لا تقتصر تنمية سيناء على إقامة المشروعات العمرانية وتطوير البنية التحتية، بل تمتد لتشمل الحفاظ على التراث الثقافي والشعبي الذي يمثل أحد أهم مقومات الهوية السيناوية، ويفتح آفاقًا واسعة لدعم السياحة الثقافية والتراثية، وتوفير فرص عمل لأبناء المنطقة، خاصة المرأة السيناوية التي لعبت دورًا بارزًا في الحفاظ على الحرف التقليدية وفنون الزينة والتطريز عبر الأجيال.
وتزخر أرض الفيروز بكنوز طبيعية وتاريخية وثقافية تجعلها وجهة متميزة، فإلى جانب ما تتمتع به من مقومات دينية وأثرية وطبيعية، تحتفظ سيناء بموروث بدوي ثري يشمل الأزياء المطرزة، والحرف اليدوية، والشعر والغناء، والعادات والتقاليد التي تعكس طبيعة المجتمع السيناوي وقيمه الأصيلة. وهو ما يجعل صون هذا التراث وتوظيفه في مشروعات التنمية المستدامة فرصة لتعزيز الاقتصاد المحلي، وربط الأجيال الجديدة بهويتهم، وتقديم صورة متكاملة عن سيناء باعتبارها أرضًا للتاريخ والثقافة والإبداع.

التراث السيناوى
فنون الزينة السيناوية.. تراث قابل للتحول إلى مشروعات إنتاجية
تمثل فنون الزينة والأزياء السيناوية أحد أبرز مظاهر التراث الشعبي الذي يمكن البناء عليه لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في شبه الجزيرة، إذ تعكس الملابس التقليدية جانبًا من هوية المرأة السيناوية، وتحمل زخارفها وألوانها دلالات اجتماعية وثقافية توارثتها الأجيال.
وتتنوع الأزياء التقليدية بين أثواب الفتيات والنساء المتزوجات، وتتميز بالتطريز اليدوي الذي يستلهم أشكاله من الطبيعة المحيطة، مثل النباتات والزهور والأغصان، إلى جانب المربعات والمثلثات والرموز الشعبية. كما تتميز أزياء المرأة السيناوية بتفاصيل خاصة في الأكمام والصدر وأسفل الثوب، فضلًا عن غطاء الرأس والبرقع المزخرف، الذي ارتبطت بعض أشكاله قديمًا باستخدام العملات الذهبية والفضية.
وتقول الدكتورة سهام جبريل، ابنة سيناء وعضو المجلس القومي للمرأة، في حديثها لـ"اليوم السابع"، إن هذه الفنون تمثل جزءً أصيلًا من الهوية الثقافية للمرأة السيناوية، بما تحمله من تفاصيل جمالية واجتماعية تعبر عن تاريخ المجتمع وخصوصيته. ومن هنا، يمكن أن يتحول التطريز السيناوي من مجرد حرفة تراثية إلى نشاط اقتصادي يوفر فرص عمل للنساء، من خلال دعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وتطوير المنتجات اليدوية، وفتح قنوات لتسويقها في الأسواق المحلية والسياحية والإلكترونية، مع الحفاظ على أصالتها وخصوصيتها الثقافية. كما يمكن توظيف هذه المنتجات في المعارض التراثية والمهرجانات السياحية، بما يتيح للزائر التعرف على الثقافة السيناوية من خلال منتجات تحمل قصص المكان وذاكرته، ويمنح المرأة دورًا أكبر في النشاط الاقتصادي ومصادر الدخل المستدامة.
العادات والتقاليد.. رصيد اجتماعي يدعم التنمية
وأضافت: لا تنفصل التنمية عن طبيعة المجتمع الذي تستهدفه، وهو ما يجعل العادات والتقاليد البدوية عنصرًا مهمًا في فهم الخصوصية الثقافية لسيناء، والاستفادة من قيمها في دعم التماسك الاجتماعي وتعزيز مشاركة الأهالي في جهود التطوير. ويعكس المثل الشعبي السيناوي "قطع الورايد ولا قطع العوايد" مكانة العادات والتقاليد في الوجدان الشعبي، باعتبارها جزءً من منظومة القيم التي تنظم العلاقات الاجتماعية، وتؤكد أهمية الروابط الأسرية والتضامن بين أبناء المجتمع. ويمثل توثيق هذه الممارسات ونقلها إلى الأجيال الجديدة إحدى وسائل حماية التراث غير المادي من الاندثار، كما يتيح إدماجه في البرامج الثقافية والسياحية التي تعرف الزوار بتاريخ سيناء وتقاليد أهلها.
الكرم والقضاء العرفي ملامح من هوية المجتمع السيناوي
وتابعت عضو القومى للمرأة: يأتي إكرام الضيف في مقدمة العادات التي يشتهر بها أهل البادية، حيث تحظى الضيافة بمكانة اجتماعية بارزة في الأفراح والأعياد والاحتفالات، وتمثل أحد المظاهر التي تعكس قيم الكرم والتكافل والتواصل بين أبناء المجتمع. كما يحتفظ المجتمع السيناوي بموروث من الأعراف المنظمة للعلاقات بين القبائل، من بينها القضاء العرفي الذي يلجأ إليه بعض أبناء المجتمع للفصل في النزاعات، وفق تقاليد وأدوار عرفية متوارثة. وتتنوع هذه الأعراف بين آليات للتعامل مع النزاعات، وطلب الهدنة المعروفة باسم "العطوة"، و"رمي الوجه" الذي يرتبط بالاستجارة وطلب الحماية. وتعكس هذه الممارسات جانبًا من التاريخ الاجتماعي للقبائل السيناوية، وتستحق التوثيق والدراسة باعتبارها جزءً من الذاكرة الثقافية للمنطقة، مع مراعاة أن تطبيق الأعراف لا يحل محل القانون أو ضمانات العدالة الرسمية.
ويمكن أن يسهم توثيق هذا التراث الشفهي والاجتماعي في إنشاء محتوى ثقافي وسياحي يقدم صورة أعمق عن المجتمع السيناوي، بعيدًا عن الاقتصار على المناظر الطبيعية والمواقع الأثرية، ويتيح للزوار التعرف على تاريخ المكان وتقاليده وأنماط الحياة التي تشكلت فيه عبر الزمن.
الشعر والغناء.. نافذة على الثقافة السيناوية
وقالت "جبريل" الشعر والغناء الشعبيان يمثلا أحد أبرز مكونات التراث السيناوي، حيث ارتبطا بالمناسبات الاجتماعية والتجمعات البدوية، واعتمدا على الكلمات الشعرية والجمل القصيرة والألحان التي تستخدم آلات موسيقية تقليدية، من بينها الربابة والناي والأرغول. فهذا الموروث فرصة لدعم السياحة الثقافية من خلال الفعاليات والمهرجانات التي تعرض الفنون الشعبية، وتتيح للأجيال الجديدة التعرف على أشكال التعبير الفني المتوارثة، فضلًا عن توفير مساحات للفنانين والحرفيين المحليين للمشاركة في الأنشطة الثقافية والاقتصادية.
كما يمكن أن تسهم برامج التوثيق والتدريب في الحفاظ على هذه الفنون، ونقل مهاراتها إلى الأجيال الجديدة، بما يعزز استمراريتها ويحولها إلى أحد عناصر الجذب السياحي والثقافي.
تنمية سيناء تبدأ من الإنسان والهوية
وأكدت "سهام جبريل" أن الحفاظ على التراث السيناوي لا يمثل مجرد استعادة للماضي، بل يمكن أن يشكل أحد مسارات التنمية المستدامة، إذا ارتبط بدعم الحرفيين، وتمكين المرأة اقتصاديًا، وتوفير فرص للشباب، وتطوير المنتجات الثقافية، وتعزيز حضور التراث في البرامج السياحية والتعليمية؛ وتتطلب الاستفادة من هذه المقومات إشراك أبناء سيناء أنفسهم في تحديد أولويات التطوير، وتوفير التدريب والتمويل والتسويق للحرف والمشروعات التراثية، إلى جانب إنشاء قواعد توثيق تحفظ تفاصيل الأزياء والفنون والعادات الشعبية، وتضمن نقلها إلى الأجيال المقبلة.
وبذلك تصبح الثقافة السيناوية جزءً من منظومة التنمية، لا مجرد موروث يُحتفى به في المناسبات، وتتحول فنون الزينة والتطريز والشعر والغناء والعادات البدوية إلى أدوات لدعم الاقتصاد المحلي، وتعزيز الانتماء، وإبراز ثراء الهوية المصرية، بما يرسخ مكانة سيناء باعتبارها أرضًا تجمع بين القيمة التاريخية والثقافية والإمكانات التنموية.