الإخوان وامبراطوريات الظل الرقمى.. من شركات مسجلة بعناوين افتراضية وشراء الحسابات المليونية إلى غرف عمليات عابرة للحدود.. كيف تُصنع الروايات المضللة وحملات التأثير المنظم لتزييف الوعي بالتكرار الممنهج والفبركة؟

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 06:00 م
الإخوان وامبراطوريات الظل الرقمى.. من شركات مسجلة بعناوين افتراضية وشراء الحسابات المليونية إلى غرف عمليات عابرة للحدود.. كيف تُصنع الروايات المضللة وحملات التأثير المنظم لتزييف الوعي بالتكرار الممنهج والفبركة؟ الاخوان

كتب: عزوز الديب

لم تعد السيطرة على المجال الإعلامي مرهونة بامتلاك قناة فضائية أو صحيفة واسعة الانتشار، ففي البيئة الرقمية الراهنة، بات من الممكن بناء نفوذ واسع عبر شبكة متداخلة من المواقع والحسابات والصفحات والشركات، تتفاوت أسماؤها وهوياتها الظاهرة، بينما تتقاطع رسائلها وتوقيتات نشرها والموضوعات التي تضعها في صدارة الاهتمام.

هذا التحول لا يتعلق فقط بتعدد وسائل النشر، وإنما بتغير طبيعة التأثير ذاته؛ إذ لم يعد إنتاج المحتوى هو الحلقة الحاسمة وحدها، بل أصبحت القدرة على توزيعه وإعادة تدويره وتضخيم حضوره وإظهاره باعتباره تعبيرًا عن اتجاه عام عنصرًا أساسيًا في معادلة التأثير السياسي والإعلامي.

وفي هذا السياق، يفتح ما تتضمنه المعطيات والوثائق المطروحة بشأن شبكات إعلامية مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية في الخارج، ملفًا يتجاوز مسألة الخطاب السياسي المباشر إلى البحث في البنية التي تقف خلفه: من يمتلك المنصات؟ وكيف تُدار؟ وما مصادر تمويلها؟ وهل يعكس تعدد الكيانات تعددًا حقيقيًا في مراكز القرار، أم أن بعض هذه الواجهات قد يؤدي أدوارًا متكاملة ضمن منظومة واحدة؟

هذه الأسئلة تمثل نقطة البداية لفهم آليات التأثير الرقمي المنظم، بعيدًا عن الاكتفاء بمتابعة المنشورات المتداولة أو الاكتفاء بتصنيفها وفق مضمونها السياسي.

شركات بعناوين افتراضية.. حضور قانوني لا يكشف بالضرورة حقيقة النشاط

,من أبرز المسارات التي تستحق التدقيق في بنية بعض الكيانات الإعلامية العابرة للحدود، استخدام العناوين البريدية الافتراضية وخدمات تسجيل الشركات وإدارة المكاتب عن بُعد، وهي خدمات متاحة قانونيًا في عدد من الدول، وتستخدمها شركات مشروعة لأغراض إدارية وتجارية متعددة، لكن الإشكالية تبدأ عندما يُستند إلى عنوان مسجل أو كيان قانوني لإضفاء انطباع بوجود مؤسسة إعلامية متكاملة، من دون أن تتوافر معلومات واضحة عن حجم فريق العمل أو طبيعة الإدارة أو مصادر التمويل أو الجهة التي تتخذ القرارات التحريرية.

فالعنوان القانوني وحده لا يثبت وجود غرفة تحرير فعلية، كما أن غياب المقر التقليدي لا يعني في حد ذاته وجود نشاط مشبوهK وبين الأمرين تقع المساحة التي ينبغي أن يعمل فيها التدقيق الصحفي: فحص السجلات المتاحة، وتحديد المالك المستفيد، ورصد الروابط بين الشركات، ومقارنة البيانات القانونية بالنشاط الإعلامي الفعلي.

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تتوزع المنصة الإعلامية بين أكثر من كيان، أو تُسجل العلامة التجارية باسم، بينما تتولى شركة أخرى إدارة الموقع أو الحسابات الرقمية، بما يستدعي التحقق من طبيعة العلاقة بين الأطراف المختلفة.

فوجود شبكة من الشركات والواجهات لا يمثل دليلًا تلقائيًا على وحدة الإدارة أو وجود توجيه سياسي مشترك، لكنه يطرح أسئلة مشروعة تستلزم إجابات موثقة، خصوصًا إذا تزامن مع أنماط نشر متشابهة أو علاقات مالية وإدارية يمكن إثباتها.

من تعدد المنصات إلى وحدة الرسالة.. كيف يُصنع الانطباع بوجود إجماع؟

قد تبدو عشرات المواقع والصفحات والحسابات، للوهلة الأولى، مصادر مستقلة تتناول الحدث نفسه من زوايا متقاربة، غير أن التشابه المتكرر في العناوين والمفردات وتسلسل الأفكار وتوقيتات النشر يمكن أن يثير تساؤلات حول وجود مصادر مشتركة للمحتوى أو آليات تنسيق بين بعض الناشرين.

وتبدأ آلية التأثير المحتملة باختيار قضية بعينها، ثم تحديد الزاوية التي يراد إبرازها، وصياغة الرسائل الرئيسية، قبل توزيع المحتوى على منصات مختلفة. وبعد ذلك، يُعاد إنتاج المادة في صور متعددة: خبر مختصر، ومنشور انفعالي، ومقطع فيديو، وتعليق سياسي، وإنفوجراف، أو رواية شخصية تبدو مستقلة عن المادة الأصلية.

ومع انتقال الرسالة بين هذه الأشكال، قد يتراجع ظهور مصدرها الأول، بينما يتزايد حضورها أمام المستخدم. فالمعلومة التي شاهدها مرة واحدة تتحول إلى موضوع يراه في صفحات متعددة، ثم يسمع تفسيرها في مقطع آخر، قبل أن يصادفه في حساب يقدم نفسه باعتباره صوتًا شعبيًا مستقلًا.

هنا تظهر إحدى آليات التأثير الأكثر أهمية في البيئة الرقمية: صناعة الإحساس بالانتشار الواسع من خلال كثافة التكرار، بما قد يدفع بعض المستخدمين إلى الاعتقاد بأن تعدد المنشورات يعكس تعدد المصادر أو وجود توافق مجتمعي واسع.

لكن كثرة المشاركات لا تثبت صحة الرواية، كما أن تشابه المنشورات لا يكفي وحده لإثبات وجود غرفة عمليات مركزية. فإثبات التنسيق يتطلب فحصًا أعمق، يشمل التسلسل الزمني للنشر، ودرجة التطابق النصي، والروابط التقنية المتاحة، ومصادر المواد الأصلية، وأي وثائق تثبت وجود تعليمات أو إدارة مشتركة.

والفارق هنا جوهري بين رصد نمط متكرر في المحتوى، والاستنتاج بأن وراءه جهة واحدة تديره؛ فالأول قد تكشفه المقارنة، بينما يحتاج الثاني إلى أدلة إضافية قابلة للفحص.

شراء الحسابات المليونية.. الاستحواذ على الجمهور قبل تغيير الرسالة

لا يقتصر بناء النفوذ الرقمي على إطلاق صفحات جديدة أو جذب المتابعين تدريجيًا، إذ يمكن أن يمثل الاستحواذ على حسابات وصفحات قائمة بالفعل مسارًا بديلًا للوصول إلى جماهير كبيرة في وقت أقصر، وتكمن جاذبية هذا الأسلوب في أن الحساب المستحوذ عليه يمتلك أصلًا قاعدة متابعين تراكمت على مدار سنوات، فضلًا عن تاريخ من التفاعل والانتشار داخل مجال محدد، سواء كان رياضيًا أو فنيًا أو ترفيهيًا أو اجتماعيًا.

وعندما تتغير هوية الصفحة أو طبيعة المحتوى الذي تقدمه، يمكن أن تنتقل هذه القاعدة الجماهيرية إلى مجال مختلف عن المجال الذي اجتذبها في البداية. وقد يحدث ذلك بصورة تدريجية، عبر إدخال موضوعات سياسية وسط المحتوى المعتاد، أو بصورة مباشرة من خلال تغيير الاسم والصورة التعريفية واتجاه النشر.

وتكمن أهمية هذه الآلية في أن الجمهور لم يختر بالضرورة متابعة الصفحة بسبب توجهها السياسي الجديد، بل ربما انضم إليها قبل سنوات لمتابعة أخبار فريق رياضي أو فنان أو محتوى ساخر، ولذلك، فإن تحول الحساب إلى منصة سياسية قد يضع المتابع أمام رسائل لم يكن يتوقع تلقيها من المصدر نفسه.

