تواجه الصادرات المصرية إلى الاتحاد الأوروبي اختبارا جديدا مع بدء التطبيق المالي لآلية تعديل حدود الكربون الأوروبية سيبام (CBAM)، التي دخلت مرحلتها النهائية في يناير 2026، على أن يبدأ المستوردون الأوروبيون شراء الشهادات المرتبطة بانبعاثات السلع المستوردة اعتبارا من فبراير 2027، في خطوة قد ترفع تكلفة دخول المنتجات كثيفة الانبعاثات إلى السوق الأوروبية.
في البداية يجب التعرف اولا على
آلية سيبام وكيف تعمل وما هي تداعياتها على الصادرات المصرية؟، وال "سيبام" هي اختصار لآلية تعديل حدود الكربون الأوروبية، وهي نظام يستهدف تحميل بعض السلع المستوردة إلى الاتحاد الأوروبي تكلفة مرتبطة بالانبعاثات الكربونية الناتجة عن إنتاجها، بما يحد من الميزة السعرية التي قد تحصل عليها المنتجات القادمة من دول لا تتحمل تكاليف مماثلة للكربون.
هذه الآلية لا ترتبط فقط بالسلع المستوردة من مصر لكنها تطبق على جميع السلع التي تدخل إلي دول الاتحاد الأوروبي وهناك دول بدأت قبل أكثر من عام الاستعداد لهذه الآلية من أجل تجنب صادراتها أية أعباء
فكرة سيبام
وتقوم الفكرة على أن المصانع الأوروبية تخضع لنظام لتسعير الانبعاثات، وبالتالي تسعى الآلية إلى تطبيق تكلفة مقابلة على بعض المنتجات المستوردة، بدلا من أن تصبح الشركات الأوروبية في وضع تنافسي أقل بسبب التزاماتها البيئية.
ولا تفرض سيبام رسما موحدا على كل طن من الحديد أو الأسمنت أو الأسمدة، كما لا تعني أن جميع الصادرات المصرية إلى أوروبا ستخضع للتكلفة نفسها، إذ ترتبط الالتزامات بنوع السلعة، وكمية الانبعاثات المضمنة فيها، وسعر شهادة الكربون، والقواعد المنظمة لاحتساب التكلفة بحسب خالد أبو المكارم رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية.
وأضاف أن قائمة القطاعات الأساسية الخاضعة للآلية منها الحديد والصلب والألومنيوم والأسمدة والأسمنت والكهرباء، مشيرا إلي الملف بالنسبة لمصر مرتبط بالصناعات التي تصدر منتجاتها إلى السوق الأوروبية وتعتمد عمليات إنتاجها على كميات كبيرة من الطاقة أو ترتبط بانبعاثات مرتفعة.
من يدفع تكلفة الكربون؟
من الناحية القانونية، تقع مسؤولية الالتزام المالي أمام السلطات الأوروبية على المستورد المعتمد داخل الاتحاد الأوروبي، وليس على المصنع المصري مباشرة، لكن ذلك لا يعني أن المصدر المصري سيكون بعيدا عن التأثير؛ إذ قد يطالب المستورد بتعديل سعر الشراء أو يفضل التعامل مع موردين يقدمون منتجات أقل انبعاثا وأقل تكلفة إجمالي
وتابع ابو المكارم أن تأثير سيبام يظهر في صورة تراجع هوامش ربح المصدر المصري، أو انخفاض قدرته على المنافسة السعرية، أو انتقال جزء من الطلب إلى منتجين من دول أخرى يتمتعون ببصمة كربونية أقل.
كيف يتم احتساب التكاليف؟
ولفهم كيفية احتساب التكلفة، ينبغي توضيح مفهوم "الانبعاثات المضمنة" وهي كمية الغازات الدفيئة الناتجة عن تصنيع السلعة، والتي تدخل في حساب التزامات سيبام وفق المنهجية الأوروبية، فعلى سبيل المثال، لا يكفي معرفة عدد أطنان الحديد التي يصدرها المصنع، بل يجب أيضا معرفة مقدار الانبعاثات المرتبطة بإنتاج هذه الكمية.
وكلما ارتفعت الانبعاثات المحسوبة للمنتج، زادت كمية الشهادات المطلوبة لتغطيتها، مع مراعاة القواعد الأوروبية المنظمة للاحتساب وأي تعديلات أو خصومات مسموح بها قانونا.
فبراير 2027.. بداية شراء الشهادات
بدأ تطبيق النظام النهائي لسيبام في الأول من يناير 2026، لكن شراء الشهادات الخاصة بالانبعاثات المضمنة في السلع المستوردة خلال 2026 يبدأ في الأول من فبراير 2027.
وتعمل الشهادة هنا باعتبارها وحدة مالية مرتبطة بكمية الانبعاثات التي يتعين تغطيتها، ويحدد سعرها وفق منهجية مرتبطة بمتوسط أسعار مخصصات الانبعاثات في نظام تداول الانبعاثات الأوروبي، وليس وفق سعر ثابت طوال العام.
وبلغ سعر شهادة سيبام 75.36 يورو للطن في الربع الأول من 2026، و 75.28 يورو في الربع الثاني، وفق البيانات المنشورة للمفوضية الأوروبية، وخلال 2026، يجري تحديد الأسعار على أساس ربع سنوي، قبل الانتقال إلى نشر الأسعار أسبوعيا اعتبارا من 2027.
ويتعين على المستوردين المعتمدين تقديم أول إقرار سنوي عن واردات عام 2026 وتسليم الشهادات المقابلة للانبعاثات بحلول 30 سبتمبر 2027، كما تفرض القواعد، اعتبارا من 2027، الاحتفاظ في نهاية كل ربع سنة برصيد شهادات يعادل 50% على الأقل من الانبعاثات المضمنة في السلع المستوردة منذ بداية العام، وفق ضوابط الاحتساب المقررة.
وتتضمن القواعد أيضا حدا للإعفاء يبلغ 50 طنا من صافي وزن السلع المشمولة سنويا لكل مستورد، مع وجود استثناءات محددة، من بينها الكهرباء والهيدروجين، ويعني ذلك أن المستوردين الذين تتجاوز وارداتهم الحد المقرر يخضعون للالتزامات ذات الصلة، وليس أن كل شحنة تقل عن 50 طنا تحصل بالضرورة على إعفاء مستقل.
317 مليون دولار.. أين تتركز المخاطر؟
وفق تقرير لصندوق النقد الدولي عن مصر، قد تصل الأعباء الإضافية المقدرة على الصادرات المصرية المشمولة بسيبام إلى 317 مليون دولار، بما يعادل تعريفة تقديرية تقارب 10% من قيمة هذه الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي وفق افتراضات الدراسة.
ويشير الصندوق إلى أن الحديد والصلب يمثلان الجزء الأكبر من العبء المحتمل، بتكلفة مقدرة بنحو 236 مليون دولار، إلى جانب نحو 43 مليون دولار للألومنيوم و18 مليون دولار للأسمدة، بينما يقدر الأثر على الأسمنت بأنه محدود من حيث القيمة المالية.
وفي السياق نفسه، أشار موجز سياسات نشره معهد التخطيط القومي في أبريل 2025 إلى أن الصادرات المصرية المشمولة بالآلية تمثل نحو 10% من إجمالي الصادرات المصرية إلى الاتحاد الأوروبي. ويعكس ذلك أن تأثير سيبام يتركز في مجموعة من الصناعات، لكنه قد يمتد إلى قرارات الاستثمار والتوسع والإنتاج داخل هذه القطاعات.
كيف تستعد المصانع المصرية؟
يقول المهندس أحمد كمال هو المدير التنفيذي لمكتب الالتزام البيئي والتنمية المستدامة باتحاد الصناعات المصرية، "يبدأ الاستعداد لسيبام من معرفة الانبعاثات الفعلية لكل منتج، وليس من الاكتفاء بتقدير عام لاستهلاك الطاقة داخل المصنع. وتحتاج الشركات إلى بناء نظم لقياس الانبعاثات وجمع بيانات الإنتاج واستهلاك الكهرباء والوقود، ثم إعداد تقارير يمكن التحقق منها وفق المتطلبات الأوروبية.
واضاف أن القواعد تسمح بالاعتماد على قيم افتراضية للانبعاثات في الحالات التي تنطبق عليها هذه المنهجية، كما تتيح استخدام القيم الفعلية عند استيفاء متطلبات القياس والتحقق، وقد يؤدي الاعتماد على القيم الافتراضية إلى احتساب التزامات أعلى في بعض الحالات، لذلك يمثل توثيق الانبعاثات الفعلية خطوة مهمة لتحديد التكلفة على أساس بيانات موثوقة.
وأشار إلي أن المصانع تحتاج إلى مراجعة كفاءة استخدام الطاقة، وتحديث المعدات وخطوط الإنتاج، ودراسة التوسع في مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات، بما يقلل كمية الكربون الناتجة عن كل طن من المنتج. ولا يقتصر العائد من هذه الإجراءات على خفض الالتزامات المحتملة، بل قد يشمل تقليل استهلاك الطاقة وتكاليف التشغيل وتحسين فرص التصدير.
شهادات خفض الانبعاثات
أطلقت مصر في أغسطس 2024 سوقا منظمة طوعية لتداول شهادات خفض الانبعاثات الكربونية تحت الإشراف التنظيمي للهيئة العامة للرقابة المالية وبالتعاون مع الجهات المعنية، وتمثل هذه السوق إحدى الأدوات المتاحة لدعم مشروعات خفض الانبعاثات وتداول الأرصدة الناتجة عنها.
مع اقتراب بدء شراء شهادات سيبام، لن يكون التحدي أمام المصدرين المصريين مقتصرا على تحمل تكلفة مالية إضافية، بل سيمتد إلى إثبات أن منتجاتهم تستوفي متطلبات القياس والإفصاح الأوروبية، مع الحفاظ على أسعار تنافسية في سوق تتزايد فيها أهمية البصمة الكربونية.
ويعني ذلك أن الاستعداد يجب أن يبدأ داخل المصانع، من خلال حصر الانبعاثات وتطوير البيانات الفنية، وصولا إلى الاستثمار في الإنتاج الأقل انبعاثا. كما يتطلب تنسيقا بين الحكومة والقطاع الصناعي والجهات التمويلية لتوفير الدعم الفني والتمويل اللازم لتحديث خطوط الإنتاج.