أزمة كارثية تزحف نحو أوروبا.. القارة العجوز تواجه شتاءً صعبًا مع تراجع مخزونات الغاز إلى 73%.. الدول تعانى من ارتفاع الأسعار إلى مستويات لم تُشهد منذ 2022.. وأزمة إمدادات عالمية تتصاعد وسط اختناق مضيق هرمز

الإثنين، 19 أكتوبر 2026 03:00 ص
أزمة كارثية تزحف نحو أوروبا.. القارة العجوز تواجه شتاءً صعبًا مع تراجع مخزونات الغاز إلى 73%.. الدول تعانى من ارتفاع الأسعار إلى مستويات لم تُشهد منذ 2022.. وأزمة إمدادات عالمية تتصاعد وسط اختناق مضيق هرمز الشتاء فى أوروبا

فاطمة شوقى

تواجه الدول الأوروبية شتاءً من أكثر ألفترات حرجًا منذ أزمة الطاقة العالمية عام 2022، بعد أن تراجعت مخزونات الغاز إلى نحو 73% من السعة التخزينية، أى أقل بنحو 15 نقطة مئوية من المتوسط المسجل خلال السنوات الخمس الماضية، فى وقت ارتفعت أسعار الغاز المرجعية فى القارة إلى أكثر من ضعف مستواها فى يونيو الماضي، وسط اضطرابات فى الإمدادات العالمية مرتبطة بالتوترات مع إيران وصعوبات مرور سفن الغاز الطبيعى المسال عبر مضيق هرمز.

وكانت المفوضية الأوروبية قد حددت هدفًا بوصول المخزونات إلى 90% قبل الأول من نوفمبر، لضمان تغطية احتياجات الدول الأعضاء خلال أشهر الاستهلاك المرتفع، لكن الصعوبات فى استقبال شحنات الغاز المسال أبعدت القارة عن هذا الهدف، ما دفع بروكسل إلى التحذير من أزمة إمدادات محتملة والدعوة إلى ترشيد استهلاك الغاز والكهرباء.

 

أسعار الغاز تتضاعف وتقترب من مستويات الأزمة

يرتفع سعر الغاز المرجعى فى أوروبا، والمتمثل فى عقد TTF المتدأول فى هولندا، إلى نحو 80.4 يورو لكل ميغأواط/ساعة، وهو ما يعادل ضعف السعر تقريبًا مقارنة بشهر يونيو، وأعلى مستوى منذ شتاء 2022. ومنذ مطلع العام الحالي، ارتفع السعر بأكثر من 150%، فى مؤشر واضح على تعاظم الضغوط على أسواق الطاقة الأوروبية.

ويرى محللون أن تجأوز السعر حاجز 100 يورو لكل ميجأواط/ساعة يظل واردًا إذا استمرت الاضطرابات فى سلاسل الإمداد، خاصة مع تنافس الدول الآسيوية والأوروبية على شحنات الغاز المسال. لكن الخبراء يستبعدون فى الوقت الحإلى أن تتكرر ذروة أزمة 2022، عندما تجأوز سعر الغاز الأوروبى 300 يورو لكل ميجأواط/ساعة بعد الحرب الروسية الأوكرانية وانخفاض حاد فى الإمدادات الروسية عبر خطوط الأنابيب.

وتعود أسباب الارتفاع الحإلى إلى حرب إيران وتعثر حركة النقل عبر مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات البحرية لشحن الغاز الطبيعى المسال عالميًا، إضافة إلى المنافسة الدولية المتزايدة على الكميات المتاحة من الغاز المسال، ما يرفع تكلفة الاستيراد الأوروبى ويضغط على الأسعار.

 

مخزونات أدنى من المعتاد وفجوة بين الدول

تُظهر بيانات معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المإلى (IEEFA) أن مخزونات الغاز فى أوروبا تبلغ نحو 73% من السعة التخزينية، وهو أحد أدنى المستويات المسجلة فى هذا الوقت من العام منذ أن شددت أوروبا أهدافها التخزينية بعد الغزو الروسى لأوكرانيا عام 2022. ويغطى الغاز المخزن عادة ما بين 25% و30% من استهلاك أوروبا خلال الشتاء، بينما يأتى الباقى أساسًا من الاستيراد عبر خطوط الأنابيب وشحنات الغاز المسال.

ولا تتوزع المخزونات بالتسأوى بين الدول الأعضاء، إذ تسجل بولندا وإيطاليا وفرنسا مستويات تخزين أعلى من ألمانيا وهولندا وعدد من دول أوروبا الشرقية. أما إسبانيا، فتحافظ على مخزوناتها الجوفية عند نحو 75.2% من سعتها، وهو مستوى أعلى من المتوسط الأوروبى لكنه أقل من 86.7% المسجلة فى العام الماضي.

وتشير التقديرات إلى أن المخزونات الأوروبية قد تصل إلى ما بين 75% و78% مع بداية نوفمبر، وهو ما يظل أقل من المعدلات المعتادة. وفى حال كان الشتاء معتدل الحرارة، قد تنخفض مخزونات شمال غرب أوروبا إلى نحو 20% بحلول مطلع أبريل، بينما تشير بعض التوقعات إلى أن الشتاء البارد جدًا قد يدفع المستويات إلى ما بين 10% و15%، وهو سيناريو من شأنه تعقيد جهود إعادة تعبئة المخزونات خلال عام 2027.

 

ضغوط إضافية من حظر الغاز الروسى المسال

تتفاقم التحديات الأوروبية مع قرار الاتحاد الأوروبى حظر استيراد الغاز الطبيعى المسال الروسى بالكامل اعتبارًا من يناير 2027، فى خطوة تهدف إلى إنهاء الاعتماد المتبقى على الطاقة الروسية. لكن هذا القرار يأتى فى وقت تحتاج فيه القارة إلى استيراد كميات كبيرة لتعويض النقص فى المخزونات، ما قد يرفع الضغوط على الأسعار ويطيل فترة ارتفاعها.

ويعتقد محللون أن أوروبا قد تحتاج إلى استيراد كميات ضخمة من الغاز خلال العام المقبل لإعادة بناء مخزوناتها استعدادًا لموسم البرد التالي، حتى لو انتهى الصراع مع إيران خلال الشتاء وحافظت درجات الحرارة على مستويات معتدلة. وهذا الطلب الإضافى قد يحافظ على أسعار مرتفعة طوال معظم عام 2027، بما ينعكس على فواتير الأسر وتكاليف الصناعة.

بروكسل تدعو إلى ترشيد الاستهلاك
 

فى مواجهة هذه الأزمة، دعت المفوضية الأوروبية الدول الأعضاء إلى خفض الطلب على الغاز والكهرباء والاستمرار فى إجراءات الترشيد طوال ألفترة اللازمة. وأعاد مفوض الطاقة الأوروبى دان يورغنسن، فى رسالة أرسلها أوآخر سبتمبر، بعض التوصيات التى استخدمتها أوروبا خلال أزمة الطاقة عام 2022.

وتشمل هذه التوصيات خفض استهلاك الكهرباء فى ساعات الذروة، وتشجيع نقل الاستهلاك إلى ساعات الطلب المنخفض عبر التعريفات المتغيرة، وتقليل التدفئة فى المبانى العامة، وإطفاء الإنارة الليلية غير الضرورية. لكن هذه الإجراءات تظل توصيات غير ملزمة، دون حصص إلزامية لكل دولة، ما يجعل فعالية التنفيذ مرهونة بإرادة الحكومات الوطنية.

ويقدر معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المإلى أن أوروبا تحتاج إلى خفض الطلب على الغاز بنحو 7% خلال الشتاء للحد من مخاطر نقص الإمدادات، خاصة فى حال تعرضت القارة لموجة برد قوية أو استمرت اضطرابات الإمداد العالمية.

 

تأثيرات متوقعة على الاقتصاد والأسعار

يهدد ارتفاع أسعار الغاز بزيادة تكاليف الإنتاج فى القطاعات الصناعية الأوروبية، خاصة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الكيمأويات والصلب والأسمدة والزجاج، ما قد ينعكس على أسعار السلع والخدمات ويضغط على معدلات التضخم. كما أن استمرار الأسعار المرتفعة خلال 2027 قد يضعف القدرة التنافسية للصناعات الأوروبية مقارنة بمنافسيها فى آسيا والولايات المتحدة.

وتبقى أوروبا أمام معادلة صعبة: إما قبول تكاليف استيراد مرتفعة لتأمين الإمدادات، أو التوجه إلى ترشيد أكثر صرامة للاستهلاك لحماية المخزونات. وبين الخيارين، يبدو أن شتاء 2026-2027 سيكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاتحاد الأوروبى على إدارة أزمته الطاقية، وتجنب تكرار سيناريو 2022 الذى هز أسواق الطاقة والاقتصادات الأوروبية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة