قمة بروكسل تحت الضغط.. 5 أزمات تهدد استقلال أوروبا الاقتصادي والعسكري.. الطاقة والتضخم وحرب أوكرانيا والخلاف على ميزانية 2028 ومستقبل الشراكة مع ترامب.. فهل تنجح القارة في حماية مصالحها بعيدًا عن واشنطن؟

السبت، 17 أكتوبر 2026 03:00 ص
قمة بروكسل تحت الضغط.. 5 أزمات تهدد استقلال أوروبا الاقتصادي والعسكري.. الطاقة والتضخم وحرب أوكرانيا والخلاف على ميزانية 2028 ومستقبل الشراكة مع ترامب.. فهل تنجح القارة في حماية مصالحها بعيدًا عن واشنطن؟ اوروبا

فاطمة شوقي

تواجه أوروبا اختبارًا استراتيجيًا معقدًا خلال قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل يومي 15 و16 أكتوبر، وسط تداخل أزمات الطاقة والحرب في أوكرانيا والتوترات التجارية مع الصين والخلافات بشأن الميزانية الأوروبية المقبلة، إلى جانب تراجع اليقين بشأن طبيعة الشراكة مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب. وتبحث الدول الأوروبية عن حلول تحمي اقتصاداتها من صدمات الأسواق، وتعزز قدراتها الدفاعية، وتمنحها مساحة أكبر للتحرك المستقل في عالم تتصاعد فيه المنافسة بين القوى الكبرى.

وتأتي القمة في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومات الأوروبية لتقديم استجابات ملموسة لارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة، دون الإضرار بالاستثمارات الصناعية أو تعميق الخلافات بين الدول الأعضاء حول كيفية توزيع الأعباء المالية. ولا تقتصر أهمية الاجتماع على معالجة الأزمات الآنية، بل تمتد إلى تحديد قدرة الاتحاد على تمويل أولوياته الاقتصادية والعسكرية خلال السنوات المقبلة.

 

1- أزمة الطاقة تعيد شبح التضخم إلى أوروبا

تتصدر أسعار الطاقة جدول أعمال القمة، بعدما أدت التطورات العسكرية في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما يزيد الضغوط على الأسر والشركات الأوروبية مع اقتراب موسم الشتاء.

ووفقًا لتقارير سبقت الاجتماع، تجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل، فيما ارتفعت أسعار الغاز إلى مستويات لم تُسجل منذ شتاء 2022، بالتزامن مع انخفاض مخزونات الغاز الأوروبية عن متوسطاتها المعتادة.
وتطالب إيطاليا واليونان بمنح الحكومات مرونة مالية أكبر تسمح بتمويل إجراءات مؤقتة وموجهة لتخفيف فواتير الطاقة. كما اقترحت ست دول، هي النمسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا والبرتغال وإسبانيا، فرض ضريبة أوروبية على الأرباح الاستثنائية لشركات الطاقة.

لكن هذه المقترحات تواجه تحفظات من دول تخشى أن يؤدي التوسع في الدعم إلى زيادة العجز المالي وتشجيع استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري، على حساب الاستثمارات في التحول الأخضر.

وتكشف هذه الخلافات عن معضلة أوروبية أساسية: كيف يمكن حماية القدرة الشرائية والتنافسية الصناعية في الوقت نفسه، دون تحميل الميزانيات العامة أعباء إضافية يصعب تحملها؟

 

2- أوكرانيا تختبر استقلال القرار الأوروبي عن واشنطن

تحتل الحرب الروسية الأوكرانية موقعًا محوريًا في القمة، خصوصًا مع تصاعد الخلافات بشأن التحركات الأمريكية تجاه موسكو، واستمرار الحاجة إلى تمويل الدفاع الأوكراني.

وأثار اتفاق أمريكي روسي يتعلق بالسماح بوصول شحنات من الديزل الروسي إلى السوق الأمريكية، بموجب إعفاء مؤقت من العقوبات يمتد حتى أبريل 2027، قلقًا أوروبيًا بشأن تداعيات تخفيف القيود الاقتصادية على روسيا. وانتقدت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس الخطوة، معتبرة أنها تمنح موسكو مكاسب في وقت تستمر فيه الحرب.

وتزداد حساسية الملف مع استمرار اعتماد أوكرانيا على الدعم العسكري والمالي الغربي، في وقت تسعى فيه الدول الأوروبية إلى ضمان استمرارية المساعدات وتعزيز قدراتها الدفاعية.

ومن المنتظر أن يشارك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مناقشات القمة، بينما تواجه العواصم الأوروبية سؤالًا صعبًا بشأن كيفية الحفاظ على دعم كييف إذا أصبحت المواقف الأمريكية أقل قابلية للتنبؤ.وتتجاوز القضية حدود الحرب نفسها، إذ تتعلق بقدرة أوروبا على حماية أمنها ومصالحها الاستراتيجية دون أن تكون قراراتها مرهونة بالكامل بتوجهات الإدارة الأمريكية.

 

3-  الصين تضغط على الصناعة الأوروبية

تواجه أوروبا تحديًا اقتصاديًا آخر يتمثل في اتساع العجز التجاري مع الصين، وسط مخاوف من أن تؤدي زيادة الواردات الصينية إلى إضعاف قطاعات صناعية أوروبية، خصوصًا السيارات والتكنولوجيا.

وبلغ العجز التجاري الأوروبي في السلع مع الصين نحو 360 مليار يورو خلال عام 2025، ، فيما تسعى بروكسل إلى تقليص الاختلالات التجارية وتعزيز قدرة الشركات الأوروبية على المنافسة.

وجاءت المحادثات الأخيرة بين الجانبين لتفتح الباب أمام تفاهمات أولية بشأن واردات السيارات الهجينة الصينية، إلى جانب قضايا المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات الدائمة ووصول الشركات الأوروبية إلى السوق الصينية.

لكن الاتفاقات الأولية لا تعني انتهاء الخلاف، إذ تسعى دول أوروبية إلى امتلاك أدوات تجارية إضافية لمواجهة ما تعتبره منافسة غير متكافئة، مع تجنب الانزلاق إلى حرب تجارية واسعة قد تضر بالمستهلكين والشركات.

وتواجه أوروبا هنا معادلة دقيقة: حماية الصناعة المحلية والوظائف، مع الحفاظ على علاقاتها التجارية مع الصين، التي تمثل سوقًا ومصدرًا مهمًا للسلع والمواد الخام.

 

4-  ميزانية 2028-2034 تكشف الانقسام داخل الاتحاد

تعد الميزانية الأوروبية طويلة الأجل من أكثر ملفات القمة تعقيدًا، إذ يتعين على القادة التوفيق بين مطالب تمويل الدفاع والأمن والابتكار والتنافسية، وبين الضغوط المالية التي تواجهها الدول الأعضاء.

وتتضمن المفاوضات إطارًا ماليًا للفترة من 2028 إلى 2034، وسط خلافات حول حجم الإنفاق وتوزيع الأموال بين الزراعة والتنمية الإقليمية والبحث العلمي والأمن والسياسة الخارجية.

وطرحت الرئاسة الأيرلندية للاتحاد مقترحًا يخفض بنحو 141 مليار يورو من المسودة الأصلية، وهو ما أثار اعتراضات من مجموعات مختلفة: دول تطالب بخفض الإنفاق بدرجة أكبر، وأخرى تخشى أن يؤدي تقليص المخصصات إلى إضعاف برامج التنمية والتماسك الاقتصادي.

وتزداد صعوبة المفاوضات مع استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض في بعض الاقتصادات الكبرى، والحاجة إلى تمويل دعم أوكرانيا وتعزيز الدفاع الأوروبي.

وبالتالي، لن يكون الخلاف مجرد نقاش محاسبي، بل معركة بشأن أولويات الاتحاد ومستقبله: هل تتقدم النفقات التقليدية، أم تُمنح الأولوية للاستثمارات الاستراتيجية والتكنولوجية والعسكرية؟

 

5- العلاقة مع الولايات المتحدة ومستقبل الاستقلال الأوروبي

تضع التطورات الأخيرة العلاقة عبر الأطلسي أمام اختبار جديد، بعدما أثارت التحركات الأمريكية بشأن روسيا تساؤلات داخل أوروبا حول مدى توافق المصالح الاستراتيجية للطرفين.

كما تبرز قضية الأصول الروسية المجمدة بوصفها نقطة خلاف إضافية، بعد تقارير عن مقترح أمريكي لنقل بعض هذه الأصول إلى آلية مالية خاضعة لسيطرة واشنطن بهدف تسهيل مفاوضات السلام. ورفض مسؤولون أوروبيون الفكرة، في ظل تمسكهم بالسيطرة الأوروبية على هذه الأصول واستخدامها كورقة ضغط في التعامل مع موسكو.

ولا يعني ذلك أن أوروبا تتجه إلى قطع علاقاتها مع الولايات المتحدة، لكنها تواجه حاجة متزايدة إلى تعزيز قدرتها على اتخاذ القرارات الأمنية والاقتصادية بصورة مستقلة، وتطوير صناعاتها الدفاعية، وتنويع مصادر الطاقة والتكنولوجيا.

وفي المحصلة، تكشف قمة بروكسل عن تحدٍ يتجاوز إدارة الأزمات اليومية إلى إعادة تحديد موقع أوروبا في النظام الدولي. فبين ارتفاع أسعار الطاقة، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وضغوط المنافسة الصينية، والخلاف على الميزانية، تحتاج القارة إلى توافق بين دولها قبل أن تتمكن من بناء استراتيجية مشتركة أكثر استقلالًا.

ويبقى نجاح القمة مرتبطًا بقدرة القادة على تحويل الخلافات إلى قرارات قابلة للتنفيذ، توازن بين حماية المواطنين ودعم الصناعة والأمن، وتمنح أوروبا قدرة أكبر على مواجهة الصدمات الخارجية دون التضحية بوحدة الاتحاد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة