شهدت عدة دول فى أمريكا اللاتينية تصاعدا فى حوادث العنف خلال الأسبوع الممتد من 12 إلى 19 أكتوبر 2026 ، بين هجمات نفذتها جماعات مسلحة في كولومبيا، واغتيال محامٍ بارز في مكافحة الفساد بجواتيمالا، وأعمال تخريب وإحراق طالت مباني حكومية في المكسيك خلال احتجاجات تطالب بتوفير مياه نظيفة ومحاسبة المسؤولين عن التعامل العنيف مع المتظاهرين.
وتكشف هذه الوقائع عن تعدد مصادر التوتر الأمني في المنطقة، إذ تتداخل المواجهات مع الجماعات المسلحة في بعض المناطق مع مخاطر الجريمة والاعتداءات على شخصيات معروفة بمواقفها ضد الفساد، بينما تتحول أزمات الخدمات الأساسية في مناطق أخرى إلى احتجاجات واسعة تتخللها مواجهات وأعمال عنف. ولا تشير هذه الحوادث بالضرورة إلى وجود رابط مباشر بينها، لكنها تبرز التحديات المختلفة التي تواجهها حكومات المنطقة في فرض الأمن وحماية المدنيين.
كولومبيا.. سيارة مفخخة تصيب مدنيين وسط تصاعد المواجهات المسلحة
في كولومبيا، انفجرت سيارة مفخخة بالقرب من نقطة لتحصيل الرسوم في منطقة إل بوردو بإقليم كاوكا يوم 12 أكتوبر، ما أسفر عن إصابة ثلاثة مدنيين على الأقل، وفقًا لوكالة أسوشيتد برس. واتهمت القوات المسلحة الكولومبية جبهة كارلوس باتينيو، المنتمية إلى فصيل منشق عن القوات المسلحة الثورية الكولومبية «فارك»، بالوقوف وراء الهجوم.
وجاء التفجير في ظل تصاعد أعمال العنف في الإقليم، الذي يشهد تنافسًا بين جماعات مسلحة على مناطق النفوذ والطرق والموارد، بعد تعثر الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع المسلح بصورة نهائية. كما شهدت المنطقة خلال الأيام المحيطة بالهجوم حوادث أخرى، من بينها مقتل جندي في بلدة تيمبيو، ومقتل آخر في هجوم بطائرة مسيرة في لا فيجا، ونُسب الهجوم الأخير إلى جيش التحرير الوطني «إل إن».
وتواجه كولومبيا تحديًا أمنيًا مستمرًا منذ اتفاق السلام الموقع عام 2016 مع «فارك»، إذ لم تنضم جميع الفصائل المسلحة إلى مسار السلام، فيما واصلت مجموعات أخرى نشاطها في مناطق مختلفة. وتتنافس هذه الجماعات على السيطرة المحلية، وتستغل أنشطة غير مشروعة لتمويل عملياتها، ما يضع السكان المدنيين والبنية التحتية أمام مخاطر متجددة.
ويعيد التفجير تسليط الضوء على صعوبة استقرار المناطق التي تنشط فيها الجماعات المسلحة، خاصة عندما تمتد الهجمات إلى الطرق والمنشآت التي يستخدمها المدنيون في حياتهم اليومية.
جواتيمالا.. اغتيال محامٍ بارز في مكافحة الفساد
وفي جواتيمالا، أثار مقتل المحامي والمدعي العام السابق خوان فرانسيسكو سولورزانو فوبا، البالغ من العمر 43 عامًا، مخاوف بشأن أمن العاملين في مجال مكافحة الفساد. فقد تعرض لإطلاق نار على يد مسلحين اثنين أثناء وجوده في مجمع رياضي بالعاصمة جواتيمالا سيتي يوم 17 أكتوبر، بحسب وكالة رويترز.
وكان سولورزانو فوبا قد شغل مناصب عامة، من بينها رئاسة إدارة التحقيقات الجنائية بالنيابة العامة ورئاسة هيئة إدارة الضرائب، واشتهر بملفات تناولت اتهامات بالفساد تورطت فيها شخصيات سياسية ورجال أعمال وشركات. كما سبق له المشاركة لفترة قصيرة في فريق الدفاع عن الصحفي الاستقصائي خوسيه روبين زامورا.
وعقب الهجوم، أعلنت الشرطة توقيف مشتبه بهما وضبط سلاح ناري ودراجة نارية مرتبطة بالتحقيق. وأدان الرئيس برناردو أريفالو عملية القتل، مؤكدًا ضرورة محاسبة المنفذين وكل من يثبت أنه أمر بارتكاب الجريمة.
ولا تزال دوافع الاغتيال بحاجة إلى نتائج التحقيقات، لذلك لا يمكن الجزم بارتباط الجريمة بعمل المحامي في مكافحة الفساد قبل إعلان أدلة رسمية. لكن الحادثة أعادت الاهتمام بالمخاطر التي قد يتعرض لها المدافعون عن الشفافية والمساءلة في بلد عانى طويلًا من قضايا الفساد والصراعات حول استقلال المؤسسات القضائية.
المكسيك.. أزمة المياه تتحول إلى أعمال تخريب وإحراق
أما في المكسيك، فقد شهدت مدينة جوادالاخارا، عاصمة ولاية خاليسكو، اضطرابات خلال احتجاجات تطالب بتحسين جودة المياه ومحاسبة المسؤولين عن التعامل مع مظاهرة سابقة. وفي 18 أكتوبر، أقدم أشخاص ملثمون على تخريب مداخل مبانٍ عامة، بينها الكونجرس المحلي وقصر العدل، كما اندلعت حرائق وتعرضت أبواب ومرافق لأضرار.
ووفقًا لتغطية صحيفة «إل باييس» الإسبانية، قال حاكم الولاية بابلو ليموس إن المجموعة ألقت عبوات متفجرة وأشعلت حرائق، معلنًا توقيف خمسة أشخاص كانوا يستقلون سيارة مسروقة وبحوزتهم حاويات وقود، مع الاشتباه في صلتهم بأعمال العنف. وشدد الحاكم على أن التخريب لا يمثل المظاهرة السلمية التي كان من المقرر تنظيمها.
وكانت الاحتجاجات قد بدأت على خلفية شكاوى السكان من تدهور جودة المياه الواصلة إلى المنازل، بما في ذلك تغير لونها وظهور رواسب وانبعاث روائح غير معتادة. كما طالب المتظاهرون بمحاسبة المسؤولين عن التعامل مع احتجاج سابق شهد توقيف عشرات الأشخاص واشتباكات مع الشرطة.
وأفادت صحيفة الباييس الإسبانية بأن أزمة المياه في جوادالاخارا، ثاني أكبر مدن المكسيك، أثارت غضبًا شعبيًا واسعًا، في منطقة حضرية يتجاوز عدد سكانها خمسة ملايين نسمة. وأظهرت دراسة مجتمعية، بحسب الوكالة، أن أكثر من 93% من عينات مياه المنازل التي جرى فحصها لم تحتوِ على الكلور، مع رصد ملوثات في بعض العينات، بينها الرصاص والزئبق والنترات وبكتيريا الإشريكية القولونية.
وتعكس الأحداث تعقيد الأزمة؛ فمطالب السكان تتعلق بالحصول على مياه آمنة، بينما أثارت أعمال التخريب تساؤلات حول حماية المرافق العامة وضمان حق المواطنين في الاحتجاج السلمي. كما أن مسؤولية الأشخاص المتهمين بأعمال العنف تظل خاضعة للتحقيق، ولا ينبغي الخلط بينهم وبين المشاركين في الاحتجاجات السلمية.
ثلاثة مشاهد مختلفة وتحديات أمنية متشابكة
وتقدم حوادث الأسبوع صورة متعددة الأبعاد للعنف في أمريكا اللاتينية: هجمات جماعات مسلحة في كولومبيا، وجريمة قتل تستهدف شخصية معروفة بمكافحة الفساد في جواتيمالا، واضطرابات مرتبطة بأزمة خدمية واحتجاجات شعبية في المكسيك.
ورغم اختلاف السياقات والدوافع، فإن القاسم المشترك يتمثل في التحدي الذي تواجهه السلطات لحماية المدنيين وضمان المساءلة، مع تجنب اتساع دائرة العنف أو التعامل مع الاحتجاجات السلمية باعتبارها مرادفًا لأعمال التخريب. وستظل نتائج التحقيقات في هذه الوقائع عاملًا أساسيًا لتحديد المسؤوليات، بينما تتطلب معالجة أسباب التوتر خطوات تتجاوز الإجراءات الأمنية إلى تحسين الخدمات العامة وتعزيز سيادة القانون.