من ألبرتا إلى اسكتلندا.. كيف تعيد استفتاءات الانفصال رسم خريطة العالم؟

الأحد، 18 أكتوبر 2026 01:00 م
من ألبرتا إلى اسكتلندا.. كيف تعيد استفتاءات الانفصال رسم خريطة العالم؟ استفتاء - أرشيفية

بيشوى رمزى

ليس كل استفتاء على الانفصال ينتهي بميلاد دولة جديدة، ولا تعني الأغلبية الساحقة بالضرورة تغيير الحدود، ففي بعض الحالات كان فارق ضئيل كافيًا لإنشاء دولة مستقلة، بينما صوتت شعوب أخرى بأغلبية كبيرة للانفصال دون أن يتحقق حلمها، في حين رفضت مناطق الاستقلال لتجد نفسها لاحقًا خارج اتحادات كانت ترغب في البقاء داخلها.

وتعيد مطالب الانفصال في مقاطعة ألبرتا الكندية، بالتزامن مع عودة القضية إلى المشهد السياسي في كيبك، طرح سؤال يتجاوز حدود كندا: من يملك حق تغيير خريطة العالم، الناخبون أم الحكومات والدساتير؟

ألبرتا.. استفتاء على الطريق إلى الاستقلال
 

تتجه الأنظار إلى مقاطعة ألبرتا، غربي كندا، حيث يُنتظر أن يصوت الناخبون غدًا الاثنين 19 أكتوبر على مقترح لبدء المسار القانوني نحو استفتاء ملزم بشأن استقلال المقاطعة، في خطوة تعيد إلى الواجهة حركة انفصالية ارتبطت تاريخيًا بالخلافات مع الحكومة الفيدرالية حول الثروات النفطية والسياسات الاقتصادية والبيئية.

وتعد ألبرتا من أهم مناطق إنتاج النفط والغاز في كندا، وهو ما جعل علاقتها بالحكومة المركزية محورًا لخلافات متكررة، إذ يرى مؤيدو الانفصال أن القرارات الصادرة من أوتاوا تحد من قدرة المقاطعة على استغلال مواردها، بينما يحذر معارضو الاستقلال من تداعيات اقتصادية وقانونية معقدة قد تترتب على الانفصال.

ورغم أن رئيسة حكومة المقاطعة دانييل سميث لا تؤيد الاستقلال، فإنها سمحت بالمضي في مسار التصويت، وسط تنامي نشاط الحركات الانفصالية، فيما تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية سكان ألبرتا لا يزالون يفضلون البقاء ضمن كندا.

ولا يعني التصويت المرتقب إعلان استقلال ألبرتا، حتى في حال الموافقة على المقترح، وإنما قد يفتح الباب أمام إجراءات سياسية وقانونية إضافية، وهو ما يجعل المقاطعة أحدث حلقة في تاريخ طويل من محاولات إعادة رسم الحدود عبر صناديق الاقتراع.

كيبك.. الانفصاليون يعودون إلى الحكم
 

وتزداد حساسية المشهد الكندي مع عودة حزب كيبك، الداعي إلى استقلال المقاطعة الناطقة بالفرنسية، إلى صدارة الحياة السياسية بعد انتخابات الخامس من أكتوبر الجاري، التي حصل خلالها على 59 مقعدًا من أصل 127، بنسبة 28.02% من الأصوات، دون تحقيق أغلبية برلمانية مطلقة.

ولا يمثل هذا الفوز موافقة شعبية على الانفصال، لكنه يعيد إلى الذاكرة استفتاء عام 1995، عندما اقتربت كيبك من مغادرة الاتحاد الكندي، إذ صوت 49.4% لصالح الاستقلال، مقابل 50.6% للبقاء، في نتيجة جعلت مصير المقاطعة يتحدد بفارق ضئيل للغاية.

وسبق أن رفض سكان كيبك الاستقلال في استفتاء آخر عام 1980، لكن استمرار الحركة الانفصالية طوال العقود التالية أظهر أن خسارة التصويت لا تعني بالضرورة انتهاء المطالب بتغيير الحدود.

اسكتلندا.. رفضت الانفصال فخرجت من أوروبا
 

وفي اسكتلندا، تكشف تجربة الاستفتاءات عن مفارقة مختلفة، بعدما صوت السكان في سبتمبر 2014 ضد الاستقلال عن المملكة المتحدة، بنسبة 55.3% مقابل 44.7% أيدوا الانفصال، لتبقى اسكتلندا جزءًا من الدولة البريطانية.

لكن بعد أقل من عامين، وجد الاسكتلنديون أنفسهم أمام استفتاء آخر، هذه المرة بشأن عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، حيث صوت نحو 62% منهم لصالح البقاء داخل الاتحاد، بينما اختارت الأغلبية على مستوى المملكة المتحدة الخروج منه.

وهكذا، بقيت اسكتلندا داخل المملكة المتحدة تنفيذًا لرغبة أغلبية ناخبيها عام 2014، لكنها غادرت الاتحاد الأوروبي ضمن بريكست، رغم تصويت أغلبية ناخبيها ضد الخروج عام 2016.

وأعادت هذه المفارقة مطالب الاستقلال إلى النقاش السياسي، بعدما أصبح الانفصال عن بريطانيا بالنسبة إلى مؤيديه وسيلة محتملة للسعي نحو العودة إلى الاتحاد الأوروبي، وإن كان تحقيق ذلك يتطلب إجراءات سياسية وقانونية مستقلة، ولا يضمن العضوية الأوروبية بصورة تلقائية.

الجبل الأسود.. نصف نقطة مئوية تصنع دولة
 

وعلى النقيض من التجربة الاسكتلندية، نجح سكان الجبل الأسود في إنهاء اتحاد دولتهم مع صربيا عبر استفتاء أجري في مايو 2006، بعد منافسة شديدة بين مؤيدي الاستقلال ومعارضيه.

وكانت قواعد الاستفتاء، التي جرى التوافق عليها بوساطة أوروبية، تشترط حصول الاستقلال على تأييد 55% على الأقل من الأصوات الصحيحة، بدلًا من الاكتفاء بالأغلبية البسيطة المعتادة.

وجاءت النتيجة بتأييد نحو 55.5% من الناخبين للاستقلال، أي بفارق نصف نقطة مئوية فقط فوق الحد المطلوب، لتعلن جمهورية الجبل الأسود استقلالها في يونيو من العام نفسه، وتنتهي بذلك آخر صيغة اتحادية جمعت صربيا والجبل الأسود.

وتبرز أهمية هذه التجربة في أن نسبة الأصوات وحدها لم تكن كافية لتحديد النتيجة، بل كان للاتفاق المسبق على قواعد الاستفتاء دور حاسم في تحويل التصويت إلى قرار سياسي قابل للتنفيذ.

بوجانفيل.. 97.7% صوتوا للاستقلال دون قيام الدولة

أما في جزيرة بوجانفيل، التابعة لبابوا غينيا الجديدة، فقد جاءت النتيجة أكثر حسمًا من جميع التجارب السابقة، بعدما صوت نحو 97.7% من المشاركين في استفتاء عام 2019 لصالح الاستقلال.

ورغم هذه الأغلبية الساحقة، لم تتحول بوجانفيل فورًا إلى دولة مستقلة، لأن الاستفتاء كان غير ملزم قانونيًا، بموجب الترتيبات السياسية التي أنهت الصراع المسلح في الجزيرة ومهدت لإجراء التصويت.

وبدلًا من إعلان الاستقلال مباشرة، دخلت حكومة بوجانفيل في مفاوضات مع الحكومة المركزية بشأن مستقبل الإقليم والإجراءات اللازمة لتنفيذ النتيجة، بما في ذلك دور البرلمان الوطني في اعتماد التسوية النهائية.

وتقدم بوجانفيل مفارقة لافتة، إذ استطاع أكثر من 97% من الناخبين الاتفاق على الاستقلال، لكن هذه النسبة لم تكن كافية وحدها لتغيير الحدود، بينما نجح الجبل الأسود في تحقيق النتيجة ذاتها بأغلبية أقل بكثير، بفضل اختلاف القواعد القانونية والسياسية التي حكمت التجربتين.

تشيكوسلوفاكيا.. دولة اختفت دون استفتاء
 

وفي تجربة مغايرة تمامًا، اختفت تشيكوسلوفاكيا من خريطة العالم مع بداية عام 1993، بعدما اتفقت القيادات السياسية التشيكية والسلوفاكية على إنهاء الاتحاد بينهما، في عملية عُرفت باسم «الطلاق المخملي».

ولم يجرِ استفتاء شعبي عام لحسم مصير الدولة، بل تم الانفصال عبر ترتيبات سياسية وتشريعية أفضت إلى ظهور دولتين مستقلتين، هما جمهورية التشيك وسلوفاكيا، اعتبارًا من الأول من يناير 1993.

واكتسبت التجربة شهرتها بسبب الطابع السلمي للانفصال، خصوصًا أنها جاءت في مرحلة شهدت تفكك دول واتحادات أخرى في أوروبا الشرقية، بعضها عبر صراعات دامية، كما حدث في يوغوسلافيا.

وتكشف هذه الحالة أن صناديق الاقتراع ليست الطريق الوحيد لتغيير الحدود، وأن التوافق بين النخب السياسية والمؤسسات الدستورية قد يؤدي أيضًا إلى تفكيك دولة قائمة، حتى دون إجراء استفتاء مباشر على استقلال أجزائها.

هل تكفي الأغلبية لتغيير خريطة العالم؟
 

توضح هذه التجارب أن نتائج الاستفتاءات لا تتوقف على نسبة المؤيدين والمعارضين وحدها، وإنما ترتبط كذلك بطبيعة الدولة القائمة، والقواعد الدستورية، وموقف الحكومة المركزية، ومدى استعداد الأطراف للتفاوض على ترتيبات الانفصال.

ففي اسكتلندا حسمت الأغلبية بقاء الإقليم داخل المملكة المتحدة، وفي الجبل الأسود سمحت قواعد متفق عليها بقيام دولة مستقلة، بينما ظلت بوغانفيل تنتظر استكمال المسار السياسي رغم تصويت أغلبية ساحقة لصالح الاستقلال، في حين انتهت تشيكوسلوفاكيا دون استفتاء شعبي.

أما في كندا، فقد أرست المحكمة العليا عام 1998 مبدأً مفاده أن أي مقاطعة لا تستطيع الانفصال من جانب واحد، حتى إذا صوت سكانها لصالح الاستقلال، وإنما يتعين الدخول في مفاوضات دستورية عند توافر أغلبية واضحة استنادًا إلى سؤال واضح.

وبينما تستعد ألبرتا للتصويت، ويعود الانفصاليون إلى الواجهة في كيبك، يبدو أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بما إذا كانت الشعوب ترغب في البقاء أو الانفصال، وإنما بما يحدث بعد إعلان نتائج التصويت.

فصندوق الاقتراع قد يمنح الانفصال شرعية شعبية، لكنه لا يمتلك وحده القدرة على رسم الحدود الجديدة، إذ تبقى ولادة الدول مرهونة بما يجري خارج لجان التصويت، من تفاوض واتفاقات وقرارات دستورية واعتراف دولي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة