محيي الدين: ضرورة خفض تكلفة التمويل وإتاحة التكنولوجيا لتحويل الطموحات المناخية إلى مشروعات

الإثنين، 19 أكتوبر 2026 10:48 ص
محيي الدين: ضرورة خفض تكلفة التمويل وإتاحة التكنولوجيا لتحويل الطموحات المناخية إلى مشروعات محمود محى الدين

كتب عبد الحليم سالم

أكد الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة، أن العمل المناخي لا ينبغي النظر إليه باعتباره عبئًا إضافيًا على الاقتصادات أو مسارًا منفصلًا عن أولويات التنمية، بل باعتباره أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة، مشددًا على ضرورة تبني نهج متكامل يربط بين العمل المناخي والتنمية المستدامة، ويضع احتياجات المواطنين والمجتمعات المحلية في صميم السياسات والاستثمارات.

جاء ذلك خلال مشاركته في لقاء استضافه السفير البريطاني بالقاهرة، بمقر إقامته، لمناقشة الكتاب الصادر مؤخرا والذي قام الدكتور محيي الدين بتحريره المعنون «التمويل المناخي والتنموي القائم على السياسات» (Policy Driven Climate and Development Finance)، بحضور عدد من الخبراء والباحثين فى مجالات البيئة والتنمية المستدامة والتمويل.

واستهل محيي الدين حديثه بالإشارة إلى المقدمة التي كتبها الاقتصادي البريطاني اللورد نيكولاس ستيرن للكتاب، والتي تؤكد عدم وجود تعارض بين العمل المناخي والنمو والتنمية، بل إن الاستثمارات المناخية، بما في ذلك النقل العام والطاقة الشمسية واستصلاح الأراضي المتدهورة وحماية النظم البيئية، يمكن أن تحقق فوائد متزامنة في مجالات خفض الانبعاثات والتكيف مع تغير المناخ وتعزيز التنمية.

وأوضح أن الكتاب، الذي يضم 20 فصلًا بمساهمات من نحو 40 مؤلفًا، يتناول التحديات التي تواجه تمويل العمل المناخي والتنمية، ويطرح حلولًا عملية لتجاوز الفجوة بين التعهدات الدولية والتنفيذ الفعلي، مع التركيز على دور السياسات والمؤسسات والتكنولوجيا والشراكات الاستثمارية.

تمويل المناخ

وأوضح محيي الدين أن منظومة التمويل المناخي الدولية تواجه ثلاثة اختلالات رئيسية، تتمثل في عدم كفاية الموارد المتاحة، وضعف كفاءة إجراءات الحصول على التمويل، وعدم العدالة في توزيعه وشروطه.

وأشار إلى أن الاحتياجات التمويلية للعمل المناخي تتزايد بصورة تتجاوز التدفقات المتاحة، مستشهدًا بمسار التمويل الدولي الذي يستهدف تعبئة 1.3 تريليون دولار سنويًا بحلول عام 2035، منها 300 مليار دولار سنويًا تقود الدول المتقدمة جهود تعبئتها لصالح الدول النامية.

وانتقد طول الإجراءات اللازمة للحصول على التمويل من المؤسسات الدولية، موضحًا أن التأخير في إتاحة الموارد قد يؤدي إلى تعطيل مشروعات حيوية، لا سيما مشروعات التكيف مع تغير المناخ التي تتطلب تدخلات عاجلة لحماية المجتمعات والأنشطة الاقتصادية.

وفيما يتعلق بعدالة توزيع التمويل، أشار إلى استمرار اختلال التوازن لصالح مشروعات خفض الانبعاثات مقارنة بمشروعات التكيف، فضلًا عن تركز جانب كبير من التمويل في الاقتصادات الأكثر تقدمًا، في الوقت الذي تواجه فيه الدول النامية تكاليف اقتراض مرتفعة وقيودًا على الوصول إلى التمويل الميسر.

