ماكرون يرفض استقالة وزير الداخلية بعد اعترافه بفقدان السيطرة وسط نهب المتاجر وخسائر بمئات الملايين من اليورو.. ويتوجه إلى الخليج لتأمين إمدادات الطاقة.. واحتواء تداعيات الصراع بالشرق الأوسط على الاقتصاد الفرنسي

الإثنين، 19 أكتوبر 2026 02:00 م
ماكرون يرفض استقالة وزير الداخلية بعد اعترافه بفقدان السيطرة وسط نهب المتاجر وخسائر بمئات الملايين من اليورو.. ويتوجه إلى الخليج لتأمين إمدادات الطاقة.. واحتواء تداعيات الصراع بالشرق الأوسط على الاقتصاد الفرنسي فرنسا

كتبت: هناء أبو العز

تواجه فرنسا ضغوطا متزامنة على المستويين الداخلي والخارجي، في ظل أعمال العنف والنهب التي شهدتها عدة مدن خلال عطلة نهاية الأسبوع، وتداعيات الصراع في الشرق الأوسط على إمدادات الطاقة وأسعار الوقود،  وبينما رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استقالة وزير الداخلية لوران نونيز، بعد اعترافه بفقدان الشرطة السيطرة على الوضع في بعض المدن، بدأ الاثنين جولة خليجية تشمل الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر، لبحث استعادة الاستقرار الإقليمي وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز وتأمين إمدادات النفط والغاز.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية انتقادات بشأن استعداد الأجهزة الأمنية للتعامل مع الاضطرابات، بينما تتزايد المخاوف الاقتصادية من انعكاسات الصراع في الشرق الأوسط على أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة، بما يضع السلطات أمام تحديات متزامنة تتعلق بالأمن الداخلي والاستقرار الاقتصادي والمصالح الخارجية.

ماكرون يرفض استقالة وزير الداخلية الفرنسي

ورفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استقالة وزير الداخلية لوران نونيز، التي تقدم بها الأحد، على خلفية أعمال العنف التي شهدتها البلاد على هامش التعبئة الاحتجاجية في 17 أكتوبر، واختار الإبقاء عليه في منصبه لضمان استمرار قيادة أجهزة إنفاذ القانون في ظل الظروف الراهنة.

ووفقا لما أورده قصر الإليزيه، جاء القرار انطلاقا من الحاجة إلى استمرار القيادة المسؤولة عن قوات الشرطة، في وقت تواجه فيه السلطات انتقادات بشأن الإخفاقات في توقع حجم الاضطرابات والاستعداد لها.

وطالب ماكرون وزير الداخلية بتطبيق أساليب عمل جديدة لمواجهة مثيري الشغب، مشيرا إلى وجود قصور في التوقع وجمع المعلومات الاستخباراتية، ومجددا دعوته إلى الشفافية في التعامل مع الأحداث وتحديد المسؤوليات.

كما كلف الرئيس الفرنسي رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو بتنسيق الجهود بين الأحزاب السياسية والنقابات والسلطات المحلية والبرلمانيين، للعمل على احتواء الأزمة وتداعياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

نونيز يعترف بفقدان الشرطة السيطرة في بعض المدن

وفي اعتراف واضح بحجم التحديات الأمنية، أقر وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز بأن الشرطة فقدت السيطرة على الوضع في بعض المدن، مشيرا إلى وجود قصور في الاستعداد المسبق وحشد قوات إنفاذ القانون.

وقال نونيز إنه تقدم باستقالته لأنه يتحمل المسؤولية عما حدث، في وقت تواجه فيه الحكومة تساؤلات بشأن مدى استعداد الأجهزة الأمنية للتعامل مع أعمال النهب والتخريب التي امتدت إلى عدة مناطق فرنسية.

ولم تقتصر الانتقادات على وزير الداخلية، إذ أقر وزير العدل جيرالد دارمانين بأن السلطات «فشلت بلا شك» في مواجهة أعمال العنف التي شهدتها البلاد خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وأوضح دارمانين، في تصريحات لقناة «فرانس 2»، أن هناك قصورا في المعلومات الاستخباراتية، مشيرا إلى أن نجاح العمل الشرطي يتطلب توافر معلومات دقيقة تساعد الأجهزة الأمنية على توقع تحركات مثيري الشغب والتعامل معهم.

وأضاف أن الأجهزة الأمنية لم تكن تعرف كيفية مواجهة اليسار المتطرف بصورة صحيحة، وذلك في أعقاب مشاهد الفوضى والنهب التي شهدتها عدة مدن.

وتكشف هذه التصريحات عن تصاعد الانتقادات بشأن الاستعدادات الأمنية وطريقة التعامل مع الاحتجاجات، في وقت تسعى فيه السلطات إلى تحديد المسؤوليات وملاحقة المتورطين.

اعتقال 2331 شخصا خلال عطلة نهاية الأسبوع

وأعلن وزير العدل الفرنسي أن السلطات احتجزت 2331 شخصا خلال عطلة نهاية الأسبوع، موضحا أن 70% منهم بالغون، وأن كثيرا منهم معروفون لدى الشرطة.

وأضاف أن إجراءات المحاكمة بدأت بحق أكثر من 80% من المحتجزين، مشيرا إلى وجود عشرات الأشخاص رهن الحبس الاحتياطي، بينهم 13 شخصا في مرسيليا، التي كانت من بين المدن المتضررة من أعمال العنف.

وفي باريس، أعلنت مديرية الشرطة إلقاء القبض على 351 شخصا يوم الأحد وخلال الليل، وفقا للأرقام التي أعلنها وزير الداخلية لوران نونيز.

كما أعلن قائد شرطة باريس، باتريس فور، تشكيل فرقة عمل متخصصة لتحديد هوية المتورطين في أعمال الشغب بالاستعانة بالصور المتاحة، في إطار جهود السلطات لتعقب المشاركين في أعمال التخريب والنهب.

من جانبها، أكدت المدعية العامة في باريس، لور بيكو، أن السلطات لن تتوقف عن ملاحقة المتورطين في أعمال العنف، مشددة على استمرار التحقيقات طالما اقتضت الضرورة، مع التركيز على الوقائع الأكثر خطورة.

نهب 30 متجرا في باريس خلال ليلة واحدة

وفي العاصمة الفرنسية، أعلن عمدة باريس إيمانويل غريغوار أن ما لا يقل عن 30 متجرا تعرضت للنهب مجددا يوم الأحد وخلال الليل، واصفا المشاهد بأنها «لا تطاق».

وأوضح غريغوار، في تصريحات لإذاعة «فرانس إنتر»، أن أعمال النهب لم تصل إلى مستوى ما شهدته العاصمة يوم السبت، لكنها استمرت في عدة أحياء، حيث تحركت مجموعات من اللصوص لاستهداف المتاجر.

وأشار إلى أن بعض المتورطين نفذوا أعمالهم ووجوههم مكشوفة، بما قد يساعد الأجهزة الأمنية على تحديد هوياتهم من خلال الصور المتاحة.
وانتقد عمدة باريس مسار الحركة الاجتماعية التي شهدتها البلاد، معتبرا أن أعمال العنف تمثل انحرافا عن أهداف الاحتجاجات، وداعيا إلى تقديم إجابات بشأن المسؤولية السياسية عن تطورات الأزمة.

خسائر بمئات الملايين من اليورو و2000 شركة متضررة

وامتدت تداعيات الاضطرابات إلى الاقتصاد الفرنسي، مع تعرض أعداد كبيرة من الشركات والمتاجر لأضرار مباشرة جراء أعمال النهب والتخريب.
وقال آلان دي كريسينزو، رئيس شبكة غرف التجارة والصناعة الفرنسية، إن عدد الشركات المتضررة قد يتجاوز 2000 شركة، مع تقديرات أولية للخسائر تصل إلى مئات الملايين من اليورو.

وأوضح، في تصريحات لإذاعة «آر تي إل»، أن الإحصاء الأولي الذي أجري مساء الأحد، في الساعة الثامنة، رصد تضرر نحو 1500 شركة، لكنه أشار إلى أن بعض المدن لم تكن قد استكملت حصر الأضرار في ذلك الوقت.

وتوقع أن يرتفع العدد بنسبة تتراوح بين 10% و20% على الأقل، مع استمرار عمليات التقييم، مشيرا إلى أن أعمال العنف التي استمرت خلال الليل في أربع مدن فرنسية على الأقل، هي باريس ومرسيليا وليون ونانت، ستؤدي إلى زيادة حجم الخسائر.
وتواجه الشركات المتضررة تحديات تتعلق بإصلاح الأضرار واستعادة النشاط التجاري، بينما تعمل السلطات على حصر الخسائر وملاحقة المتورطين في أعمال التخريب والنهب.

ماكرون في الخليج لتأمين الطاقة واحتواء تداعيات أزمة مضيق هرمز

وبالتوازي مع الضغوط الداخلية، بدأ ماكرون الاثنين 19 أكتوبر جولة خليجية تشمل الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر، وتستمر حتى 21 أكتوبر، في تحرك يضع أمن الطاقة وحرية الملاحة في مضيق هرمز واستعادة الاستقرار الإقليمي على رأس أولوياته.

وتكتسب الجولة أهمية خاصة في ظل انعكاسات الصراع في الشرق الأوسط على حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة عالميا، وما يترتب على اضطراب حركة الشحن وإمدادات الطاقة من ضغوط على الأسواق وأسعار الوقود.

وفي كلمة متلفزة وجهها إلى الفرنسيين مساء الأحد، ربط ماكرون مخاوف المواطنين بشأن غلاء المعيشة وأسعار المحروقات بالتداعيات الاقتصادية للصراع، مؤكدا أن فرنسا لم تشارك في هذا الصراع، لكنها تتأثر بنتائجه.

وأشار الرئيس الفرنسي إلى اتخاذ مبادرات دولية لضمان إمدادات الوقود والغاز، مؤكدا مواصلة هذه الجهود بالتزامن مع جولته الخليجية، التي تستهدف تعزيز الحوار المباشر مع قادة المنطقة وتقييم التطورات، إلى جانب دعم الشراكات الاستراتيجية والاقتصادية بين فرنسا ودول الخليج.
وتضع باريس استقرار الأوضاع في الشرق الأوسط وضمان حرية الملاحة وتأمين تدفقات الطاقة ضمن أولويات تحركها، بالتوازي مع البحث عن إمدادات إضافية من النفط والغاز وتنويع مصادر التوريد ومسارات النقل.

وفي هذا السياق، تتمسك فرنسا بالمسار الدبلوماسي، وترى أن استمرار حالة التوتر بين الحرب والسلام لا يضمن أمن المنطقة أو استقرار الأسواق، كما تعتبر أن حرية الملاحة في مضيق هرمز مصلحة مشتركة للمجتمع الدولي وليست ورقة تفاوض بين أطراف الصراع.

وفي تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط، أكد مصدر مسؤول في قصر الإليزيه أن المنطقة تواجه مأزقا استراتيجيا حقيقيا مع استمرار الحرب، موضحا أن الجولة تستهدف مواصلة الحوار المباشر مع قادة المنطقة وتقييم التطورات، إلى جانب تعزيز الشراكات الاستراتيجية والاقتصادية التي تربط فرنسا بدول الخليج.

الكويت والإمارات والبحرين وقطر.. محطات الجولة الفرنسية

يبدأ ماكرون جولته من الكويت، حيث يلتقي أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، لبحث التعاون في مجالات الدفاع والبنية التحتية والصحة.
ومن الكويت، يتوجه الرئيس الفرنسي إلى الإمارات العربية المتحدة للقاء رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حيث تتركز المباحثات على الدفاع والأمن والتكنولوجيات الجديدة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي.

وتتواصل الجولة في البحرين يوم 20 أكتوبر، حيث يبحث ماكرون مع الملك حمد بن عيسى آل خليفة العلاقات الاقتصادية والدفاعية، مع اهتمام خاص بالاستثمارات البحرينية في فرنسا.

ويختتم ماكرون جولته في قطر، حيث يتوجه في زيارة دولة يومي 20 و21 أكتوبر بدعوة من أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بهدف تعزيز الشراكة الاستراتيجية والتبادل الاقتصادي والتعاون الدفاعي، ومواصلة التنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية.

وقبيل مغادرة المنطقة في 21 أكتوبر، يشارك الرئيس الفرنسي في الدوحة في الجلسة العامة لشبكة «صناديق الثروة السيادية لكوكب واحد»، وهي تحالف يضم صناديق سيادية ملتزمة بالعمل المناخي، أُطلق خلال قمة «كوكب واحد» في 12 ديسمبر 2017.

ولا تقتصر أهداف الجولة على احتواء تداعيات الأزمة وتأمين إمدادات الطاقة، بل تمتد إلى تعزيز المصالح الاقتصادية الفرنسية في الأسواق الخليجية، وتشجيع الاستثمارات الخليجية في فرنسا، وتعميق التعاون في مجالات الدفاع والأمن، فضلا عن متابعة أوضاع المواطنين الفرنسيين المتضررين من تداعيات الأزمة.

ويشارك في الجولة ممثلون رفيعو المستوى عن شركتي الطاقة الفرنسيتين «توتال إنرجيز» و«إنجي»، لإجراء مباحثات مباشرة مع الشركاء الخليجيين.

وتندرج الجولة ضمن تحرك فرنسي أوسع لدعم الشركاء الخليجيين وبحث سبل حماية البنية التحتية الحيوية، بما فيها منشآت الطاقة، بالتوازي مع اتصالات باريس بالأطراف الإقليمية المعنية باحتواء الأزمة، وفي مقدمتها مصر، في إطار الجهود الرامية إلى التهدئة وخفض التصعيد وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

أزمة الداخل والطاقة.. تحديات متزامنة أمام ماكرون

وتضع التطورات الداخلية والتحركات الخارجية الرئيس الفرنسي أمام ملفات متزامنة، إذ تسعى الحكومة إلى احتواء أعمال العنف واستعادة الأمن ومحاسبة المتورطين، في الوقت الذي تعمل فيه باريس على حماية مصالحها الاقتصادية وضمان استقرار إمدادات الطاقة في ظل اضطرابات الشرق الأوسط.

ومع اقتراب فصل الشتاء في أوروبا، تكتسب مسألة تأمين إمدادات النفط والغاز أهمية إضافية بالنسبة إلى فرنسا، التي تسعى إلى تنويع مصادر التوريد والبحث عن إمدادات إضافية والحد من تقلبات الأسواق.

وبينما يراهن ماكرون على استمرار قيادة الأجهزة الأمنية لاحتواء اضطرابات الشارع، يراهن خارجيا على الدبلوماسية وتعزيز التعاون مع الشركاء الخليجيين لتأمين احتياجات فرنسا من الطاقة وطمأنة المواطنين بشأن تداعيات الصراع على الأسعار وتكاليف المعيشة.

وتكشف هذه التطورات عن تعدد التحديات التي تواجه باريس، بين حماية الممتلكات والنشاط الاقتصادي في الداخل، والحفاظ على أمن الطاقة والمصالح الاستراتيجية في الخارج، في وقت تتطلب فيه الأزمة تحركات أمنية وسياسية ودبلوماسية متوازية.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة