تعتمد جماعة الإخوان الإرهابية في بعض حملاتها الرقمية على توظيف الصور والتصميمات والشعارات والمقاطع القصيرة لجذب الانتباه وتوجيه تفسير المتلقي للأحداث، مستفيدة من الدور الذي تؤديه الأدوات البصرية في تشكيل الانطباعات على المنصات الرقمية. وتبرز خطورة هذا الأسلوب عندما تُستخدم مواد غير موثقة أو شعارات مصممة لإعطاء انطباع بوجود تحركات أو انتشار ميداني دون أدلة مستقلة كافية.
استخدام الصور والشعارات دون أدلة مستقلة
وتقوم جماعة الإخوان الإرهابية، عبر المحتوى الذي تروجه المنصات المرتبطة بخطابها، على استخدام الصور والشعارات أحيانًا لإعطاء انطباعات عن حجم تحركات أو انتشار شعارات دون أدلة مستقلة كافية، وهو ما يجعل فحص مصدر المادة وسياقها ضرورة قبل التعامل معها باعتبارها دليلًا على واقعة ميدانية.
وتكمن الإشكالية في أن الصورة قد تبدو مقنعة من الناحية البصرية، لكنها لا تقدم بالضرورة دليلًا على صحة الادعاء المرتبط بها. فقد تكون قديمة، أو معدلة، أو مقتطعة من مشهد أوسع، أو صحيحة في أصلها لكن يجري تقديمها باعتبارها مرتبطة بمكان أو مناسبة مختلفة، كما يمكن استخدام تصميم رقمي يحمل شعارًا معينًا بطريقة توحي بوجود نشاط ميداني، بينما لا يثبت التصميم وحده أن ذلك النشاط وقع بالفعل.
ومن ثم، فإن التعامل مع الصور باعتبارها أدلة نهائية دون فحص مصدرها وسياقها يفتح المجال أمام تضليل يعتمد على التأثير البصري أكثر مما يعتمد على المعلومات الموثقة.
وتتمتع الشعارات بقدرة على اختصار الرسائل وتسهيل تداولها، إذ يمكن استخدامها في المنشورات والصور ومقاطع الفيديو والوسوم الرقمية، غير أن انتشار شعار على الإنترنت لا يثبت بالضرورة وجود حركة منظمة على الأرض، كما أن تداول اسم حملة أو دعوة لا يكشف وحده حجم المشاركة فيها أو طبيعة الجهات التي تدعمها.
المحتوى المكرر وأوهام الانتشار
وتنشأ المشكلة عندما تُستخدم الشعارات المصممة أو الصور غير الموثقة لتقديم انطباع بوجود تأييد واسع أو تجمعات كبيرة، دون التحقق من حقيقة المشاهد التي تستند إليها هذه الرسائل، وقد يؤدي تكرار المحتوى عبر حسابات متعددة إلى تضخيم هذا الانطباع، خصوصًا عندما لا يتوافر للمتلقي مصدر أصلي يستطيع من خلاله مراجعة المعلومات.
وتتطلب قراءة هذا النوع من المحتوى الفصل بين انتشار الرسالة الرقمية وحدوث الفعل الذي تتحدث عنه، فعدد المنشورات لا يساوي عدد المشاركين في نشاط ميداني، والتفاعل الإلكتروني لا يمثل بالضرورة اتجاهات المجتمع بأكمله، كما أن وجود دعوة متداولة لا يثبت تنفيذها.
ويحتاج تقييم حجم أي حملة إلى بيانات واضحة عن طبيعة المحتوى ومصادره ونطاق انتشاره، إلى جانب أدلة مستقلة بشأن الوقائع الميدانية التي يزعم توثيقها.
قد تتشابه الرسائل المنشورة عبر عدد من الحسابات في الصياغة أو الصور أو توقيت النشر، وهو ما يستدعي فحص العلاقة بين هذه المواد ومصادرها، لكن التشابه وحده لا يكفي لإثبات أن جميع الحسابات تدار من جهة واحدة، إذ يمكن أن تعيد حسابات مستقلة نشر المحتوى نفسه، أو تتبنى الرسائل ذاتها لأسباب مختلفة.
ولهذا، فإن تحليل الحملات الرقمية يتطلب دراسة أنماط النشر، وتوقيتات المشاركة، والمصادر التي تعود إليها المنشورات، ومدى وجود أدلة إضافية تكشف طبيعة العلاقة بين الحسابات، وينبغي أن تظل النتائج في حدود ما تسمح به البيانات، دون الانتقال من مجرد التشابه إلى اتهامات قاطعة بشأن هوية القائمين على النشر.
كما أن وجود حسابات مجهولة لا يعني تلقائيًا أن كل ما تنشره كاذب، مثلما أن الحساب المعروف لا يضمن صحة المعلومات التي يقدمها، فالمعيار الأساسي يظل مدى إمكانية التحقق من الادعاء ومصدره، ومدى اتساقه مع الأدلة المتاحة.
وتبدأ عملية التحقق بالبحث عن النسخ الأقدم من الصورة، ومراجعة مصدرها الأول، ومقارنة تفاصيلها بالنسخ المتداولة. وقد يساعد البحث العكسي في الوصول إلى صور سابقة، كما يمكن فحص العناصر الظاهرة في المشهد، مثل اللافتات والمعالم والعلامات المكانية، للتأكد من توافقها مع الادعاء المصاحب.
ويجب أيضًا التمييز بين التعديل الفني والتضليل المقصود، فوجود اختلافات في الصورة لا يثبت وحده أن الهدف كان خداع الجمهور، كما أن أدوات الكشف الآلي عن الصور المصنوعة بالذكاء الاصطناعي لا تقدم دائمًا نتائج حاسمة، لذلك، ينبغي الاستناد إلى مجموعة من المؤشرات، بدلًا من إصدار حكم نهائي بناءً على أداة واحدة أو انطباع بصري.
فبركة السياق لتزييف الواقع
وتكتمل عملية التحقق بمراجعة النص المصاحب للصورة؛ فقد تكون الصورة أصلية، لكن العنوان ينسبها إلى مكان آخر أو يربطها بواقعة لا علاقة لها بها. وفي هذه الحالة، يكون موضع التضليل في التعليق والسياق، وليس بالضرورة في الصورة نفسها.
تفرض المعالجة الصحفية المهنية عدم نشر الصور المثيرة لمجرد قدرتها على جذب الانتباه، بل ينبغي مراجعة مصدرها وتاريخها ومدى دلالتها على الحدث الذي تتناوله. كما يجب توضيح ما إذا كانت الصورة أصلية أو معدلة أو غير محسومة المصدر، مع بيان حدود المعلومات المتاحة للقارئ.
ومن المهم أيضًا تجنب إعادة نشر الصورة المضللة دون حاجة، لأن ذلك قد يؤدي إلى توسيع انتشارها حتى عندما يكون الهدف هو تفنيدها، ويمكن، عند الضرورة، توضيح مواضع التلاعب أو عرض مقارنة مدروسة بين النسخة المتداولة والمصدر الأصلي، مع الحفاظ على حقوق الأفراد وخصوصيتهم.
وخطورة الصور المفبركة والشعارات الوهمية لا تكمن فقط في محتواها، بل في قدرتها على خلق انطباعات يصعب تصحيحها بعد انتشارها. ولهذا، فإن مواجهة محاولات التضليل عبر منصات جماعة الإخوان الإرهابية، أو غيرها، تبدأ بإخضاع المحتوى للفحص، والتمييز بين الانتشار والحقيقة، وعدم السماح للصورة بأن تحل محل الدليل.