وأكد أن الاعتماد المفرط على القروض لتمويل التكيف مع تغير المناخ يزيد أعباء المديونية، حتى عندما تكون القروض منخفضة الفائدة، نظرًا لما تتحمله الدول من مخاطر أسعار الصرف والتزامات السداد المستقبلية.

وفي رده على سؤال بشأن فرص تحقيق التكامل بين العمل المناخي والتنمية في مصر، أكد محيي الدين أن التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة أصبح ضرورة اقتصادية في ضوء التحديات التي تواجه قطاع الطاقة، وليس مجرد استجابة للالتزامات المناخية الدولية.

وأوضح أن مصر تمتلك إمكانات كبيرة في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وأن الاستفادة من هذه الموارد تتطلب تعبئة الاستثمارات، وتوفير التمويل المناسب، وإتاحة التكنولوجيا، إلى جانب وضع حوافز تنظيمية واقتصادية مستقرة.

وأشار إلى أن تحقيق المستهدفات المعلنة لزيادة مساهمة الطاقة المتجددة يتطلب الانتقال من وضع الأهداف إلى التنفيذ الفعلي، من خلال شراكات أكثر فاعلية بين القطاعين العام والخاص.

وشدد على أن الاستثمارات في تحديث شبكات الكهرباء وتطوير قدرات تخزين الطاقة باستخدام البطاريات تمثل أحد أهم متطلبات التوسع في الطاقة المتجددة، وهي مجالات تستدعي دورًا أكبر للتمويل التنموي الميسر وبنوك التنمية متعددة الأطراف.

وأكد محيي الدين أن التحدي الرئيسي أمام التنمية لا يتمثل بالضرورة في غياب الاستراتيجيات أو المشروعات القابلة للاستثمار، وإنما في عدم اكتمال البيئة المؤسسية والتنظيمية اللازمة لتنفيذها.

وأشار إلى أن الاقتصادات تحتاج إلى سياسات واضحة وقابلة للتنبؤ، ومؤسسات مسؤولة عن التنفيذ، وأطر للمساءلة، وقواعد عادلة للمنافسة، بما يضمن استمرارية الإصلاحات ويعزز ثقة المستثمرين.

المشروعات الخضراء

واستشهد بالمبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية في مصر، مشيرًا إلى أنها نجحت في استقطاب نحو 22 ألف مشاركة ومشروع، بما يعكس وجود طاقات ابتكارية وفرص استثمارية على المستويات المحلية، إلا أن تحويل هذه الفرص إلى مشروعات ناجحة ومستدامة يتطلب بيئة أعمال داعمة وآليات فعالة للتمويل والتنفيذ.

وحذر من اختزال النجاح الاقتصادي في إتمام الصفقات الاستثمارية الكبرى، رغم أهميتها، مؤكدًا أن استدامة تدفقات الاستثمار ترتبط بوجود سياسات ومؤسسات تضمن تكرار هذه النجاحات، بدلًا من الاعتماد على معاملات استثنائية منفردة.


وتناول محيي الدين ارتفاع تكلفة التمويل في الدول النامية، وخاصة الاقتصادات الأفريقية، موضحًا أن تقييم المخاطر يجب أن يستند إلى البيانات الفعلية والظروف الخاصة بكل دولة، بدلًا من التعميمات والانطباعات المسبقة.

وأكد أن المخاطر المرتبطة بالحوكمة والبيئة التنظيمية وإنفاذ العقود والاستقرار السياسي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تسعير التمويل، لكنه حذر من إضافة علاوات مخاطر غير مبررة تستند إلى تصورات عامة عن القارة الأفريقية.

وشدد على أهمية التعامل مع الدول الأفريقية باعتبارها اقتصادات متنوعة تختلف في فرصها وتحدياتها ومستويات المخاطر المرتبطة بها، بما يسمح بتوجيه التمويل والاستثمار وفق تقييمات أكثر دقة وعدالة.

حدود الكربون

وتطرق محيي الدين إلى تداعيات آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM)، معتبرًا أنها تمثل تداخلًا معقدًا بين السياسات المناخية والتجارية والصناعية، وتفرض أعباء إضافية على صادرات الدول النامية، لا سيما في القطاعات كثيفة الانبعاثات مثل الحديد والألومنيوم والأسمدة.

وأكد ضرورة مراعاة قواعد التجارة الدولية والاتفاقيات التجارية القائمة عند تطبيق هذه الآليات، إلى جانب توفير الدعم الفني والتكنولوجي والتمويلي اللازم لمساعدة الصناعات المتأثرة على خفض انبعاثاتها بصورة تدريجية وعادلة.

وأشار إلى أهمية تطوير أسواق الكربون المحلية وتعزيز الاعتراف الدولي بشهاداتها، بما يتيح للدول النامية الاستفادة من أدوات تسعير الكربون بدلًا من تحمل تكاليف إضافية دون الحصول على عوائد تدعم تحولها الصناعي.

كما حذر من أن التعجيل بالتحول الصناعي دون توفير التكنولوجيا والتمويل اللازمين قد يؤدي إلى زيادة الاعتماد على واردات المعدات والتكنولوجيات من الدول الأكثر قدرة على توفيرها، بدلًا من تعزيز القدرات الإنتاجية المحلية.

ودعا إلى تفعيل آليات تمويل الخسائر والأضرار وتوفير الموارد اللازمة لها، بما يضمن قدرتها على مساندة الدول والمجتمعات المتضررة بصورة عملية.

وفي معرض رده على سؤال بشأن إمكانية مبادلة الديون المستحقة للمؤسسات المالية الدولية باستثمارات مناخية، أوضح محيي الدين أن مبادلات الديون يمكن أن تمثل إحدى أدوات دعم التنمية والعمل المناخي، شريطة مراعاة آثارها الاقتصادية الكلية وعدم التعامل معها باعتبارها حلولًا جزئية منفصلة عن استراتيجيات إدارة الدين.

ملف الديون

وأشار إلى أن وضع الدائن المفضل الذي تتمتع به مؤسسات مالية دولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، يفرض قيودًا على مشاركتها المباشرة في عمليات تخفيض الديون أو مبادلتها، موضحًا أن بعض آليات تخفيف الأعباء تعتمد على مساهمات أطراف ثالثة.

وأكد أهمية معالجة العلاقة بين أعباء خدمة الدين والحيز المالي المتاح للإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار في التنمية، بما يسمح للدول النامية بتحقيق معدلات نمو أعلى وزيادة الإنتاجية وتعبئة الموارد المحلية.

واختتم محيي الدين بالتأكيد على أن نجاح التحول المناخي والتنموي يرتبط بمدى انعكاسه على حياة المواطنين، سواء من خلال توفير طاقة أقل تكلفة، أو تعزيز الإنتاجية الزراعية، أو حماية المجتمعات من الظواهر المناخية المتطرفة، أو خلق فرص اقتصادية جديدة.

التمويل والتكنولوجيا

وأوضح أن التمويل والتكنولوجيا والحوافز تمثل الركائز الثلاث الرئيسية لتحقيق هذا التحول، مشددًا على ضرورة تبني التكنولوجيا وتكييفها مع الاحتياجات المحلية ثم تطويرها من خلال البحث والابتكار.

كما أكد أهمية الانتقال من علاقات الدعم المالي قصير الأجل إلى شراكات استثمارية وتنموية طويلة الأجل، تقوم على تعبئة الموارد المحلية وتعزيز دور القطاع الخاص وتحسين كفاءة المؤسسات.

وشدد على أن دمج العمل المناخي في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بدلًا من التعامل معه باعتباره ملفًا مستقلًا، يمثل الطريق الأكثر فاعلية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وعادل، وبناء قاعدة أوسع من الشركاء الداعمين للتنمية


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة