وتفضح حالة التشظي المستعرة زيف ادعاءات الزهد لتثبت للمتابع أن الدافع الحقيقي يكمن في تحصيل المنافع الدنيوية والمصالح الذاتية، ويعكس الانهيار الهيكلي وحرب التصريحات المتبادلة عبر المنصات المختلفة هشاشة الروابط الداخلية وغياب المشروع المزعوم، وتهاوت مع هذه الصراعات خرافة السمع والطاعة العمياء التي اتخذوها أداة لتغييب العقول والسيطرة على الأتباع لعقود طويلة لتنتهي أسطورة الجماعة المتماسكة إلى أجنحة متناحرة تتبادل التخوين بغية اقتناص ما تبقى من فتات.
تقف الطفرة التنموية والمشروعات القومية الشاملة في ربوع الدولة الحديثة كشاهد إثبات على بطلان الرؤية العدمية لفصيل لا يتقن سوى صناعة الخراب؛ فقد اختارت القيادة الحكيمة مسار البناء والتشييد في الوقت الذي سعت فيه قوى الظلام لجر البلاد نحو مستنقع الانهيار الاقتصادي والفوضى الشاملة، وصنع هذا التوجه فارقًا هائلًا بين مشروع نهضوي يستشرف المستقبل وتوجه رجعي غارق في أوهام الماضي، وبرهنت الإنجازات المتلاحقة على الأرض للإقليم، بل وللعالم كله أن شرعية العمل الجاد والتشييد المثمر تتفوق على وعود الوهم والمتاجرة الرخيصة بأوجاع الشعوب ومقدراتها، لتبقى مسيرة النهضة هي الرد الأقوى على محاولات التدمير.
اللفظ الإقليمي وحراسة الوعي الديني
تجاوزت دائرة السقوط حدود الداخل المصري لتمتد نحو تساقط الأذرع التابعة في دول الجوار عبر هزائم مدوية في صناديق الاقتراع أو باحتجاجات شعبية؛ فطوت منطقة شمال إفريقيا صفحة جماعة الإخوان الإرهابية بعد انكشاف عجزها الصارخ في إدارة الشأن العام وافتقارها لبرامج تنموية تلبي طموحات المواطنين، ويبرهن هذا التراجع المتسارع على مستوى المنطقة أن لفظ هذه التجربة لم يكن حالة فردية منعزلة، ليكون نتيجة طبيعية لتنامي الوعي العربي العام بخطورة تسليم المقاليد لتيارات منغلقة، وأغلقت الشعوب منافذ العودة أمام هذه التنظيمات بعد أن أدركت يقينًا عجزها عن تقديم حلول واقعية للأزمات المتراكمة.
نهضت المؤسسات الدينية الوسطية وعلى رأسها الأزهر الشريف بمسؤولية تفكيك البنية الفكرية للمتطرفين كاشفة عن تأويلاتهم المنحرفة للنصوص الشرعية، وتصدى علماء الأمة لمحاولات اختطاف العقيدة وتطويعها لخدمة أهداف سياسية خبيثة مقدمين خطابًا مستنيرًا يعبر عن سماحة الإسلام وانسجامه التام مع الهوية الوطنية، وأسفر هذا الجهد التنويري عن تجريد هؤلاء من الغطاء الديني المصطنع الذي احتموا به لفترات طويلة لتضليل العامة، وبعثت القاهرة رسالة طمأنينة للعالم الإسلامي تؤكد بقاءها حارسًا أمينًا للاعتدال ومصدًا منيعًا يحول دون تغلغل أفكار الغلو والإرهاب الفكري في عقول الناشئة، ليظل الدين منزهًا عن مطامع السياسة وصراعاتها.
سقوط الأبواق وانفضاض الشباب
تبددت جهود الآلة الإعلامية الممولة بكثافة من جهات مشبوهة لبث الشائعات وتشويه الحقائق بمجرد اصطدامها بحائط الوعي الشعبي وتلاحم الجبهة الداخلية، وأنفقت جماعة الإخوان الإرهابية ثروات طائلة على منصات التحريض وتجنيد الأصوات المأجورة لخلخلة استقرار المجتمع وتأليب الرأي العام دون تحقيق أي نتائج تذكر، وافتضحت هشاشة هذا الخطاب الموجه أمام شفافية الدولة في طرح الحقائق الملموسة والتعامل مع الأزمات بوضوح بالغ، وأدرك المواطن بفضل حسه الفطري السليم غايات هذه الأبواق الكاذبة لتتحول منصاتهم إلى كيانات معزولة تردد صدى أوهامها بعيدًا عن النبض الحقيقي للشارع الذي انحاز كليًا لمسيرة الاستقرار وتجاهل دعوات التخريب المأجورة.
فقدت جماعة الإخوان الإرهابية قدرتها المتوهمة على استقطاب العقول الشابة والتأثير في وجدان الأجيال الصاعدة عقب انكشاف نفعيتهم المفرطة وازدواجية معاييرهم تجاه القضايا المصيرية، وراقب الشباب عن كثب متاجرة هؤلاء بشعارات المقاومة وادعاء نصرة قضايا الأمة في حين يعقدون صفقات مشبوهة لتأمين مصالحهم الحزبية على حساب أمن الأوطان، وأحدث هذا الانحطاط الأخلاقي فجوة واسعة لا يمكن ردمها بين التنظيم والشريحة العمرية الشابة التي توجهت للبحث عن قدوات وطنية مخلصة تسعى للبناء بالعمل الجاد والعلم النافع، وتحرر العقل العربي الشاب من قيود التبعية العمياء رافضًا الانقياد خلف مشاريع وهمية لا تنتج سوى السراب.
الحصار القانوني وتجفيف منابع الإرهاب
يأتي التوجه الإقليمي والدولي المتصاعد نحو إدراج جماعة الإخوان المارقة ضمن قوائم الإرهاب كنتيجة حتمية لافتضاح روابطهم العضوية بالتشكيلات المسلحة العنيفة المنتشرة عالميًا؛ فقد استوعب المجتمع الدولي بفضل النشاط الدبلوماسي الدؤوب وتوثيق الجرائم؛ إذ إن هذا الكيان يعد الحاضنة الأساسية التي فرخت معظم تيارات العنف التكفيري، وفرض هذا الطوق القانوني والسياسي حصارًا شديدًا قيد حركة الأموال والقيادات مانعًا إياهم من إعادة تدوير أنفسهم في ساحات جديدة، وسقطت مسرحية السلمية التي اتخذوها ستارًا لأفعالهم المروعة لتصبح الطريق مسدودة أمام أي محاولات لتسويق مظلومية زائفة في محافل دولية باتت تدرك حجم التهديد المنبعث من أفكارهم.
أماطت المحاكمات العلنية والوثائق القاطعة اللثام عن تورط قيادات بارزة في قضايا تخابر صريحة مع جهات خارجية بقصد ضرب الأمن القومي في مقتل، لتنزع عنهم آخر ادعاءات الانتماء لتراب الوطن، وكشفت الأدلة اليقينية استعدادهم التام للتنازل عن السيادة الوطنية ورهن القرار المستقل لدول أخرى نظير البقاء في سدة الحكم، وسُطرت هذه الخيانة في سجلات العار لتؤكد للمواطنين وللمحيط الخارجي أن فكرة الوطن لديهم لا تتجاوز كونها محطة مؤقتة قابلة للمساومة، وأسهمت هذه الفضائح الموثقة في تعزيز اليقين المجتمعي باستحالة التعايش مع فصيل يقدم ولاءه التنظيمي على حرمة أراضيه ومقدرات شعبه الأصيل.
تكللت جهود الأجهزة السيادية بالنجاح في تجفيف روافد التمويل وتفكيك الشبكات الاقتصادية الغامضة التي سخرت لعقود في شراء الذمم ودعم العمليات التخريبية داخليًا وخارجيًا، وأسفرت الإجراءات القانونية الصارمة عن استعادة ثروات الشعب المنهوبة وإعادة توظيفها لخدمة شرايين الاقتصاد الوطني بدلًا من استغلالها كمعاول للهدم، وجرد هذا التدخل الحاسم الكيانات المتطرفة من أعتى أسلحتها المادية ليثبت للمنطقة قدرة المؤسسات الراسخة على بتر الأذرع الخفية الساعية للسيطرة عبر ضخ المال المشبوه، وتوقفت عجلة التمويل الأسود لتصاب مفاصل التنظيم بشلل تام يمنعه من تنفيذ مخططاته أو استقطاب عناصر جديدة لصفوفه المتهاوية بشكل متسارع.
التطهير الشامل واستعادة الهوية الوطنية
وجهت القوات المسلحة ضربات استباقية وناجحة لتطهير ربوع سيناء من جيوب التطرف التكفيري لتدق المسمار الأخير في نعش طموحات تحويلها إلى نقطة انطلاق لتهديد أمن المنطقة بكاملها، وسطر المقاتل الباسل أروع ملاحم البطولة ليثبت أن هذه البقعة الطاهرة ستظل مقبرة تبتلع كل معتد أثيم محبطًا رهانات استنزاف القوة العسكرية للبلاد، وتجاوزت مكاسب هذا النصر الاستراتيجي حدود إرساء الأمن الداخلي لتوجه رسالة ردع قوية للمتربصين وتؤكد القدرة الفائقة على سحق أي محاولة للمساس بسيادة الأراضي وتماسكها، وباتت سيناء واحة آمنة تشهد مشروعات تنموية ضخمة تمحو آثار التخريب وتغلق أبواب العودة أمام قوى الشر.
كلل هذا المسار الشاق نجاحاته بانتصار ثقافي ساحق تمثل في إحياء الروح الوطنية واستنفار مكونات الهوية المصرية الفريدة بروافدها المتنوعة لمجابهة مساعي التغريب وطمس المعالم، وبرز هذا الالتفاف الشعبي العظيم خلال الفعاليات الحضارية المبهرة التي سلطت الضوء على عظمة التاريخ العريق لتوجه صفعة قوية لأصحاب الفكر الهجين الساعين لطمس الموروث الثقافي لحساب مشاريع وهمية، ورسخ هذا الاعتزاز العميق بالجذور حقيقة قاطعة تفيد بأن هذه الأمة عصية على الابتلاع وأن ثقافتها المتأصلة تملك مناعة ذاتية تمكنها من طرد كل عنصر دخيل يحاول تشويه نسيجها المتآلف لتستمر مسيرة البناء متسلحة بوعي مجتمعي لا يهزم.