مسيّرات البحر الأسود تهدد أوروبا.. سفن تجارية تغرق وطاقم مفقود وتوغلات جوية قرب حدود الناتو.. رومانيا وبلغاريا تطلبان تعزيز الحماية.. ومخاوف من تهديد طرق الحبوب والتجارة واتساع تداعيات حرب أوكرانيا

الأحد، 18 أكتوبر 2026 01:00 ص
مسيّرات البحر الأسود تهدد أوروبا.. سفن تجارية تغرق وطاقم مفقود وتوغلات جوية قرب حدود الناتو.. رومانيا وبلغاريا تطلبان تعزيز الحماية.. ومخاوف من تهديد طرق الحبوب والتجارة واتساع تداعيات حرب أوكرانيا الناتو والاتحاد الأوروبى

فاطمة شوقى

تتصاعد المخاوف الأمنية فى أوروبا مع توالى الحوادث التي تستهدف سفنا تجارية فى البحر الأسود، بعدما تخولت المنطقة خلال الأيام الأخيرة إلى مسرح لهجمات بمسيرات وحرائق غامضة وعمليات إنقاذ معقدة ، بالتزامن مع رصد  اختراقات جوية قرب السواحل الرومانية والبلغارية. وتثير هذه التطورات قلقًا متزايدًا بشأن سلامة الملاحة البحرية، وقدرة الدول الأوروبية وحلف شمال الأطلسي «الناتو» على حماية الممرات التجارية القريبة من حدود أوكرانيا.

وتأتى هذه الحوادث فى ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية ، التي امتدت تداعياتها إلى الموانئ وخطوط الشحن وممرات تصدير الحبوب ، ما يضع أمن البحر الأسود أمام اختبار جديد خصوصا أن بعض الوقائع حدثت قرب المياه الإقليمية لدول أعضاء فى الاتحاد الأوروبى و الناتو.

 

سفن تحترق ومفقودون في البحر الأسود

شهد الخميس 15 أكتوبر تصاعدًا في المخاوف بعد اندلاع حريق على متن الناقلة الكيميائية «واين تريدر»، التي ترفع علم سان مارينو وكانت في طريقها من تونس إلى رومانيا،  وكانت السفينة تقل 12 فردًا، وأطلقت نداء استغاثة قرب مدينة سولينا الرومانية، لتبدأ عمليات البحث والإنقاذ وسط ظروف بحرية صعبة. وأفادت تقارير بأن أربعة أو خمسة من أفراد الطاقم نجوا، بينما ظل آخرون في عداد المفقودين، مع اختلاف التقارير الأولية بشأن العدد النهائي. ولم تُحسم أسباب الحريق حتى الآن

وفي حادث منفصل، اندلع حريق على متن الناقلة «يارا ج»، التي ترفع علم جزر القمر، أثناء وجودها قرب سولينا داخل المياه الرومانية. وتمكن الطاقم من إخماد النيران، وأكدت السلطات سلامة جميع الموجودين على متنها، فيما فتحت تحقيقًا لتحديد ما إذا كانت السفينة قد تعرضت بالفعل لهجوم بمسيّرة. كما أعلنت وزارة الدفاع الرومانية رصد أهداف جوية في المنطقة، واستنفرت مقاتلتين من طراز «إف-18».

وتكمن خطورة هذه الوقائع في أنها جاءت بعد حوادث أخرى أكثر دموية قرب الساحل البلغاري، ما عزز المخاوف من أن السفن التجارية باتت تواجه مخاطر متزايدة في أحد أهم الممرات البحرية المرتبطة بتجارة أوكرانيا.

 

هجوم قرب بلغاريا وغرق سفينة تجارية

في 13 أكتوبر، تعرضت سفينتان تجاريتان لهجمات بمسيّرات قبالة الساحل البلغاري، خارج المياه الإقليمية للبلاد. وغرقت السفينة «إتش إس ديغنيتي»، التي ترفع علم غينيا بيساو، فيما فُقد 11 من أفراد طاقمها وفق التقارير الأولية، بينما جرى إنقاذ عدد من الناجين.

