تواجه أوروبا اختبارًا جديدًا لأمن الطاقة مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل تراجع احتياطيات الغاز عن المستويات المعتادة وارتفاع تكاليف استيراد الوقود، بعدما أشارت تقديرات نقلها موقع «أويل برايس» إلى أن الاتحاد الأوروبي تحمل نحو 100 مليار يورو تكاليف إضافية لشراء النفط والغاز منذ بداية عام 2026، في مؤشر على اتساع الضغوط التي تواجهها القارة مع استمرار التوترات الجيوسياسية والمنافسة العالمية على الإمدادات.
وذكر موقع «ميركا 2» الإسباني، في تقرير نشره يوم 17 أكتوبر، أن مخازن الغاز الأوروبية تدخل موسم التدفئة بهامش أمان أقل من المعتاد، ما يثير مخاوف بشأن قدرة الدول على التعامل مع موجات البرد المفاجئة دون زيادة الاعتماد على الشراء من الأسواق الفورية أو تحمل تكاليف إضافية لإعادة ملء المخزونات خلال الربيع المقبل.
ولا تتعلق الأزمة باحتمالات نقص الإمدادات فقط، بل بتكلفة الحصول عليها أيضًا، إذ أصبحت أسعار الطاقة مرتبطة بمجموعة واسعة من العوامل، من حجم الطلب الآسيوي على الغاز الطبيعي المسال إلى اضطرابات الشحن والتوترات المحيطة بالبنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط، وهو ما يجعل توقع الأسعار أكثر صعوبة بالنسبة للحكومات والشركات والمستهلكين.
مخزونات الغاز الأوروبية أمام اختبار نوفمبر
وتلزم القواعد الأوروبية الدول الأعضاء بالسعي إلى بلوغ مستوى تخزين يعادل 90% من سعة منشآت الغاز قبل الأول من نوفمبر، بهدف تعزيز الاستعداد لموسم الشتاء وتوفير احتياطي يسمح بمواجهة الارتفاع الموسمي في الاستهلاك.
لكن الوصول إلى هذا المستوى في ظل ارتفاع الأسعار ومنافسة المشترين الدوليين يضع الدول الأوروبية أمام معادلة صعبة، تتمثل في تأمين الكميات المطلوبة دون زيادة الأعباء المالية. فشراء الغاز وتخزينه قبل الشتاء يتطلبان إنفاقًا قد ينعكس لاحقًا على أسعار الطاقة التي تتحملها الأسر والقطاعات الصناعية.
وتكمن أهمية المخزونات في أنها توفر وسيلة لامتصاص الزيادة المفاجئة في الطلب خلال فترات البرد، لكنها لا تلغي الحاجة إلى استمرار تدفق الإمدادات من الخارج. وكلما انخفض الهامش المتاح في المخازن، زادت حساسية السوق لأي اضطراب في الشحنات أو ارتفاع مفاجئ في الاستهلاك.
ولا يعني انخفاض المخزونات بالضرورة وقوع أزمة نقص حادة، لكنه يقلص هامش المناورة المتاح أمام الدول، خصوصًا إذا تزامن الشتاء البارد مع اضطرابات في الأسواق العالمية.
أزمة هرمز والمنافسة الآسيوية يضغطان على الأسعار
وتتداخل عدة عوامل في تشكيل أسعار الطاقة الأوروبية، أبرزها التوترات الجيوسياسية والقيود التي تؤثر على حركة التجارة، إلى جانب المخاطر التي تواجه منشآت الطاقة ومسارات النقل في الشرق الأوسط، من أزمة مضيق هرمز، وقد تدفع هذه التطورات المتعاملين إلى احتساب علاوة مخاطر إضافية في أسعار النفط والغاز، حتى قبل حدوث اضطراب فعلي في الإمدادات.
وفي الوقت نفسه، تواجه أوروبا منافسة متزايدة من الأسواق الآسيوية على شحنات الغاز الطبيعي المسال. فمع اعتماد القارة بصورة أكبر على الإمدادات المنقولة بحرًا، أصبحت مطالبة بمنافسة مشترين آخرين على الشحنات نفسها، ما يزيد تأثر الأسعار الأوروبية بالتغيرات في الطلب العالمي وتوافر السفن وقدرات التسييل.
وتعني هذه التحولات أن سعر الغاز لم يعد مرتبطًا فقط بدرجات الحرارة داخل أوروبا أو بمستويات الاستهلاك المحلي، بل أصبح يتأثر أيضًا بقرارات المنتجين والمشترين في مناطق بعيدة، وبأي تأخير في تشغيل منشآت التسييل أو تغيير مسارات الشحن البحري.
التحول بعيدًا عن الغاز الروسي يغير خريطة الإمدادات
ومنذ أزمة الطاقة التي تصاعدت عام 2022، عملت أوروبا على تقليص اعتمادها على الغاز الروسي المنقول عبر خطوط الأنابيب، والتوسع في استيراد الغاز الطبيعي المسال لتوفير بدائل للإمدادات التقليدية.
وساعد هذا التحول على تنويع مصادر الحصول على الغاز، لكنه زاد ارتباط السوق الأوروبية بالتجارة العالمية والشحن البحري، وجعلها أكثر تعرضًا للمنافسة على الكميات المتاحة. فبينما توفر الشحنات البحرية مرونة في اختيار مصادر الاستيراد، فإن تكلفتها النهائية تتأثر بالطلب العالمي والنقل والتأمين وتوافر الإمدادات.
وتظهر هنا إحدى المعضلات التي تواجه السياسة الأوروبية: تنويع مصادر الطاقة يعزز أمن الإمدادات، لكنه لا يضمن بالضرورة انخفاض الأسعار، خاصة عندما تتنافس عدة مناطق اقتصادية على الوقود نفسه.
كما أن ارتفاع أسعار الغاز قد يمتد تأثيره إلى سوق الكهرباء، لأن محطات الغاز تحدد سعر الكهرباء في عدد كبير من ساعات التداول داخل الأسواق الأوروبية. وبذلك يمكن أن تنتقل الضغوط من سوق الوقود إلى تكلفة الكهرباء، حتى في الدول التي تعتمد على مصادر أخرى في إنتاج جزء من احتياجاتها.
الأسر والصناعة في مواجهة فاتورة الطاقة
وتنعكس تقلبات أسعار الطاقة على المستهلكين بطرق تختلف من دولة إلى أخرى، وفق أنظمة التسعير والعقود وآليات الدعم الحكومية. فقد تظهر الزيادات في فواتير التدفئة والغاز مباشرة أو بعد فترة، بينما تواجه الشركات الصناعية ارتفاعًا في تكاليف التشغيل والإنتاج.
وتزداد حساسية الأسر لهذه الزيادات خلال الشتاء، عندما يرتفع استهلاك الطاقة للتدفئة، فيما تواجه الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة تحديات إضافية في الحفاظ على قدرتها التنافسية إذا ارتفعت تكاليف الإنتاج مقارنة بالأسواق الأخرى.
ولهذا لا تنظر الحكومات الأوروبية إلى الأزمة باعتبارها مسألة تتعلق بتوفير الوقود فقط، بل باعتبارها تحديًا اقتصاديًا واجتماعيًا قد يزيد الضغوط على الأسر والشركات، ويجبر الحكومات على المفاضلة بين تقديم الدعم والحفاظ على الإنفاق العام.
بروكسل تبحث عن حلول لاحتواء الأزمة
وتناقش دول الاتحاد الأوروبي مجموعة من الخيارات لتخفيف تأثير ارتفاع الأسعار، من بينها تنسيق عمليات شراء الغاز، ومناقشة آليات للحد من أسعار الاستيراد، وتقديم مساعدات مباشرة للمستهلكين الأكثر تأثرًا.
لكن هذه الخيارات تواجه عقبات، أبرزها اختلاف مصالح الدول الأعضاء وتفاوت قدرتها على تمويل برامج الدعم، فضلًا عن صعوبة التأثير منفردة على أسعار تتشكل في سوق عالمية مترابطة. كما أن التدخلات الحكومية قد تخفف الأعباء عن المستهلكين، لكنها لا تعالج بالضرورة الأسباب الأساسية لارتفاع تكاليف الاستيراد.
ويظل الطقس خلال نوفمبر وديسمبر أحد العوامل الحاسمة في تحديد مسار الأزمة. فإذا جاءت درجات الحرارة معتدلة، فقد يتراجع الضغط على المخزونات، أما إذا شهدت أوروبا موجات برد طويلة، فقد يرتفع الطلب بسرعة ويزيد الاعتماد على الإمدادات الجديدة.
ويمتد القلق إلى ربيع 2027، إذ قد تضطر الدول إلى إعادة ملء المخزونات بعد انتهاء الشتاء في وقت تكون فيه الأسعار مرتفعة، ما يفتح الباب أمام استمرار الضغوط خلال موسم التخزين التالي.
وبذلك، لا يقتصر التحدي الأوروبي على اجتياز شتاء واحد، بل يتعلق بكيفية بناء سوق طاقة أكثر قدرة على تحمل الصدمات، وتقليل تعرض المستهلكين لتقلبات الأسعار العالمية، وتحقيق التوازن بين أمن الإمدادات وتكلفة التحول إلى مصادر طاقة أكثر استدامة.