من المجر لأستراليا.. لماذا تتراجع رموز إسرائيل بالشوارع بينما تستقبلها الحكومات؟

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 09:34 ص
من المجر لأستراليا.. لماذا تتراجع رموز إسرائيل بالشوارع بينما تستقبلها الحكومات؟ الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج

0:00 / 0:00
كتبت جينا وليم

في العاصمة المجرية بودابست، استُقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج وفق المراسم الدبلوماسية المعتادة، والتقى كبار المسؤولين في الدولة، لكن مشهدًا خارج قاعات الاجتماعات أثار تساؤلات تجاوزت حدود الزيارة الرسمية؛ إذ ظهر موكبه دون الأعلام الإسرائيلية، في واقعة أرجعها صحفي إسرائيلي إلى اعتبارات أمنية، دون تأكيد رسمي مستقل لأسباب غياب الأعلام.

لم تكن المفارقة في أن الرئيس الإسرائيلي واجه احتجاجات أو معارضة لزيارته، وإنما في أن ذلك حدث في دولة ترتبط بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، ولا تزال تستقبل مسؤوليها على أعلى المستويات، ما يطرح تساؤلًا بشأن المسافة التي باتت تفصل بين الاعتراف الرسمي بإسرائيل والقبول الشعبي بحضورها ورموزها.

ولا تبدو بودابست المشهد الوحيد الذي يثير هذا التساؤل؛ ففي بولندا، اضطر وفد عسكري إسرائيلي إلى إزالة أعلامه عند مدخل معسكر أوشفيتز-بيركيناو، بينما شهدت أستراليا احتجاجات واسعة رافقت زيارة هرتسوغ نفسه في فبراير الماضي، رغم الاستقبال الرسمي الذي حظي به.

ورغم اختلاف الظروف والدوافع وراء المشاهد الثلاثة، فإنها تفتح الباب أمام سؤال أوسع: هل أصبح الغضب من السياسات الإسرائيلية يمتد تدريجيًا إلى رموز الدولة نفسها، بحيث تتسع الفجوة بين العلاقات التي تديرها الحكومات والمواقف التي تتشكل داخل المجتمعات؟

من بودابست إلى أوشفيتز.. عندما تغيب الأعلام

في 20 أكتوبر الجاري، وصل هرتسوغ إلى المجر في زيارة رسمية استغرقت يومًا واحدًا، التقى خلالها الرئيس المجري أندراس باكا ورئيس الوزراء بيتر ماجار، وبحث تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون بين البلدين.

لكن الصحفي الإسرائيلي عميت سيغال نشر مشاهد لموكب الرئيس الإسرائيلي دون أعلام بلاده، مشيرًا إلى أنه اضطر للتحرك بهذه الطريقة لأسباب أمنية.

وتكتسب الواقعة خصوصيتها من طبيعة العلاقات الإسرائيلية المجرية، إذ كانت بودابست خلال حكم رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان من أبرز العواصم الأوروبية دعمًا لإسرائيل، قبل انتقال السلطة إلى بيتر ماجار في عام 2026.

ولم يكن غياب العلم الإسرائيلي عن المشهد العام سابقة منفردة، وإن اختلفت الملابسات؛ ففي عام 2025، تعرض وفد عسكري إسرائيلي يضم نحو 180 عسكريًا ومسؤولًا لموقف غير معتاد خلال زيارة معسكر أوشفيتز-بيركيناو في بولندا، عندما طُلب منه إزالة الأعلام الإسرائيلية التي كان يحملها أثناء مسيرة تذكارية.

وأثار الإجراء استياء أعضاء الوفد، الذين اعتبروا أنه يمثل خروجًا عن تقاليد اعتادوا اتباعها خلال زيارات مماثلة.

غير أن إدارة متحف أوشفيتز أوضحت أن إزالة الأعلام لم تكن موقفًا سياسيًا من إسرائيل، وإنما جاءت بسبب عدم التنسيق المسبق لإقامة مراسم عسكرية، بالمخالفة للقواعد المنظمة للفعاليات داخل الموقع.

وبينما ارتبطت واقعة بولندا بإجراءات تنظيمية معلنة، ظلت الأسباب الأمنية المنسوبة إلى غياب أعلام موكب هرتسوغ في المجر دون تأكيد مستقل، ما يجعل من الصعب اعتبار الواقعتين دليلًا على سياسة أوروبية موحدة تجاه الرموز الإسرائيلية.

ومع ذلك، فإن اختلاف الملابسات لا يلغي ما أثارته الواقعتان من نقاش حول حساسية ظهور الرموز الإسرائيلية في بعض المناسبات العامة، وإن كانت دلالات كل واقعة تتوقف على ظروفها الخاصة.

أستراليا.. رئيس يحظى بالاستقبال الرسمي وتلاحقه الاحتجاجات

في فبراير 2026، شهدت أستراليا مشهدًا مختلفًا خلال زيارة هرتسوغ، الذي وصل إلى البلاد بدعوة رسمية من رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، في أعقاب الهجوم الذي استهدف احتفالًا يهوديًا في منطقة بونداي بمدينة سيدني في ديسمبر 2025.

ورغم أن الزيارة استهدفت التضامن مع الجالية اليهودية ومواساة أسر الضحايا، فإنها أثارت جدلًا واسعًا، وخرجت مظاهرات في سيدني وكانبرا وملبورن احتجاجًا على استقبال الرئيس الإسرائيلي، على خلفية الحرب في غزة والاتهامات الموجهة إلى إسرائيل بشأن انتهاكات القانون الدولي.

وفي العاصمة كانبرا، استُقبل هرتسوغ رسميًا في مقر الحاكم العام، بينما تجمع محتجون أمام البرلمان رفضًا للزيارة.

أما في ملبورن، فقد شارك نحو 10 آلاف شخص، وفق تقديرات الشرطة، في مظاهرة احتجاجية، رفع خلالها المشاركون شعارات ترفض زيارة الرئيس الإسرائيلي.

وكان اللافت أن بعض الاحتجاجات لم تقتصر على انتقاد سياسات حكومة بنيامين نتنياهو، وإنما استهدفت زيارة رئيس الدولة نفسه، رغم أن منصبه يغلب عليه الطابع التمثيلي.

وهنا تبرز دلالة مختلفة عن واقعة المجر؛ فبينما أثار غياب الأعلام في بودابست تساؤلات بشأن الاعتبارات الأمنية، أظهرت أستراليا بصورة مباشرة التباين بين قرار الحكومة استقبال الرئيس الإسرائيلي ومواقف قطاعات من المجتمع الرافضة للزيارة.

ولم يكن هذا التباين مجرد خلاف حول تفاصيل الزيارة، بل امتد إلى الجدل بشأن حق التظاهر والإجراءات الأمنية المصاحبة لها، خصوصًا في سيدني، حيث وقعت مواجهات بين الشرطة وبعض المحتجين، وأصبحت طريقة تعامل السلطات مع المظاهرات موضع تحقيق لاحق.

من رفض السياسات إلى تراجع صورة الدولة

تطرح هذه المشاهد سؤالًا يتجاوز طبيعة العلاقات الثنائية بين إسرائيل وكل من المجر وبولندا وأستراليا، ويتعلق بما إذا كانت المواقف الشعبية السلبية تجاه السياسات الإسرائيلية قد بدأت تؤثر في صورة الدولة ذاتها.

فمن الناحية الدبلوماسية، لا يستلزم الاعتراف بدولة ما تأييد سياساتها، كما لا يعني استقبال مسؤوليها قبول جميع مواقف حكومتها، وهو التمييز الذي يسمح باستمرار العلاقات بين دول تختلف جذريًا حول قضايا سياسية وأمنية.

لكن هذا الفصل يصبح أكثر تعقيدًا عندما لا يقتصر الاعتراض الشعبي على قرارات الحكومة، وإنما يمتد إلى المسؤولين الذين يمثلون الدولة ورموز حضورها الرسمي.

وتعكس استطلاعات الرأي الدولية جانبًا من هذه الإشكالية، إذ كشف استطلاع لمركز بيو للأبحاث في يونيو 2026، شمل 36 دولة ومنطقة، أن وسيط نسبة أصحاب النظرة السلبية لإسرائيل بلغ 67%، مع ارتفاع المواقف السلبية في عدد من الدول الأوروبية مقارنة بالعام السابق.

وسجلت النظرة السلبية مستويات مرتفعة في دول تحتفظ بعلاقات دبلوماسية طبيعية مع إسرائيل، بينها ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وبولندا، فضلًا عن الولايات المتحدة، الحليف الأبرز لتل أبيب.

ولا تعني هذه النتائج أن أصحاب النظرة السلبية لإسرائيل يرفضون الاعتراف بها كدولة، لكنها تكشف أن الاعتراف الرسمي والعلاقات السياسية لا يضمنان بالضرورة قبولًا مجتمعيًا مماثلًا.

كما تطرح احتمالًا آخر، يتمثل في أن استمرار الجدل حول السياسات الإسرائيلية قد يجعل التمييز بين الحكومة والدولة أقل وضوحًا لدى قطاعات من الرأي العام، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمسؤولين يمثلون إسرائيل رسميًا في الخارج.

هل أصبحت العلاقات الرسمية أوسع من قدرتها على اكتساب القبول الشعبي؟

تكشف المقارنة بين المجر وبولندا وأستراليا عن اختلاف مهم في طبيعة المواقف؛ فغياب الأعلام عن موكب هرتسوغ في بودابست ارتبط برواية عن اعتبارات أمنية، وإزالة أعلام الوفد العسكري في بولندا جاءت وفق تفسير رسمي لأسباب تنظيمية، بينما عكست احتجاجات أستراليا رفضًا شعبيًا معلنًا لزيارة الرئيس الإسرائيلي.

ولذلك لا يمكن جمع الوقائع الثلاث باعتبارها دليلًا قاطعًا على تراجع الاعتراف بإسرائيل، أو على وجود اتجاه رسمي لإخفاء رموزها.

لكنها تسمح بطرح سؤال بشأن حدود قدرة العلاقات الدبلوماسية على تجاوز التحولات التي يشهدها الرأي العام، خاصة عندما تصبح زيارة مسؤول أجنبي أو ظهور رموز دولته مناسبة لإثارة الجدل والاحتجاج.

فالحكومات تستطيع المحافظة على العلاقات الرسمية وتبادل الزيارات وإبرام الاتفاقيات، لكنها لا تستطيع بالضرورة ضمان أن تحظى هذه العلاقات بالدرجة نفسها من القبول داخل مجتمعاتها.

وقد تجد بعض الحكومات نفسها أمام معادلة تجمع بين الالتزام بقواعد التعامل الدبلوماسي مع إسرائيل، ومراعاة الاعتبارات الأمنية والسياسية المرتبطة بردود الفعل الشعبية، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيير موقفها من الاعتراف بالدولة.

وهنا تتضح المفارقة التي أثارتها صورة موكب هرتسوغ في بودابست؛ فالرئيس الذي استقبلته مؤسسات الدولة رسميًا ظهر موكبه في الشوارع دون أعلام بلاده، بينما سبق أن واجه خلال زيارته أستراليا احتجاجات واسعة رغم الترحيب الحكومي به.

وبين المشهدين، يظل السؤال مفتوحًا: هل يتراجع القبول الشعبي بإسرائيل بوتيرة أسرع من تغير العلاقات الرسمية معها، وهل يمكن أن يؤدي استمرار هذه الفجوة إلى جعل بعض مظاهر حضورها الدبلوماسي أكثر حساسية؟

فإذا كان الاعتراف الرسمي يمنح إسرائيل مكانًا على طاولة العلاقات الدولية، فإنه لا يضمن بالضرورة قبولًا مماثلًا في الشوارع؛ وربما تكون هذه المسافة بين ما تقرره الحكومات وما تقبله المجتمعات إحدى أبرز المفارقات التي تواجه حضور إسرائيل الخارجي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة