تواجه الثروة الحيوانية في السودان واحدة من أشد الأزمات التي تعرضت لها خلال السنوات الأخيرة، بعدما تسببت الحرب المستمرة في خسائر واسعة طالت القطعان الحيوانية والمنشآت البيطرية ومرافق الإنتاج، لتضع قطاعا حيويا يرتبط بمعيشة آلاف المربين والأمن الغذائي أمام تحديات معقدة تتطلب تدخلا عاجلا لإعادة تأهيله، في وقت كشفت فيه السلطات السودانية عن فقدان ولاية الخرطوم ما يصل إلى 80% من ثروتها الحيوانية، وسط تحذيرات من التداعيات الاقتصادية والغذائية لهذه الخسائر.
ولم تقتصر آثار الحرب على نفوق الحيوانات أو فقدانها نتيجة أعمال النهب والتدمير، بل امتدت إلى تراجع الخدمات البيطرية وتعطل المزارع ومصانع الأعلاف، فضلا عن خسارة سلالات محسنة وراثيا استغرق تطويرها نحو نصف قرن، ما يضاعف صعوبة استعادة القدرات الإنتاجية للقطاع حتى مع بدء جهود إعادة الإعمار.
320 ألف رأس من الأبقار.. خسائر ضخمة في الخرطوم
كشفت السلطات السودانية عن فقدان ولاية الخرطوم ما بين 69% و80% من القطيع الحيواني خلال الفترة الماضية، نتيجة التداعيات المباشرة للحرب، في مؤشر على حجم الأضرار التي لحقت بقطاع الثروة الحيوانية في العاصمة.
وبحسب البيانات التي أوردتها صحيفة «سودان تربيون»، بلغت الخسائر الميدانية في الخرطوم نحو 320 ألف رأس من الأبقار، نتيجة عمليات النهب والتدمير التي طالت المزارع والبنية التحتية، إلى جانب انعدام الرعاية والخدمات البيطرية.
وامتدت الخسائر إلى ولاية الجزيرة، التي فقدت نحو 100 ألف رأس من الأبقار، في حين انعكست تداعيات الحرب على الصادرات القومية، بالتزامن مع ضغوط بيئية ناجمة عن الجفاف وظاهرة «النينيو»، الأمر الذي زاد الأعباء التي يواجهها مربو الماشية.
وتعكس هذه الأرقام حجم التحديات المرتبطة باستعادة الإنتاج الحيواني، خاصة أن تعويض القطعان المفقودة يتطلب توفير بيئة مناسبة للتربية، تشمل الأعلاف والخدمات البيطرية والبنية التحتية اللازمة لاستمرار النشاط الإنتاجي.
نصف قرن من التحسين الوراثي مهدد بالضياع
من أبرز الخسائر التي تعرض لها القطاع الحيواني في الخرطوم تدمير نحو 80% من قطعان الأبقار الهجين المحسنة وراثيا، والتي تمثل حصيلة برامج طويلة من التطوير والإنتاج.
واستغرق تطوير هذه السلالات قرابة 50 عاما من العمل عبر برامج التلقيح الاصطناعي، بهدف إنتاج أبقار تتلاءم مع الظروف البيئية المحلية وتدعم قدرات الإنتاج الحيواني.
ولا تقتصر أهمية هذه الخسائر على أعداد الحيوانات المفقودة، إذ إن تدمير السلالات المحسنة يمثل فقدانا لنتائج عقود من جهود التحسين الوراثي، ما يجعل إعادة بناء هذه المنظومة أكثر تعقيدا من مجرد تعويض أعداد القطعان.
انهيار الخدمات البيطرية يعرقل التعافي
في مواجهة هذه الأزمة، عقدت وزارة الثروة الحيوانية والسمكية السودانية اجتماعا مع وفد من ولاية الخرطوم، برئاسة سر الختم فضل المولى، المدير العام للزراعة والثروة الحيوانية بالولاية والوزير المكلف، وبمشاركة وكيل الوزارة عمار الشيخ إدريس، لبحث حجم الأضرار واحتياجات إعادة التأهيل.
وكشفت المناقشات عن تحديات واسعة تعترض استعادة الخدمات البيطرية، في مقدمتها فقدان المستشفيات والمعامل والعيادات البيطرية، ونقص اللقاحات، وتراجع أعداد الكوادر العاملة بالإدارة العامة لصحة الحيوان ومعمل الولاية.
كما تناول الاجتماع الحاجة إلى توفير الدعم اللوجستي وإعادة تشغيل مصانع الأعلاف وإنشاء مصنع متخصص لإنتاجها، إلى جانب تأهيل المسالخ وتحسين الخدمات الصحية ومكافحة الأوبئة الحيوانية.
وأشار الاجتماع إلى أن دمج ثلاث وزارات في وزارة واحدة أثر على التنسيق بين الجهات المعنية، ما يستدعي تعزيز التعاون بين الوزارة الاتحادية ونظيراتها في الولايات لتسريع جهود التعافي وإعادة الإعمار.
أزمة الأعلاف والطاقة تضرب قطاع الدواجن
لم تتوقف تداعيات الأزمة عند قطعان الأبقار والمنشآت البيطرية، بل امتدت إلى قطاع الدواجن الذي يواجه تحديات مرتبطة بتوفير مستلزمات الإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل.
وحذر الاجتماع من تدهور أوضاع القطاع نتيجة القيود التي تفرضها بعض الولايات على خروج الذرة، إلى جانب ارتفاع أسعار الجازولين والكهرباء والأعلاف.
وفي محاولة لتخفيف حدة الأزمة، بحثت غرفة الدواجن مع وزارة المالية السودانية إمكانية توفير الأعلاف، حيث سمحت الوزارة باستيراد أعلاف الدواجن باعتباره إجراء إسعافيا لمعالجة النقص.
وأكد المشاركون أهمية تدخل الحكومة الاتحادية لضبط الواردات، بالنظر إلى موقع الخرطوم باعتبارها بوابة رئيسية لها، بما يساعد على معالجة بعض العقبات التي تواجه استمرار الإنتاج.
خطط لتحسين سلالات الماعز وتنمية المراعي
ضمن التحركات الحكومية لمعالجة تداعيات الحرب، أعلن وكيل وزارة الثروة الحيوانية والسمكية وضع خطة استراتيجية للتعامل مع أزمة الأعلاف وتنمية المراعي، استنادا إلى طبيعة الخرطوم بوصفها مجتمعا رعويا.
وتتضمن الخطط تحسين نسل الماعز، خاصة سلالة «السعانين»، بهدف زيادة إنتاج الألبان ومعالجة النقص في الإمدادات، بما يسهم في تخفيف حدة الفقر ودعم المربين.
كما أكد عمار الشيخ إدريس ضرورة إدخال تقنيات بسيطة ومنخفضة التكلفة في مجال الاستزراع السمكي، وتعزيز خدمات الإرشاد السمكي، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها المجتمع السوداني.
وتشمل المقترحات دعم صغار المنتجين ومساعدتهم على زراعة البرسيم وتوفير احتياجات تأمين المزارع، إلى جانب العمل على تنفيذ مشروع مدينة الإنتاج الحيواني لتعزيز قدرات القطاع الإنتاجية.
لجنة اتحادية لإعادة الإعمار ومطالبات بالدعم الدولي
وفي إطار معالجة ضعف التنسيق المؤسسي، اقترح وكيل الوزارة تشكيل لجنة تنسيقية دائمة بين الحكومة الاتحادية وولاية الخرطوم، برئاسة نادية الدرديري، مدير عام الأوبئة وصحة الحيوان.
ومن المقرر أن تضم اللجنة المقترحة مديري الإدارات المختصة وممثلين عن المواصفات والجمارك والجهات ذات الصلة، بهدف تحسين التنسيق وضبط الواردات وتراخيص المراكب، والعمل على زيادة إنتاجية الأسماك.
وطالب وفد ولاية الخرطوم بتوفير مزيد من الدعم والإسناد، خاصة من المنظمات الدولية، للمساهمة في تنفيذ برامج الأمن الغذائي وإعادة تأهيل القطاع الحيواني.
وتبرز الحاجة إلى التمويل والدعم الفني باعتبارهما من المتطلبات الأساسية لاستعادة الإنتاج، خصوصا مع اتساع نطاق الأضرار التي لحقت بالمنشآت والمزارع والخدمات البيطرية.