أما السفينة الثانية، «تشيلسي 3»، التي ترفع علم مالطا وتُشغّلها جهة أوكرانية، فقد تعرضت لضربات بمسيّرات جوية، وتم إجلاء أفراد طاقمها الخمسة عشر. وأثارت الواقعة تحركًا من السلطات البلغارية، التي طالبت بتنسيق أكبر مع الاتحاد الأوروبي والناتو لحماية حركة الملاحةوتأتي هذه الحوادث بعد واقعة أخرى في 5 أكتوبر، عندما غرقت سفينة شحن مملوكة لجهة تركية قبالة رومانيا إثر هجوم بمسيّرة، بحسب التقارير المنشورة آنذاك، ما أسفر عن مقتل شخصين. وتُظهر سلسلة الوقائع أن المخاطر لا تقتصر على تعطيل حركة السفن، بل قد تمتد إلى خسائر بشرية مباشرة.

 

هل تقف روسيا وراء الهجمات؟

توجهت الشكوك إلى روسيا في عدد من الحوادث، وسط اتهامات أوكرانية وتقديرات لمسؤولين في المنطقة بأن الهجمات قد تكون مرتبطة بالحرب الدائرة. لكن المسؤولين الرومانيين لم يؤكدوا حتى الآن أن الحرائق الأخيرة على الناقلتين نتجت عن ضربات بمسيّرات، كما لم تُعلن أدلة حاسمة تثبت المسؤولية عن جميع الحوادث.

وتؤكد هذه النقطة أهمية الفصل بين الهجمات التي جرى الإبلاغ عنها وتوثيقها، والحوادث التي لا تزال أسبابها قيد التحقيق. فوجود نشاط للمسيّرات في المنطقة أو اختراق طائرة مسيّرة المجال الجوي الروماني لا يثبت وحده أن كل حريق بحري نجم عن هجوم متعمد.

ومع ذلك، فإن تكرار الحوادث بالقرب من رومانيا وبلغاريا، وهما عضوان في الناتو والاتحاد الأوروبي، يزيد الضغط على الحكومات لاتخاذ إجراءات عملية لحماية السفن والبحارة والبنية التحتية البحرية.

 

لماذا يقلق البحر الأسود أوروبا؟

تتجاوز أهمية البحر الأسود حدود الدول المطلة عليه، إذ يمثل ممرًا رئيسيًا لتجارة الحبوب والسلع، ولا سيما الصادرات الأوكرانية التي تعتمد على الموانئ والممرات البحرية للوصول إلى الأسواق الدولية. ويمكن لأي اضطراب طويل الأمد أن يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويؤخر وصول البضائع، ويزيد الضغوط على الأسواق التي تعتمد على الحبوب القادمة من المنطقة.

كما أن المخاطر لا تقتصر على السفن نفسها؛ فالموانئ وممرات نهر الدانوب والمنشآت البحرية وأنظمة الملاحة قد تتأثر أيضًا بالهجمات والتشويش الإلكتروني. وفي تقرير رسمي صدر في يوليو 2026، حذرت المفوضية الأوروبية والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي من أن الهجمات على الموانئ الأوكرانية وممرات الدانوب عطلت صادرات الحبوب ورفعت المخاطر التي تواجه الملاحة التجارية، مع تسجيل انتهاكات للمجال الجوي الروماني وسقوط حطام على أراضيها.

 

تحرك أوروبي واختبار لقدرات الناتو

تسعى أوروبا إلى تعزيز أمن البحر الأسود عبر استراتيجية أطلقها الاتحاد الأوروبي في مايو 2025، تشمل دعم التعاون البحري، وحماية البنية التحتية الحيوية، ومواجهة التهديدات الهجينة، بما في ذلك الهجمات الإلكترونية والتضليل والتشويش على أنظمة الملاحة. ويطرح التصعيد الحالي تساؤلات حول مدى سرعة تنفيذ هذه الإجراءات وقدرتها على مواكبة التهديدات المتغيرة.

وفي الوقت نفسه، يضع تكرار الحوادث الدول الأعضاء في الناتو أمام تحدي تعزيز المراقبة والاستجابة للطائرات المسيّرة، مع تجنب توسيع المواجهة العسكرية. فحماية السفن التجارية تتطلب تنسيقًا استخباراتيًا وبحريًا، وقدرات أفضل على رصد الأهداف الجوية، وآليات واضحة للتحقيق وتبادل المعلومات.

وفي المحصلة، يكشف تصاعد حوادث البحر الأسود عن اتساع الأثر الأمني والاقتصادي لحرب أوكرانيا، من جبهات القتال إلى طرق التجارة الدولية. وبين السفن الغارقة والبحارة المفقودين والحرائق التي لا تزال أسباب بعضها مجهولة، تواجه أوروبا اختبارًا مزدوجًا: حماية الملاحة والتجارة، ومنع تحول الحوادث المتكررة إلى مواجهة أوسع قرب حدود الناتو.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة