تستعد أوروبا لمرحلة انتخابية وسياسية مهمة تمتد من نهاية عام 2026 إلى ربيع 2027، مع ترقب الانتخابات البرلمانية المبكرة في إسبانيا يوم 29 نوفمبر، ثم الانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل ومايو المقبلين، وسط تصاعد الجدل بشأن الأوضاع الاقتصادية والهجرة وأزمة السكن والإنفاق العام ومستقبل التعاون داخل الاتحاد الأوروبي.
وتأتي هذه الاستحقاقات في وقت تواجه فيه الحكومات الأوروبية ضغوطا متزايدة لتقديم حلول ملموسة للمشكلات المعيشية، بالتزامن مع تحديات أمنية واقتصادية دولية، تشمل الحرب الروسية الأوكرانية والعلاقات التجارية مع الولايات المتحدة والصين، إلى جانب الخلافات بشأن تمويل الدفاع والسياسات الاجتماعية.
ولا تشهد هذه الفترة انتخابات جديدة للبرلمان الأوروبي، إذ إن موعد الاستحقاق الأوروبي المقبل مقرر في عام 2029، لكن الانتخابات الوطنية تظل مؤثرة في توجهات الدول الأعضاء ومواقفها من الملفات المشتركة.
إسبانيا تبدأ المشهد الانتخابي في نوفمبر
تتصدر إسبانيا الأجندة الانتخابية الأوروبية، مع إجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة في 29 نوفمبر 2026، في استحقاق يضع الحكومة بقيادة بيدرو سانشيز والقوى السياسية المنافسة أمام اختبار يتعلق بالاقتصاد والخدمات العامة والإسكان والهجرة.
وتحظى الانتخابات بأهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجهها الأحزاب في تشكيل تحالفات قادرة على تأمين الأغلبية البرلمانية، فضلا عن الخلافات بشأن السياسات الاجتماعية وأولويات الإنفاق العام.
وتأتي أزمة السكن في مقدمة القضايا التي تشغل قطاعات من المجتمع الإسباني، مع ارتفاع تكاليف الإيجارات وصعوبة الحصول على مساكن بأسعار مناسبة في مدن رئيسية. كما يبرز ملف الهجرة ضمن النقاش السياسي، إلى جانب قضايا العمل والقدرة الشرائية وتطوير الخدمات العامة.
وستحدد نتائج التصويت شكل الحكومة المقبلة وقدرتها على تمرير برنامجها، كما ستؤثر في توجه مدريد داخل الاتحاد الأوروبي بشأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية والهجرة. وتُدرج منظمة الأمن والتعاون في أوروبا الانتخابات الإسبانية ضمن الاستحقاقات البرلمانية المبكرة المقررة في نوفمبر.
سلوفينيا على موعد مع الانتخابات المحلية
تشهد سلوفينيا بدورها انتخابات محلية في 15 نوفمبر 2026، وهي انتخابات تركز على إدارة البلديات والخدمات اليومية، بما في ذلك النقل والبنية التحتية والتخطيط العمراني والمرافق العامة.
ورغم اختلاف طبيعة هذه الانتخابات عن التصويت البرلماني في إسبانيا، فإنها تمثل محطة لمتابعة اتجاهات الرأي العام وأداء القوى السياسية على المستوى المحلي.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار نتائج الانتخابات البلدية مؤشرا حاسما على اتجاه التصويت في الانتخابات الوطنية، إذ تتأثر اختيارات الناخبين أيضا بأداء المرشحين والقضايا الخاصة بكل منطقة.
فرنسا تستعد لمعركة الرئاسة في 2027
بعد استحقاقات نوفمبر، تتجه الأنظار إلى فرنسا، حيث حددت السلطات موعد الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في 18 أبريل 2027، على أن تُجرى الجولة الثانية في 2 مايو إذا لم يحصل أي مرشح على الأغلبية المطلوبة في الجولة الأولى، وفقا للمواعيد الرسمية المنشورة على بوابة الحكومة الفرنسية.
وتكتسب الانتخابات أهمية أوروبية واسعة، بالنظر إلى دور فرنسا في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية والموازنة المشتركة والعلاقات مع الشركاء الدوليين.
ومن المتوقع أن تحتل قضايا القدرة الشرائية والهجرة والأمن والخدمات العامة والضرائب والإنفاق الحكومي مساحة مهمة في النقاش الانتخابي، إلى جانب مستقبل السياسة الفرنسية داخل الاتحاد الأوروبي.
كما سيكون موقف المرشحين من تمويل الموازنة الأوروبية ودعم أوكرانيا والتعاون الدفاعي موضع متابعة، في ظل اختلاف الرؤى بشأن حدود الالتزامات المالية والسياسية التي ينبغي أن تتحملها باريس على المستوى الأوروبي.
الموازنة الأوروبية تضيف بعدا جديدا للمنافسة
لا تقتصر أهمية الانتخابات المقبلة على السياسات الداخلية، بل تمتد إلى المفاوضات بشأن الموازنة الأوروبية للفترة من 2028 إلى 2034.
وفي 16 أكتوبر 2026، أفادت وكالة رويترز بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا قادة الاتحاد الأوروبي إلى التوصل إلى اتفاق بشأن الموازنة قبل نهاية العام، محذرا من أن الاستحقاقات السياسية المقبلة قد تزيد صعوبة التوصل إلى توافق بين الدول الأعضاء.
وتشمل الخلافات المرتبطة بالموازنة كيفية توزيع الموارد بين الزراعة والتنمية الإقليمية والدفاع والأولويات الاقتصادية الجديدة، فضلا عن حجم المساهمات المالية المطلوبة من الدول الأعضاء.
ومن ثم، فإن نتائج الانتخابات الوطنية ومواقف الحكومات المقبلة قد تؤثر في مسار المفاوضات، خصوصا إذا تغيرت أولويات الإنفاق أو ازدادت الخلافات بشأن تقاسم الأعباء المالية.
5 ملفات تختبر الحكومات الأوروبية
تواجه الحكومات الأوروبية مجموعة من القضايا التي ستؤثر في النقاش الانتخابي خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها:
الاقتصاد وتكاليف المعيشة: قدرة الحكومات على تحسين القدرة الشرائية والتعامل مع تكاليف السكن والطاقة والخدمات.
الهجرة: الخلافات بشأن إدارة الحدود وسياسات الاستقبال والاندماج وتقاسم المسؤوليات بين الدول الأوروبية.
أزمة السكن: توفير مساكن بأسعار مناسبة، خصوصا في المدن التي تشهد ارتفاعا في الإيجارات.
الأمن والدفاع: كيفية تمويل القدرات الدفاعية الأوروبية ومواصلة دعم أوكرانيا في ظل التطورات الدولية.
الموازنة الأوروبية: التوصل إلى اتفاق بشأن أولويات الإنفاق للفترة من 2028 إلى 2034 وتوزيع الأعباء بين الدول الأعضاء.
ديسمبر محطة لمتابعة النتائج قبل استحقاقات 2027
لا تتضمن الأجندة الانتخابية المتاحة حاليا انتخابات برلمانية وطنية كبرى مؤكدة داخل الاتحاد الأوروبي خلال ديسمبر 2026، ما يجعل الشهر مناسبة لمتابعة نتائج استحقاقات نوفمبر وتداعياتها السياسية، فضلا عن تطورات المفاوضات الأوروبية استعدادا للعام الجديد.
وتكتسب هذه الفترة أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي ستفتح نقاشا واسعا بشأن مستقبل السياسات الفرنسية ودورها في الاتحاد الأوروبي.
وبذلك، تمتد الأجندة الانتخابية من إسبانيا في نوفمبر 2026 إلى فرنسا في ربيع 2027، بينما تظل القضايا الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والموازنة المشتركة عوامل رئيسية في تحديد أولويات الناخبين ومواقف الحكومات. ولن يتوقف تأثير هذه الاستحقاقات عند حدود الدول المعنية، بل سيمتد إلى قدرة الاتحاد الأوروبي على الحفاظ على التوافق بين أعضائه بشأن الملفات المشتركة في مرحلة تتزايد فيها التحديات الداخلية والخارجية.