ومع ذلك، فإن إثبات الاستحواذ على حساب أو تغيير الجهة التي تديره يتطلب أدلة محددة، مثل بيانات انتقال الملكية أو تصريحات الأطراف المعنية أو سجلات موثوقة أو قرائن تقنية متضافرة‘ أما مجرد تغير المحتوى أو الاسم، فلا يكفي وحده للجزم بحدوث عملية شراء.

ومن منظور التأثير الإعلامي، يمكن وصف هذه الآلية بأنها استثمار في جمهور موجود بالفعل، بدلًا من تحمل كلفة بناء جمهور جديد. فالقيمة هنا لا تكمن في عدد المتابعين فقط، وإنما في القدرة على الوصول إليهم عبر قناة اعتادوا متابعتها، وهو ما يجعل شفافية ملكية الحسابات وتاريخ تغير هويتها مسألة ذات أهمية عامة.

غرف العمليات الرقمية.. هل تتكرر الرسائل تلقائيًا أم وفق خطة مشتركة؟

تزداد الأسئلة تعقيدًا عندما لا يقتصر التشابه على مضمون الرسائل، بل يمتد إلى توقيت نشرها، واستخدام الوسوم نفسها، وتكرار العبارات ذاتها، وتوزيع الأدوار بين منصات تنشر الخبر وأخرى تتولى التعليق عليه وثالثة تعمل على تضخيمه، ففي البيئات الرقمية، يمكن أن يجري تنسيق الحملات من خلال جداول تحريرية مشتركة أو مجموعات لإدارة المحتوى أو أدوات جدولة النشر أو فرق تعمل على إنتاج مواد متعددة انطلاقًا من فكرة مركزية واحدة.

وقد تشمل آليات العمل، في حال ثبوت وجود تنسيق، تحديد القضايا ذات الأولوية، وتوزيع الموضوعات على الناشرين، وتوحيد بعض المصطلحات، وإعداد نسخ مختلفة من الرسالة نفسها بما يلائم طبيعة كل منصة وجمهورها.

لكن ثمة فارقًا ينبغي عدم تجاهله بين التنسيق التحريري المشروع، الذي تمارسه المؤسسات الإعلامية بصورة معتادة، وبين الحملات التي تعتمد على إخفاء الروابط بين الحسابات أو اصطناع الانطباع بوجود أصوات مستقلة أو استخدام هويات مضللة للتأثير في النقاش العام.

ولا يمكن تحديد طبيعة أي شبكة اعتمادًا على التشابه وحده؛ إذ يتطلب الأمر التحقق من مصدر المواد، وتوقيتات نشرها، والعلاقات بين الحسابات، وأي أدلة على التعليمات المشتركة أو التمويل أو الإدارة الموحدة.

وفي حال ثبوت وجود تنسيق غير معلن، تصبح المسألة متعلقة بشفافية التأثير في الرأي العام، لا بمجرد اتفاق عدة منصات على تناول قضية واحدة. فالمشكلة ليست في أن تتشابه التغطيات، وإنما في احتمال تقديم حملة منسقة للجمهور باعتبارها تعبيرًا عفويًا عن اتجاهات مستقلة ومتعددة.

الذكاء الاصطناعي.. عندما تتحول الفبركة من ادعاء مكتوب إلى مشهد يبدو حقيقيًا

وأضاف تطور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أبعادًا جديدة إلى التحديات التي تواجه التحقق من المحتوى الرقمي. فإلى جانب التلاعب التقليدي بالصور واجتزاء التصريحات وإخراج المقاطع من سياقها، أصبح إنتاج صور ومقاطع صوتية ومرئية مصطنعة أكثر سهولة من السابق.

وتكمن الخطورة في أن المحتوى المزيف قد لا يقدم ادعاءً نصيًا فحسب، بل قد يظهر في صورة مشهد بصري أو تسجيل صوتي يوحي للمشاهد بأنه أمام واقعة موثقة.

وقد يُنسب تصريح إلى شخصية عامة لم تقله، أو يُركب صوت على تسجيل آخر، أو تُنتج صورة لحدث لم يقع، أو يُعاد توظيف مقطع قديم باعتباره توثيقًا لواقعة جديدة. وفي بعض الحالات، لا يكون المحتوى مزيفًا بالكامل، وإنما يتضمن عناصر صحيحة جرى دمجها أو تعديلها لتقديم دلالة مضللة.

ولا تتوقف دورة التضليل عند إنتاج المادة، بل قد تبدأ مرحلة أخرى عندما تعيد حسابات ومواقع نشرها من دون التحقق من مصدرها، ثم تستند إلى انتشارها باعتباره مؤشرًا على صدقيتها. وبهذه الطريقة، يتحول تداول الادعاء إلى بديل زائف عن إثباته.

ويقتضي التعامل المهني مع هذا النوع من المحتوى الجمعي بين فحص المصدر الأصلي، ومراجعة تاريخ النشر، والبحث عن نسخ أقدم للمادة، وتحليل التفاصيل البصرية والصوتية، والاستعانة بأدوات التحقق المتخصصة عند الحاجة.

كما يجب الانتباه إلى أن أدوات كشف المحتوى المصطنع ليست معصومة من الخطأ؛ فنتائجها قد تتأثر بجودة الملف وضغطه والتعديلات التي طرأت عليه. لذلك، لا ينبغي بناء حكم نهائي على نتيجة أداة واحدة، سواء أكانت تشير إلى التلاعب أم تنفيه.

في هذه البيئة، يصبح الدليل الأصلي وسياقه وسلسلة تداوله أكثر أهمية من الانطباع الذي يتركه المقطع لدى المشاهد.

التمويل والملكية.. الحلقة التي لا يجوز استبدال الدليل فيها بالاستنتاج

يبقى السؤال المتعلق بمصادر التمويل والجهات المالكة من أكثر جوانب التحقيق حساسية؛ إذ قد تتعدد الشركات المسجلة والواجهات الإعلامية، بينما تظل العلاقات الفعلية بينها غير واضحة للجمهور.

ولا يكفي تشابه الخطاب السياسي أو التزامن في النشر لإثبات أن منصات متعددة تتلقى تمويلها من جهة واحدة، كما لا يثبت وجود عنوان مشترك أو علاقة تجارية بمفرده أن الأطراف المعنية تشارك في نشاط تضليلي.

وللوصول إلى استنتاجات يمكن الدفاع عنها صحفيًا، ينبغي الاعتماد على مصادر محددة، من بينها سجلات الشركات والملكية المستفيدة، والبيانات المالية المتاحة قانونًا، والوثائق القضائية، والتقارير الرقابية، والمعلومات التقنية التي يمكن التحقق من سلامة مصدرها، والمراسلات التي تثبت نسبتها إلى أطرافها.

وتزداد أهمية هذا المنهج عند تناول أسماء أشخاص أو مؤسسات بعينها، لأن الخلط بين الشبهة والواقعة المثبتة قد يحول التقرير من تحقيق في آليات التأثير إلى تكرار لاتهامات لم تستكمل متطلبات التحقق.

ومن ثم، يجب أن يوضح أي تحقيق من هذا النوع ما الذي تثبته الوثائق بالفعل، وما الذي ترجحه القرائن، وما الذي يظل ادعاءً يحتاج إلى تأكيد مستقل. كما ينبغي منح الأطراف المعنية فرصة مناسبة للرد على الاتهامات المحددة، وإثبات موقفها داخل التقرير كلما كان ذلك ممكنًا.

إن كشف البنية المالية والإدارية للشبكات الإعلامية لا يتحقق عبر إطلاق الأحكام، وإنما بتتبع العلاقات وتوثيقها وتقديم أدلة يستطيع القارئ أو المحقق المستقل مراجعتها.

استثمار الأزمات.. من تضخيم الحدث إلى توجيه تفسيره

لا تتعلق معركة التأثير الرقمي بالمعلومات المختلقة وحدها؛ فقد تبدأ أحيانًا من واقعة صحيحة، ثم يجري تقديمها بصورة مجتزأة أو تحميلها دلالات لا تدعمها الأدلة أو ربطها بأحداث أخرى لإنتاج رواية أكثر اتساعًا من الوقائع الأصلية.

وفي أوقات الأزمات الاقتصادية أو الخدمية أو التوترات الإقليمية، تزداد أهمية السياق؛ لأن الجمهور يبحث عن تفسيرات سريعة للأحداث، بينما تتنافس الحسابات والمنصات على جذب الانتباه وتحقيق الانتشار.

وفي هذه الظروف، يمكن أن تتخذ الرسائل المضللة أشكالًا متعددة: إعادة نشر صورة قديمة باعتبارها حديثة، أو تضخيم واقعة فردية لتبدو ظاهرة عامة، أو اجتزاء تصريح بما يغير دلالته، أو تداول أرقام من دون بيان مصدرها أو فترة قياسها، أو الربط بين أحداث متزامنة من دون دليل على وجود علاقة سببية بينها.

وقد تؤدي هذه الممارسات إلى توسيع الفجوة بين الحدث الفعلي والصورة الذهنية التي تتكون عنه، بما يؤثر في فهم الجمهور للأزمة وفي تقييمه للمواقف والسياسات.

وعلى المستوى العربي، يكتسب هذا الأمر أهمية إضافية في ظل الترابط السياسي والإعلامي بين دول المنطقة؛ إذ يمكن لمحتوى منشور في ساحة وطنية أن ينتقل سريعًا إلى ساحات أخرى، حيث يُعاد تفسيره في ضوء حساسيات محلية أو خلافات قائمة.

غير أن إثبات استهداف دولة أو شعب أو مؤسسة بعينها يقتضي تحديد الرسائل المستهدفة ومصدرها وسياقها والأدلة التي تدعم تفسيرها. فالأثر المحتمل للمحتوى لا يكفي وحده لإثبات نية ناشره، كما أن اختلاف المواقف السياسية لا يعني بالضرورة وجود حملة تضليل.

والفارق بين النقد السياسي المشروع والتضليل المتعمد يظل مرتبطًا بطبيعة المحتوى ومدى دقته وسياقه، وبما إذا كان يقدم الوقائع بصورة أمينة أم يتعمد تحريفها أو إخفاء ما يلزم لفهمها.

كيف يُقاس التأثير الحقيقي؟ الأرقام لا تكشف الصورة كاملة

يمثل عدد المتابعين ومشاهدات المقاطع ومعدلات التفاعل مؤشرات مهمة عند دراسة الحضور الرقمي، لكنها لا تقدم بمفردها صورة مكتملة عن حجم التأثير الفعلي.

فالحساب الذي يمتلك ملايين المتابعين لا يصل بالضرورة إلى جميعهم، والمنشور الذي يحصد آلاف المشاركات لا يثبت أن المتلقين اقتنعوا بمضمونه، كما أن ارتفاع التفاعل لا يكشف وحده ما إذا كان ناتجًا عن اهتمام حقيقي أو اعتراض أو سخرية أو إعادة نشر بقصد التصحيح.

ولهذا يتطلب تقييم التأثير الرقمي التمييز بين ثلاثة مستويات: حجم الوصول إلى الجمهور، وطبيعة التفاعل مع المحتوى، والأثر الذي يمكن إثباته في فهم المتلقين أو مواقفهم أو سلوكهم.

ويحتاج المستوى الثالث إلى بيانات أكثر دقة من مجرد عدادات المنصات، مثل الدراسات الميدانية ومسوحات الجمهور والتحليل المنهجي لمسارات انتشار المحتوى، مع مراعاة حدود كل أداة ودرجة تمثيل العينة.

كما أن إثبات وجود شبكة منسقة يستلزم فصل مؤشرات الانتشار عن أدلة التنسيق، وفصل الاثنين عن الادعاء بوجود تأثير سياسي مباشر. فهذه مستويات مختلفة من الاستنتاج، ولا يصح التعامل معها كما لو كانت نتيجة واحدة.

ومن هنا، فإن التحقيق الجاد لا يكتفي بعرض أرقام ضخمة أو لقطات شاشة لمنشورات متزامنة، بل يشرح كيف جُمعت البيانات، وما الفترة التي تغطيها، وما الذي تسمح بإثباته بالفعل.

المواجهة تبدأ من التحقق.. لا من مطاردة كل منشور

تواجه الدول والمؤسسات الإعلامية والجمهور تحديًا متزايدًا في التعامل مع شبكات النشر التي يمكن أن تتغير أسماؤها وهوياتها بسرعة. ولذلك، فإن حصر المواجهة في حذف منشور أو إغلاق حساب قد لا يكون كافيًا لمعالجة الأسباب التي تسمح باستمرار التضليل وإعادة إنتاجه.

وتبدأ الاستجابة الأكثر استدامة من بناء منظومة للتحقق تجمع بين الرصد المبكر، والتحقيق في مصادر المحتوى، والتعاون مع المنصات الرقمية ضمن الأطر القانونية، وتطوير أدوات كشف التلاعب، ونشر التصحيحات بصورة واضحة وسريعة.

كما تكتسب الشفافية المؤسسية أهمية خاصة؛ فالإفصاح عن الملكية والتمويل، حيث تفرض القوانين ذلك، وتوضيح السياسات التحريرية، وتصحيح الأخطاء علنًا، كلها عوامل تساعد الجمهور على تقييم المصادر بدلًا من الاكتفاء بالانطباعات أو التصنيفات السياسية.

أما على مستوى المستخدم، فيمكن تقليل احتمالات الوقوع في التضليل عبر خطوات عملية: الرجوع إلى المصدر الأول، والتحقق من تاريخ الصور والمقاطع، ومقارنة المعلومات بمصادر مستقلة، والبحث عن السياق الكامل للتصريحات، والتعامل بحذر مع المواد التي تعتمد على إثارة الغضب أو الخوف أو الاستعجال في إعادة النشر.

ويظل من الضروري كذلك ألا تتحول مكافحة الأخبار الكاذبة إلى ذريعة لرفض النقد المشروع أو تصنيف الآراء المخالفة باعتبارها حملات منظمة من دون دليل. فحماية المجال العام تتطلب في الوقت نفسه مواجهة التضليل وصون حق الجمهور في الوصول إلى معلومات موثوقة وتعدد الآراء.

معركة الوعي ليست في عدد المنشورات.. بل في القدرة على كشف مصدرها

تطرح التحولات التي يشهدها الإعلام الرقمي واقعًا جديدًا، أصبحت فيه الحدود بين المؤسسة الإعلامية والحساب الفردي والشركة المشغلة والمنصة العابرة للحدود أكثر تعقيدًا. ولم يعد فهم الرسالة كافيًا وحده؛ إذ بات ضروريًا فحص الطريق الذي سلكته، والجهات التي أعادت نشرها، والبيانات التي تستند إليها، ومدى استقلال مصادرها الظاهرة.

ومن هنا، فإن البحث في العناوين الافتراضية والحسابات المستحوذ عليها وأنماط النشر المتزامن ومحتوى الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يتحول إلى قائمة اتهامات جاهزة، بل إلى مسار تحقيق يستند إلى الوثائق والبيانات والقرائن القابلة للتحقق.

فالتكرار لا يصنع حقيقة، والانتشار لا يثبت المصداقية، والمظهر المؤسسي لا يكشف وحده حقيقة الملكية، كما أن المقطع الذي يبدو واقعيًا لا يغني عن التحقق من مصدره وسياقه.

وفي المقابل، لا يكفي الشك في المحتوى للحكم عليه بالتضليل، ولا يكفي تشابه الخطاب لإثبات وجود إدارة مركزية أو جهة تمويل واحدة. فالمعيار الحاسم يظل قوة الدليل، وقدرة الاستنتاج على الصمود أمام الفحص المستقل.

إن المعركة الحقيقية في الفضاء الرقمي هي معركة على جودة المعلومات وشفافية مصادرها وقدرة الجمهور على التمييز بين الوقائع والتفسيرات والادعاءات. وكلما ارتفعت مهارات التحقق، وتوافرت المعلومات عن الملكية والتمويل، والتزمت المؤسسات الإعلامية بالمساءلة المهنية، تقلصت المساحة التي يمكن أن يستغلها التضليل.

ففي عالم تستطيع فيه الرسالة الواحدة أن تعبر عشرات الشاشات خلال دقائق، لا تكمن الحماية في الامتناع عن متابعة الأخبار، بل في معرفة من ينشرها، وعلى أي أساس، وبأي دليل؛ لأن الوعي الرقمي لا يُبنى بتصديق كل ما يُنشر، ولا برفض كل ما يُخالف التوقعات، وإنما بامتلاك القدرة على التحقق قبل تكوين الموقف.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة