في تطور جديد يعكس تصاعد أزمة المناخ العالمية، سجلت المحيطات درجات حرارة قياسية خلال سبتمبر الماضي، مع اشتداد ظاهرة «النينيو» في المحيط الهادئ الاستوائي، في وقت يحذر فيه العلماء من استمرار موجة الاحترار خلال الأشهر المقبلة، واحتمال امتداد الظروف الحرارية الاستثنائية حتى عام 2027. وتأتي هذه المؤشرات لتسلط الضوء على التفاعل المتزايد بين التقلبات المناخية الطبيعية والاحترار الناتج عن الأنشطة البشرية، بما يرفع المخاطر المرتبطة بموجات الحر والجفاف والأمطار الغزيرة واضطراب النظم البيئية.
وأظهرت بيانات مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي أن متوسط درجة حرارة سطح البحار العالمية، باستثناء المناطق القطبية، بلغ 21.05 درجة مئوية في سبتمبر 2026، وهو أعلى مستوى يُسجل لهذا الشهر، متجاوزًا الرقم القياسي السابق البالغ 20.92 درجة مئوية في سبتمبر 2023. كما سجلت منطقة «نينيو 3.4» المرجعية في المحيط الهادئ حرارة بلغت 29.70 درجة مئوية، متجاوزة القيم القصوى المسجلة خلال بعض أقوى نوبات الظاهرة في العقود الماضية.
ولا تتوقف أهمية هذه الأرقام عند تسجيل مستويات قياسية جديدة، بل تكمن في توقيتها أيضًا؛ إذ تتزامن حرارة المحيطات المرتفعة مع تزايد قوة «النينيو»، التي تؤثر في حركة الغلاف الجوي وتوزيع الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق واسعة من العالم.
المحيط الهادئ في قلب أزمة المناخ
أوضح مرصد «كوبرنيكوس» أن درجات حرارة سطح المياه ظلت مرتفعة بصورة استثنائية في مساحات واسعة من المحيط الهادئ الاستوائي، مع توقعات باستمرار اشتداد ظروف «النينيو» خلال الأشهر المقبلة. وتكتسب منطقة «نينيو 3.4» أهمية خاصة لدى علماء المناخ، لأنها تُستخدم لمتابعة التغيرات الحرارية في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وتقييم تطور الظاهرة.
وتُعد «النينيو» مرحلة دافئة من ظاهرة مناخية طبيعية تُعرف باسم «النينيو والتذبذب الجنوبي»، وتحدث عندما ترتفع درجات حرارة سطح المياه في أجزاء من المحيط الهادئ الاستوائي، بالتزامن مع تغيرات في أنماط الرياح والضغط الجوي. ويمكن لهذه التحولات أن تؤثر في أنظمة الطقس على مسافات بعيدة عن المنطقة التي تنشأ فيها.
لكن العلماء يميزون بين «النينيو» باعتبارها ظاهرة طبيعية تتغير شدتها من دورة إلى أخرى، وبين الاحترار طويل الأمد الناتج عن تراكم الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي. فارتفاع درجات حرارة المحيطات لا يُعزى إلى عامل واحد، وإنما يتأثر بالاحترار العالمي والتقلبات الطبيعية، إلى جانب عوامل مناخية أخرى.
وفي أحدث تقييماتها، أشارت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن ظاهرة «النينيو» الحالية مرشحة للاستمرار حتى فبراير 2027، مع احتمال أن تكون من أقوى النوبات المسجلة منذ عام 1950. ويعزز ذلك المخاوف من استمرار تأثيراتها على درجات الحرارة العالمية وأنماط هطول الأمطار خلال الفترة المقبلة، وإن كانت التداعيات تختلف من منطقة إلى أخرى.
سبتمبر يسجل ثاني أعلى حرارة عالمية
على مستوى العالم، بلغ متوسط درجة حرارة الهواء قرب سطح الأرض في سبتمبر الماضي 16.27 درجة مئوية، بزيادة 0.82 درجة مئوية عن متوسط الفترة المرجعية 1991-2020، ليصبح ثاني أحر سبتمبر على الإطلاق وفق بيانات «كوبرنيكوس»، بعد سبتمبر 2023.
ارتفاع درجات الحرارة
كما ارتفعت درجة الحرارة العالمية خلال الشهر بنحو 1.63 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، في إشارة إلى استمرار الاحترار عند مستويات مرتفعة. وسجل سبتمبر بذلك الشهر الثاني على التوالي الذي يتجاوز فيه متوسط الحرارة العالمية عتبة 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، للمرة الأولى منذ نوفمبر 2025، وفق بيانات المرصد.
وتحظى عتبة 1.5 درجة مئوية بأهمية كبيرة في اتفاق باريس للمناخ، الذي يستهدف إبقاء الاحترار العالمي أقل بكثير من درجتين مئويتين، مع مواصلة الجهود للحد منه عند 1.5 درجة مئوية. غير أن تجاوز هذه العتبة خلال شهر واحد أو عدة أشهر لا يعني أن العالم تجاوزها رسميًا على المدى الطويل؛ إذ يعتمد التقييم المناخي لهذا الهدف على متوسطات تمتد لسنوات عديدة.
ومع ذلك، فإن استمرار تسجيل قراءات شهرية مرتفعة يعكس حجم التحدي الذي تواجهه الحكومات في خفض الانبعاثات والتكيف مع آثار تغير المناخ، خصوصًا أن درجات الحرارة العالمية تتأثر بتراكم الغازات الدفيئة على المدى الطويل، وليس بالتقلبات الطبيعية وحدها.
لماذا تزداد خطورة ارتفاع حرارة المحيطات؟
تؤدي المحيطات دورًا محوريًا في تنظيم مناخ الأرض، إذ تمتص جزءًا كبيرًا من الحرارة الزائدة الناتجة عن احتباس الغازات الدفيئة، كما تمتص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. لكن استمرار ارتفاع حرارتها يحمل تداعيات متزايدة على البيئة والمجتمعات الساحلية.
ووفق تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية عن حالة المناخ العالمي لعام 2025، سجل المحتوى الحراري للمحيطات مستوى قياسيًا جديدًا في ذلك العام، فيما تجاوز معدل احترار المحيطات خلال الفترة 2005-2025 ضعف المعدل المسجل بين عامي 1960 و2005. ويشير ذلك إلى أن المحيطات تواصل امتصاص كميات ضخمة من الطاقة الحرارية المتراكمة في النظام المناخي.
وتنعكس هذه الحرارة على الحياة البحرية، إذ يمكن أن تؤدي موجات الحر البحرية إلى إجهاد الشعاب المرجانية، وتغيير توزيع الأسماك، والإضرار بالتنوع البيولوجي، فضلًا عن تهديد المجتمعات التي تعتمد على الصيد والسياحة الساحلية. كما يؤدي ارتفاع حرارة مياه البحر إلى تمددها، في حين يساهم ذوبان الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية في ارتفاع مستوى سطح البحر، ما يزيد مخاطر الفيضانات الساحلية وتآكل الشواطئ.
ولا تقتصر التداعيات على البيئة البحرية؛ فالمحيطات الأكثر دفئًا يمكن أن توفر مزيدًا من الطاقة والرطوبة لبعض العواصف، بينما تؤثر التحولات في أنماط الدوران الجوي المرتبطة بـ«النينيو» على فرص هطول الأمطار والجفاف في مناطق مختلفة من العالم.
من الجفاف إلى الفيضانات.. التأثيرات تختلف بين المناطق
تتباين آثار «النينيو» بحسب المنطقة والفصل المناخي. ففي بعض المناطق، يمكن أن ترتبط الظاهرة بانخفاض الأمطار واشتداد الجفاف وارتفاع مخاطر حرائق الغابات، بينما قد تزيد في مناطق أخرى فرص الأمطار الغزيرة والفيضانات. ولذلك لا تعني الظاهرة أن العالم كله سيشهد الطقس نفسه، بل إنها تعيد تشكيل احتمالات أنماط جوية مختلفة بحسب الظروف المحلية.
ويمتد تأثير هذه التغيرات إلى الزراعة والأمن الغذائي؛ فالجفاف قد يقلل إنتاج المحاصيل ويزيد الضغط على موارد المياه، في حين يمكن للأمطار الغزيرة والفيضانات أن تدمر الأراضي الزراعية والبنية التحتية وتعطل نقل الغذاء. وقد تنتقل هذه الآثار إلى الأسواق عبر تراجع المعروض وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، خصوصًا عندما تتزامن الاضطرابات المناخية مع ضغوط اقتصادية أو اضطرابات في سلاسل الإمداد.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن إرجاع كل موجة حر أو عاصفة أو حالة جفاف إلى «النينيو» وحدها. فالتغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية يرفع خط الأساس لدرجات الحرارة، ما يجعل بعض الظواهر المتطرفة أكثر احتمالًا أو شدة، بينما تتوقف طبيعة كل حدث على مجموعة من العوامل الجوية والمناخية.
وتظهر أهمية هذا التمييز في التعامل مع الإنذارات المناخية؛ إذ يحتاج صناع القرار إلى توقعات إقليمية دقيقة تحدد المناطق الأكثر عرضة للجفاف أو الفيضانات أو الإجهاد الحراري، بدلًا من افتراض أن التأثيرات ستكون متشابهة في جميع أنحاء العالم.
الوقود الأحفوري في قلب الاحترار طويل الأمد
رغم أن «النينيو» ظاهرة طبيعية، فإن العلماء يؤكدون أن العامل الأساسي وراء الاتجاه طويل الأمد لارتفاع حرارة الكوكب هو زيادة تركيزات الغازات الدفيئة الناتجة عن الأنشطة البشرية، وعلى رأسها حرق الفحم والنفط والغاز. وتؤدي هذه الغازات إلى احتجاز مزيد من الحرارة في النظام المناخي، ما يرفع درجات حرارة الهواء والمحيطات ويزيد من احتمالات تجاوز الأرقام القياسية.
وأفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بأن السنوات من 2015 إلى 2025 كانت الأشد حرارة منذ بدء السجلات، كما ظل اختلال توازن الطاقة في الأرض عند مستويات قياسية في 2025. وتوضح هذه المؤشرات أن الأزمة لا ترتبط بموسم مناخي استثنائي فحسب، وإنما باتجاه مستمر يتطلب خفض الانبعاثات والاستعداد للتداعيات التي لم يعد من الممكن تجنب بعضها بالكامل.
وقال كارلو بونتيمبو، مدير خدمة «كوبرنيكوس» لتغير المناخ، إن سلسلة الأشهر التي تجاوزت فيها درجات الحرارة عتبة 1.5 درجة مئوية قد تستمر حتى عام 2027 مع اشتداد «النينيو». وشدد على أن حجم تجاوز الهدف المناخي طويل الأمد ومدته يعتمدان على القرارات التي يتخذها العالم، بما يؤكد أن مسار الاحترار لا يزال مرتبطًا بسرعة التحول إلى مصادر طاقة أقل انبعاثًا وقدرة الدول على تنفيذ التزاماتها المناخية.
هل يستطيع العالم الحد من التداعيات؟
تضع الأرقام القياسية الجديدة الحكومات أمام مسارين متوازيين: تسريع خفض الانبعاثات للحد من الاحترار طويل الأمد، وتعزيز إجراءات التكيف لحماية السكان والاقتصادات من آثار الحرارة المرتفعة والظواهر الجوية المتطرفة.
ويشمل ذلك تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين إدارة المياه، وحماية المدن والمناطق الساحلية، ورفع قدرة البنية التحتية على تحمل الفيضانات وموجات الحر، إلى جانب دعم الزراعة الأكثر قدرة على التكيف مع تقلبات الطقس.
كما تبرز أهمية متابعة بيانات المحيطات والطقس بصورة مستمرة، لأن التحذير المبكر يمنح الحكومات والمجتمعات وقتًا للاستعداد، سواء عبر إدارة مخزون المياه أو حماية المحاصيل أو تجهيز خدمات الصحة والطوارئ لموجات الحر.
وفي ظل اشتداد «النينيو» واستمرار الاحترار العالمي، لا تمثل حرارة المحيط الهادئ القياسية مجرد رقم جديد في السجلات المناخية، بل إشارة إلى حجم الضغوط التي يتعرض لها النظام المناخي. وبينما يترقب العلماء تطورات الأشهر المقبلة، ستظل سرعة خفض الانبعاثات والاستثمار في التكيف عاملين حاسمين في تحديد مدى قدرة العالم على تقليل المخاطر وحماية السكان والموارد الطبيعية.