"تتراجون".. الكنيسة تضع خريطة بناء جيل متوازن فى عصر التكنولوجيا.. قداسة البابا تواضروس الثانى يحدد 5 ركائز لتنشئة الطفل وصناعة الوعى.. والصحة النفسية والإبداع والتفكير النقدى على مائدة مؤتمر خدام الطفولة

الخميس، 22 أكتوبر 2026 07:00 ص
"تتراجون".. الكنيسة تضع خريطة بناء جيل متوازن فى عصر التكنولوجيا.. قداسة البابا تواضروس الثانى يحدد 5 ركائز لتنشئة الطفل وصناعة الوعى.. والصحة النفسية والإبداع والتفكير النقدى على مائدة مؤتمر خدام الطفولة قداسة البابا تواضروس الثاني

كتب: محمد الأحمدى

فى عالم تتسارع فيه التكنولوجيا، وتتغير معه طرق تفكير الأطفال وأساليب تواصلهم وتكوين شخصياتهم، لم تعد تربية النشء مهمة تقتصر على تقديم المعلومات أو تعليم مجموعة من القيم، بل أصبحت مسؤولية تحتاج إلى وعي نفسي وتربوي، وقدرة على فهم احتياجات الأجيال الجديدة، ومساعدتها على التعامل مع تحديات العصر دون أن تفقد هويتها وانتماءها.

 

من هنا تأتي أهمية مؤتمر كهنة وخدام الطفولة لعام 2026، الذي تستضيفه قاعة المؤتمرات بمركز «لوجوس» بدير القديس الأنبا بيشوي في وادي النطرون، على مدار خمسة أيام، تحت عنوان «تِتْراجُون - TETRAGON»، وشعار «نُبْنَى فَنَبْنِي»، بتنظيم اللجنة المجمعية للطفولة بالمجمع المقدس، وبرئاسة الأنبا نوفير، أسقف شبين القناطر ومقرر اللجنة.

 

المؤتمر لا يضع الطفل وحده تحت دائرة الاهتمام، بل يبدأ من الخادم نفسه، باعتباره الشخص الذي يتعامل مع الأطفال بصورة مباشرة، ويؤثر في أفكارهم وسلوكهم، ويشارك في تشكيل وعيهم وشخصياتهم. فالفكرة الأساسية التي ينطلق منها الشعار هي أن بناء الطفل يبدأ ببناء الخادم وتأهيله، وأن الخدمة الناجحة لا تقوم على الحماس وحده، وإنما تحتاج إلى رؤية واضحة وبرنامج عملي ومعرفة بطبيعة المرحلة العمرية التي يتعامل معها.

 

«تتراجون».. 4 محاور لبناء شخصية الطفل

يحمل اسم «تتراجون» دلالة ترتبط بالشكل الرباعي، بما يعكس فكرة التوازن والتكامل في بناء الإنسان. وانطلاقًا من هذه الرؤية، يناقش المؤتمر أربعة محاور رئيسية تشمل الجانب الروحي، والجانب النفسي، والجانب التكنولوجي، إلى جانب المهارات والإبداع.

 

وتعكس هذه المحاور إدراكًا لأهمية النظر إلى الطفل باعتباره شخصية متكاملة، لا يمكن بناء جانب منها وإهمال الجوانب الأخرى. فالتنشئة الروحية تحتاج إلى دعم نفسي، وتنمية المهارات تحتاج إلى بيئة تسمح بالتجربة والإبداع، كما أن التعامل مع التكنولوجيا أصبح جزءًا لا يمكن تجاهله من حياة الأطفال اليومية.

 

ويعتمد البرنامج على المحاضرات التدريبية والتطبيقية وورش العمل التفاعلية والجلسات التوعوية، بمشاركة متخصصين وخدام، بهدف تحويل الأفكار التربوية إلى أدوات عملية يمكن الاستفادة منها في الخدمة.

 

وتبرز أهمية هذا التوجه في أن الخادم لم يعد مطالبًا فقط بتقديم درس أو تنظيم نشاط، وإنما أصبح بحاجة إلى فهم المؤثرات المحيطة بالطفل، والتمييز بين احتياجاته الروحية والنفسية والتعليمية، والتعامل مع الأسئلة والمشكلات التي يفرضها الواقع الجديد.

 

البابا تواضروس: الرؤية والبرنامج يصنعان الخادم الحقيقي

وجاء تفقد قداسة البابا تواضروس الثاني أعمال المؤتمر، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، ليمنح رسالته بُعدًا إضافيًا، إذ استمع إلى عرض الأنبا نوفير حول رؤية المؤتمر والمشاركين من الكهنة والخدام ممثلي إيبارشيات الكرازة المرقسية داخل مصر.

 

وخلال كلمته، أعرب البابا عن سعادته بانعقاد المؤتمر ومحتواه، مشيرًا إلى أن الأطفال هم «بذور وزهور»، في تعبير يحمل دلالة على أهمية الرعاية المبكرة، وضرورة توفير البيئة المناسبة لنموهم.

 

وقرأ قداسة البابا الإصحاح الثامن عشر من إنجيل متى، ثم تحدث عن العلاقة بين الرؤية والتخطيط والتنفيذ في الخدمة، موضحًا أن امتلاك الرؤية وحدها يجعل الخادم حالمًا، وامتلاك البرنامج وحده يجعله عاملًا، بينما الجمع بين الرؤية والبرنامج هو ما يصنع الخادم الحقيقي.

 

وتحمل هذه الرسالة جانبًا مهمًا في فهم طبيعة الخدمة؛ فالرغبة في مساعدة الأطفال لا تكفي بمفردها، كما أن كثرة الأنشطة لا تعني بالضرورة تحقيق أهداف تربوية ناجحة. المطلوب هو تحديد ما يحتاج إليه الطفل، ووضع خطة مناسبة لعمره وقدراته، ثم متابعة أثرها في سلوكه وشخصيته.

 

وشدد قداسة البابا على أن خدمة الطفولة «وزنة وأمانة ومسؤولية»، بما يؤكد أن التعامل مع الأطفال يحتاج إلى إعداد مستمر، وليس مجرد اجتهاد شخصي أو اعتماد على الخبرة وحدها.

ثلاثة مبادئ تحكم خدمة الطفولة

وضع قداسة البابا تواضروس الثاني ثلاثة مبادئ أساسية لخدمة الطفولة، أولها أن الله ما زال يحب البشر، وثانيها أن جوهر الخدمة هو الاهتمام بالنفوس وليس بالمظاهر أو المكاسب، وثالثها أن الخدمة تُمارس مع المسيح ومن أجله.

 

وتكشف هذه المبادئ عن أهمية النظر إلى الطفل باعتباره محور الخدمة وغايتها، وليس مجرد مشارك في اجتماع أو نشاط. فنجاح الخدمة لا يقاس فقط بعدد الحاضرين أو الفعاليات التي جرى تنظيمها، بل بما تتركه من أثر في حياة الطفل، وقدرته على اكتساب القيم وتنمية مهاراته والتعامل مع الآخرين.

 

ومن هذا المنطلق، يصبح الخادم مطالبًا بمراجعة أساليبه باستمرار، والتأكد من أن الأنشطة التي يقدمها تناسب احتياجات الأطفال الفعلية، وتمنحهم مساحة للتعبير عن أنفسهم والمشاركة والتعلم.

 

كما يفرض هذا التصور ضرورة التمييز بين تقديم المعلومة وبناء الشخصية؛ فالمعرفة قد تُكتسب في وقت قصير، لكن تشكيل السلوك وتعزيز الثقة بالنفس والانتماء يحتاج إلى ممارسة يومية وقدوة حقيقية.

 

خمسة أسس لبناء الطفل.. من المسيح إلى الوطن

وخلال كلمته، حدد البابا تواضروس الثاني خمسة أسس لخدمة الطفولة، تشمل المسيح والكنيسة والكتاب المقدس والوطن والأبدية، في رؤية تجمع بين التربية الروحية والانتماء المجتمعي.

 

ويأتي المسيح في مقدمة هذه الأسس، من خلال تعريف الطفل بالمحبة المسيحية ومساعدته على بناء علاقة روحية تتناسب مع عمره. ثم تأتي الكنيسة باعتبارها مساحة للانتماء والمشاركة، بحيث يشعر الطفل بأنه عضو فيها منذ معموديته، وأن له دورًا داخل مجتمعها.

 

أما الكتاب المقدس، فيمثل أحد مصادر التعليم والتوجيه، إذ دعا البابا إلى تدريب الأطفال على حفظ الوصايا والآيات القصيرة بأساليب مبسطة وجذابة، ومن بينها ربط الآيات بحروف أسمائهم لتسهيل تذكرها وترسيخ معانيها.

 

وفيما يتعلق بالوطن، أكد البابا أهمية غرس الانتماء إلى مصر منذ السنوات الأولى، وتعريف الأطفال بتاريخها وتراثها، وتشجيعهم على المشاركة في خدمتها. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في بناء شخصية الطفل، لأن الانتماء لا يتكون من الشعارات وحدها، وإنما ينمو من خلال المعرفة والمشاركة والشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع.

 

ويأتي مفهوم الأبدية ضمن الأسس الخمسة، من خلال تقديم المعاني الروحية المرتبطة بالسماء والحياة الأبدية بطريقة تناسب المرحلة العمرية للطفل.

 

وتكشف هذه الأسس عن محاولة للجمع بين تكوين الشخصية الروحية وتعزيز الانتماء إلى المجتمع والوطن، مع التأكيد على أن بناء الطفل لا ينفصل عن القيم التي يتعلمها والمواقف التي يعيشها.

 

التكنولوجيا والصحة النفسية.. تحديات تفرض نفسها على الخدام

من أبرز القضايا التي يناقشها المؤتمر تأثير التكنولوجيا والوسائط الرقمية على نمو الأطفال، إلى جانب الصحة النفسية والروحية وتنمية الإبداع والتفكير النقدي.

 

وتفرض التكنولوجيا تحديًا جديدًا على الخادم والأسرة معًا، بعدما أصبحت الشاشات والألعاب الإلكترونية ومنصات المحتوى جزءًا من الحياة اليومية لكثير من الأطفال. ولم يعد التعامل مع هذا الواقع ممكنًا من خلال المنع وحده، بل يحتاج إلى توعية الطفل بكيفية الاستخدام، ومساعدته على التمييز بين المحتوى المفيد والضار، وتحقيق التوازن بين العالم الرقمي والتفاعل الواقعي.

 

كما يبرز الاهتمام بالصحة النفسية باعتباره جانبًا أساسيًا في التعامل مع الطفل؛ ففهم مشاعره، والإنصات إلى أسئلته، وملاحظة التغيرات في سلوكه، كلها أمور تساعد الخادم على تقديم دعم أفضل، مع ضرورة الاستعانة بالمتخصصين عند وجود مشكلات تتجاوز حدود دوره.

 

ولا يقل تنمية الإبداع والتفكير النقدي أهمية عن الجوانب الأخرى، إذ يحتاج الطفل إلى فرص للتعبير عن رأيه وطرح الأسئلة وتجربة الأفكار، بدلًا من الاكتفاء بالتلقي والحفظ.

 

وتوضح هذه القضايا أن إعداد الخادم لم يعد مقتصرًا على المعرفة الروحية، بل يحتاج أيضًا إلى مهارات تواصل وتربية وفهم للتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية التي تؤثر في الأجيال الجديدة.

 

الخادم «بطل ملهم».. القدوة قبل الكلمات

يولي المؤتمر اهتمامًا بدور الخادم باعتباره قدوة مؤثرة في حياة الطفل، وهي فكرة تتجاوز حدود ما يقوله الخادم إلى الطريقة التي يتعامل بها مع الأطفال، وكيفية استماعه إليهم، واحترامه لأسئلتهم، وقدرته على تحويل القيم التي يتحدث عنها إلى سلوك يومي.

 

فالطفل يتعلم من المواقف بقدر ما يتعلم من الكلمات، وقد يترك تصرف بسيط أثرًا طويلًا في ذاكرته، سواء كان هذا التصرف داعمًا ومحفزًا أو مصدرًا للإحباط.

 

ومن هنا، فإن بناء الخادم لنفسه يمثل جزءًا أساسيًا من بناء الطفل؛ إذ يحتاج إلى تطوير أدواته، ومراجعة أساليبه، والاطلاع على المعارف التربوية الحديثة، والتعامل مع اختلاف شخصيات الأطفال واحتياجاتهم.

 

وفي ختام كلمته، أكد البابا تواضروس الثاني أن الأطفال نفوس غالية ومحتاجة إلى المسيح، ثم سأل المشاركين عما يمكن أن يتعلموه من الأطفال، مشيرًا إلى أن الله قد يرسل رسائل خاصة للكبار من خلالهم. وهي رسالة تفتح المجال أمام فهم العلاقة بين الخادم والطفل باعتبارها علاقة تعلم متبادل، لا تقتصر على التوجيه من طرف واحد.

 

«نُبْنَى فَنَبْنِي».. بناء الإنسان يبدأ من السنوات الأولى

في نهاية المطاف، يطرح مؤتمر «تتراجون» قضية تتجاوز حدود النشاط الكنسي، وهي كيفية إعداد الأشخاص القادرين على التأثير الإيجابي في الأجيال الجديدة، في ظل عالم تتغير فيه أدوات المعرفة والتواصل بوتيرة متسارعة.

 

فالشعار «نُبْنَى فَنَبْنِي» يلخص الفكرة الرئيسية للمؤتمر: لا يمكن بناء طفل متوازن دون خادم مؤهل، ولا يمكن أن تتحول الرؤية التربوية إلى واقع دون برنامج عملي وأدوات مناسبة ومتابعة مستمرة.

 

وبين المحاور الروحية والنفسية والتكنولوجية والإبداعية، تأتي الرسالة الأهم في أن الطفل يحتاج إلى رعاية شاملة تحترم احتياجاته، وتساعده على تنمية قدراته، وتعزز انتماءه، وتمنحه فرصة للنمو في بيئة آمنة وداعمة.

 

وهكذا، يسعى المؤتمر إلى ترسيخ مفهوم أن خدمة الطفولة ليست مجرد مرحلة من مراحل العمل الكنسي، بل مسؤولية ممتدة تتطلب إعدادًا وتطويرًا مستمرين، لأن ما يُزرع في السنوات الأولى يترك أثرًا مهمًا في تكوين الإنسان ومستقبله.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة