بعد شائعات وفاة كيم جونج أون.. كيف أصبح خلود الزعيم عقيدة فى كوريا الشمالية؟

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026 02:48 م
بعد شائعات وفاة كيم جونج أون.. كيف أصبح خلود الزعيم عقيدة فى كوريا الشمالية؟ زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون

0:00 / 0:00
بيشوى رمزى

في الوقت الذي انشغل فيه العالم مجددًا بشائعات وفاة زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون، كانت بيونج يانج تقدم مشهدًا مختلفًا تمامًا؛ إذ نشرت وسائل إعلامها الرسمية صورًا له خلال زيارة معرض للملابس والأحذية، دون أن تكلف نفسها عناء الرد المباشر على الأنباء التي تحدثت عن وفاته في أحد مستشفيات الصين.

لكن المفارقة الأكثر غرابة لا تتعلق بعودة كيم إلى الظهور بعد شائعة جديدة، وإنما بحقيقة أن الدولة التي يحكمها لا تزال تحتفظ لرجل توفي قبل أكثر من ثلاثة عقود بلقب «الرئيس الأبدي»، بينما يتمتع ابنه الراحل هو الآخر بمكانة الزعيم الأبدي، في نظام سياسي جعل استمرار الزعيم بعد موته جزءًا من هويته الرسمية.

فكيف أصبح الخلود السياسي جزءًا من عقيدة الحكم في كوريا الشمالية؟ وما علاقة ذلك بالفلسفة التي أسسها الجد، وورثها الأب، ويحكم باسمها الحفيد؟

 

رئيس مات قبل 32 عامًا.. لكنه لا يزال أبديًا

في الثامن من يوليو عام 1994، توفي كيم إيل سونج، مؤسس كوريا الشمالية، بعد أن حكم البلاد منذ تأسيسها عام 1948، وكان من الطبيعي أن تنتقل السلطة إلى نجله كيم جونج إيل، لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن انتقالًا تقليديًا للسلطة.

ففي عام 1998، وبعد أربع سنوات من وفاة المؤسس، نص الدستور الكوري الشمالي على الاحتفاظ له بمكانة «الرئيس الأبدي للجمهورية»، ليصبح الرجل الذي غادر الحياة حاضرًا في الوثيقة التي تنظم شؤون الدولة.

ولم يكن الأمر مجرد تكريم لزعيم راحل؛ فقد ارتبط اللقب بفكرة استمرار أفكاره وقيادته بوصفهما أساسًا للدولة، بينما تولى الابن إدارة السلطة الفعلية دون أن يرث منصب الرئاسة بالصيغة نفسها.

وهكذا ظهرت مفارقة نادرة: رئيس أبدي لا يمارس الحكم، وزعيم حي يقود البلاد باسم الإرث الذي تركه والده.

 

الجوتشية.. من الاعتماد على الذات إلى خلود القيادة

تبدأ الحكاية قبل ذلك بعقود، عندما طرح كيم إيل سونج أفكار الجوتشية، التي ارتبطت باستقلال القرار السياسي والاقتصادي والعسكري، والاعتماد على القدرات الوطنية بدلًا من التبعية للقوى الخارجية.

لكن الجوتشية لم تبقَ مجرد دعوة إلى الاعتماد على الذات؛ إذ تطورت مع الوقت إلى منظومة فكرية تمنح الزعيم موقعًا مركزيًا في حياة الدولة، خصوصًا خلال عهد كيم جونج إيل، الذي لعب دورًا رئيسيًا في تطويرها وتفسيرها.

ومن بين الأفكار التي برزت في هذا التطور تصور «الكائن الاجتماعي والسياسي»، الذي يربط بين الزعيم والحزب والشعب في وحدة واحدة، ويجعل استمرار القضية السياسية والقيادة عبر الأجيال عنصرًا أساسيًا في بقاء الجماعة.

وبهذه الرؤية، لا ينتهي حضور الزعيم بالضرورة عند وفاته؛ فالأفكار التي يمثلها، والشرعية التي أسسها، يمكن أن تستمر من خلال من يتولى قيادة الدولة بعده.

وهنا ينبغي التمييز بين الخلود السياسي والخلود الجسدي؛ فالعقيدة لا تعني أن الحاكم لن يموت، وإنما أن مكانته ودوره الرمزي يمكن أن يتجاوزا حدود حياته.

 

قصر يحتفظ بالموتى.. ودستور يمنحهم الخلود

وتتحول هذه الأفكار إلى مشهد ملموس داخل قصر كومسوسان للشمس في بيونج يانج، حيث يُحتفظ بجثماني كيم إيل سونج وابنه كيم جونج إيل، الذي توفي عام 2011.

فالقصر الذي كان مقرًا لعمل مؤسس الدولة أصبح ضريحًا للزعيمين، ومكانًا يرتبط بالطقوس الرسمية لإحياء ذكراهما.

والأغرب أن الدستور الكوري الشمالي نفسه يصف القصر باعتباره نصبًا لخلودهما، بينما يمنحهما مكانة «القائدين الأبديين لكوريا الجوتشية».

ولم يتوقف الأمر عند الجد؛ فبعد وفاة كيم جونج إيل، حصل بدوره على ألقاب أبدية، من بينها الأمين العام الأبدي لحزب العمال، لتصبح الأبدية السياسية تقليدًا يمتد من جيل إلى آخر.

وبينما تتغير أسماء المسؤولين والمناصب والمؤسسات، يبقى الزعيمان الراحلان في قلب الرواية الرسمية للدولة، وكأن انتقال السلطة لا يستلزم مغادرة أصحابها السابقين للمشهد السياسي.

 

الحفيد وشائعات الموت.. مفارقة تتكرر

عاد اسم كيم جونج أون إلى صدارة الأخبار في أكتوبر 2026، بعدما انتشرت روايات غير موثقة تزعم إصابته بنزيف دماغي ووفاته خلال تلقي العلاج في الصين.

غير أن الإعلام الكوري الشمالي نشر في 20 أكتوبر صورًا قال إنها التُقطت خلال زيارة الزعيم معرضًا للملابس والأحذية في اليوم السابق، بينما أكدت جهات كورية جنوبية عدم امتلاكها معلومات تدعم روايات الوفاة.

ولم تكن تلك المرة الأولى التي يتصدر فيها كيم أخبار الموت؛ ففي عام 2020، أدى غيابه عن مناسبة مهمة مرتبطة بذكرى ميلاد جده إلى انتشار شائعات مماثلة، قبل أن يظهر مجددًا خلال افتتاح مصنع للأسمدة.

ومع ذلك، لا توجد أدلة على أن النظام الكوري الشمالي يتعمد توظيف هذه الشائعات لتعزيز مكانة زعيمه، أو أنه يقدم ظهوره بعدها باعتباره عودة خارقة من الموت.

لكن تكرارها يكشف مفارقة تستحق التأمل؛ فبينما يبحث العالم الخارجي عن إجابة لسؤال يتعلق بحياة الحاكم وصحته، تقوم شرعية النظام الذي يقوده على فكرة أوسع، تجعل بقاء الزعيم في ذاكرة الدولة ومؤسساتها ممكنًا حتى بعد وفاته.

وربما لهذا تبدو الحكاية الكورية الشمالية مختلفة عن مجرد شائعة جديدة: ففي بلد منح مؤسسه لقب الرئيس الأبدي، وأبقى والده قائدًا أبديًا بعد رحيله، لا ينتهي حضور الزعيم بالضرورة عندما تنتهي حياته.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة