190 طفلاً ضحايا «طائفة الجوع» فى كينيا.. محكمة تدين زعيم جماعة دينية و28 من أتباعه فى مأساة غابة شاكاهولا.. أكثر من 400 جثة تكشف فصول الكارثة.. والأطفال أول ضحايا خطة الموت اعتقادا منهم للوصول إلى الجنة

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 04:00 ص
190 طفلاً ضحايا «طائفة الجوع» فى كينيا.. محكمة تدين زعيم جماعة دينية و28 من أتباعه فى مأساة غابة شاكاهولا.. أكثر من 400 جثة تكشف فصول الكارثة.. والأطفال أول ضحايا خطة الموت اعتقادا منهم للوصول إلى الجنة بول ماكينزي

كتبت ريهام عبد الله

فى أعماق غابة شاكاهولا جنوب شرقى كينيا، تحولت معتقدات دينية متطرفة إلى واحدة من أبشع المآسى الإنسانية المرتبطة بالطوائف الدينية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتهت حياة مئات الأشخاص، بينهم أطفال، نتيجة التجويع المتعمد تحت قيادة الواعظ بول ماكنزى، الذى أقنع أتباعه بأن الامتناع عن الطعام حتى الموت يمثل طريقاً للوصول إلى الجنة قبل نهاية العالم.

 

وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اكتشاف المقابر الجماعية التى كشفت حجم المأساة، أصدرت محكمة كينية، حكماً بإدانة ماكنزى و28 آخرين بقتل 190 طفلاً وشخص بالغ، فى قضية أثارت صدمة واسعة داخل المجتمع الكينى، وأعادت فتح ملف الرقابة على المؤسسات الدينية وقدرة السلطات على التصدى للجماعات التى تستغل المعتقدات الدينية لتعريض حياة أتباعها للخطر.

 

وتكشف تفاصيل القضية، عن سلسلة من الوقائع بدأت قبل سنوات من اكتشاف المقابر، مروراً بتحذيرات أمنية وإغلاق الكنيسة التى أسسها ماكنزى، وصولاً إلى العثور على مئات الجثث داخل الغابة، بينما لا تزال التحقيقات مستمرة لكشف ملابسات الوفيات الأخرى.

 

بداية الكارثة.. بلاغ يكشف أسرار غابة شاكاهولا

بدأ الكشف عن مأساة شاكاهولا فى منتصف مارس 2023، عندما أبلغ رجل محلى الشرطة بأن شقيقه وزوجته تسببا فى تجويع أطفالهما حتى الموت داخل الغابة، تنفيذاً لتعليمات الواعظ بول ماكنزى، وفقا لرويترز.

 

وألقت السلطات القبض على ماكنزى، لكنها أفرجت عنه بكفالة، قبل أن تعيد اعتقاله فى أبريل من العام نفسه، عقب ظهور معلومات إضافية بشأن أنشطة الجماعة.

 

وبدأت الشرطة عمليات تفتيش واسعة داخل غابة شاكاهولا الواقعة بالقرب من الساحل الكينى، لتكتشف مقابر جماعية تضم جثث أشخاص قضوا نتيجة الممارسات المرتبطة بالجماعة.

 

ومع استمرار عمليات البحث واستخراج الرفات، تجاوز عدد الجثث المنتشلة 400 جثة، فى حين تواصل السلطات التحقيق بشأن الوفيات التى لم تشملها القضية التى صدر فيها الحكم.

 

الأطفال أولاً.. خطة للتجويع على ثلاث مراحل

كشفت شهادات أشخاص لديهم معرفة مباشرة بأنشطة الجماعة، أن ماكنزى وضع خطة للتجويع الجماعى تتكون من ثلاث مراحل، تبدأ بالأطفال، ثم النساء والشبان، وتنتهى ببقية الرجال.

 

وبحسب هذه الشهادات، كان الهدف المعلن من الامتناع عن الطعام هو الموت قبل حلول نهاية العالم، اعتقاداً بأن ذلك يضمن دخول الجنة.

 

وأظهرت وقائع القضية أن الأطفال كانوا من أكثر الفئات تعرضاً للممارسات القاتلة داخل الجماعة.

 

وخلال جلسة قضائية استمرت أكثر من ثمانى ساعات، أوضحت القاضية ديانا كافيدزا موتشاتشى أن بعض الأطفال تعرضوا للعزل والحرمان من الطعام، بينما كان آباؤهم يشاهدون ما يحدث دون التدخل لإنقاذهم.

 

وكشفت التحقيقات أن جثث عدد كبير من الأطفال كانت فى مراحل متقدمة من التحلل، الأمر الذى صعّب تحديد هوياتهم، إذ لم تتمكن السلطات سوى من التعرف على هوية 26 طفلاً.

 

حياة داخل الغابة.. منع التعليم والعلاج

لم تقتصر ممارسات الجماعة على الدعوة إلى التجويع، بل امتدت إلى فرض قيود على الحياة اليومية لأتباعها.

 

فبحسب روايات أقارب بعض الضحايا التى نقلتها رويترز عام 2023، منع ماكنزى أعضاء الجماعة من إرسال أطفالهم إلى المدارس، كما حظر عليهم التوجه إلى المستشفيات عند الإصابة بالأمراض، واعتبر المؤسسات التعليمية والطبية مؤسسات شيطانية.

 

وعاش أتباع الجماعة داخل مساكن بدائية شُيدت من الأغطية البلاستيكية والقش، فى مناطق داخل الغابة أطلق عليها ماكنزى أسماء لها رمزية دينية.

 

وكان ماكنزى يعمل سائق سيارة أجرة قبل أن يصبح واعظاً ويؤسس جماعته الدينية المعروفة باسم «كنيسة الأخبار السارة الدولية».

 

وتشير روايات أقارب الضحايا إلى أنه بعد الإفراج عنه بكفالة فى عام 2023، قدّم ماكنزى الموعد الذى أخبر أتباعه بأن نهاية العالم ستحل فيه.

 

تحذيرات منذ 2017.. لماذا لم تتوقف الجماعة؟

أثارت القضية تساؤلات واسعة بشأن تعامل السلطات الكينية مع أنشطة ماكنزى قبل وقوع المأساة، خصوصاً أن اسمه كان معروفاً للأجهزة الأمنية منذ سنوات.

 

ففى عام 2017، فتشت الشرطة مقرات تابعة له، قبل أن تغلق السلطات كنيسته عام 2019، وفقاً لما أعلنته الشرطة الكينية.

 

وعقب إغلاق الكنيسة، انتقل ماكنزى إلى غابة شاكاهولا، حيث استمرت أنشطة الجماعة بعيداً عن مقرها السابق
وأعاد اكتشاف المقابر الجماعية عام 2023 طرح تساؤلات بشأن كيفية استمرار هذه الممارسات رغم الإجراءات الأمنية السابقة.

 

وفى ذلك العام، أقر الرئيس الكينى ويليام روتو بأن الأجهزة الحكومية كان ينبغى أن تتمكن من منع وقوع الوفيات، معلناً تحمله المسئولية بصفته رئيساً للبلاد.

 

كما دفعت القضية إلى تصاعد المطالبات بتشديد الرقابة على المؤسسات الدينية الأخرى فى كينيا، التى يحتل فيها الدين مكانة بارزة فى الحياة العامة.

 

جلسة تاريخية.. إدانة 29 متهماً بقتل 191 شخصاً

فى 19 أكتوبر 2026، أصدرت المحكمة العليا فى مومباسا حكمها بإدانة بول ماكنزى و28 متهماً آخرين بقتل 190 طفلاً وشخص بالغ.

 

واستمرت جلسة النطق بالحكم أكثر من ثمانى ساعات، استعرضت خلالها المحكمة وقائع القضية والأدلة المتعلقة بحرمان الضحايا من الطعام.

 

ورفضت المحكمة دفاع ماكنزى، الذى أنكر اتهامات القتل، مؤكداً أنه لم يجبر الضحايا على تجويع أنفسهم.
وخلال الجلسة، جلس ماكنزى مرتدياً قميصاً مخططاً وسروالاً أحمر، إلى جانب زوجته التى كانت من بين المتهمين فى القضية.

 

وعندما نادت القاضية اسمه، ظل صامتاً يحدق أمامه دون أن يتحدث.

 

وعقب صدور الحكم، وصف مدير النيابة العامة الكينية، رينسون إنجونجا، القرار القضائى بأنه أفضل حكم كان يمكن الحصول عليه فى القضية.

 

وحددت المحكمة السادس من نوفمبر المقبل موعداً للنطق بالعقوبات، فيما أعلن المحامى لورانس أوبونيو، الذى يمثل ماكنزى ومعظم المدانين الآخرين، أنه تلقى تعليمات بالطعن على الحكم.

 

شهادات أسر الضحايا.. ثمانية قتلى من عائلة واحدة

خلفت المأساة خسائر إنسانية كبيرة بين العائلات التى انضم أفرادها إلى الجماعة، ومن بينها عائلة فرانسيس وانجى، البالغ من العمر 62 عاماً، الذى فقد ثمانية من أفراد أسرته، بينهم اثنان من أحفاده.

 

وقال وانجى لوكالة رويترز إن الحكم القضائى أشعره بالسعادة، وعزز ثقته فى القضاء الكينى.

 

واعتبر أن ما جرى يحمل دروساً مهمة للمجتمع، محذراً من الجماعات التى تستخدم المؤسسات الدينية لتحقيق أهداف خفية، وداعياً المواطنين إلى توخى الحذر.

 

وتعكس شهادته جانباً من المعاناة التى عاشتها عائلات الضحايا منذ اكتشاف المقابر الجماعية، فى ظل استمرار التحقيقات بشأن بقية الجثث التى عُثر عليها داخل الغابة.

 

ولم تنته القضايا المرتبطة بماكنزى عند حدود غابة شاكاهولا، إذ يواجه اتهامات أخرى تتعلق بالوفيات التى شهدتها الغابة، من بينها اتهامات مرتبطة بالإرهاب، ينفيها الواعظ الكينى.

 

كما تتهمه النيابة العامة بإصدار تعليمات، أثناء وجوده رهن الاحتجاز، أدت إلى وفاة 52 شخصاً فى قرية كوا بينزارو، الواقعة على مسافة نحو 30 كيلومتراً من شاكاهولا.

 

ودفع ماكنزى ببراءته من الاتهامات المتعلقة بهذه القضية، التى تُنظر بصورة منفصلة عن قضية قتل الأطفال التى صدر فيها الحكم.

 

وتسلط هذه الاتهامات الضوء على استمرار التحقيقات القضائية فى وقائع أخرى مرتبطة بالجماعة، رغم صدور حكم الإدانة بحق زعيمها وعدد من أتباعه.

 

وبينما تنتظر أسر الضحايا جلسة السادس من نوفمبر لتحديد العقوبات، تواصل السلطات التحقيق فى الوفيات الأخرى المرتبطة بغابة شاكاهولا، إلى جانب القضايا المنفصلة التى يواجهها ماكنزى.

 

وبذلك يمثل الحكم الصادر بحق ماكنزى و28 آخرين محطة قضائية رئيسية فى القضية، لكنه لا يشكل نهاية التحقيقات فى المأساة التى بدأت تتكشف فصولها عام 2023، ولا تزال آثارها الإنسانية والقضائية حاضرة فى كينيا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة