لم يعد الخلاف داخل جماعة الإخوان الإرهابية محصورًا في مسألة القيادة أو طبيعة الخطاب السياسي، بل تجاوز ذلك إلى الملف المالي، الذي تحوّل إلى واحد من أهم مفاتيح النفوذ داخل التنظيم. وفي هذا الإطار، يقدّم إبراهيم ربيع، القيادي الإخواني المنشق والباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، حقيقة تفصيلية عن طبيعة هذه المنظومة المالية، وأطراف الصراع المحتدم حولها، والشركات الوهمية التي تُستخدم كواجهات لإدارة الأموال، والممارسات المسيئة التي ترتكبها الجماعة، وهدفها النهائي المتمثل في تقويض الدولة المصرية.
صراع النفوذ والمال
يؤكد ربيع ؛أن النزاع المالي داخل جماعة الإخوان ليس مجرد خلاف على إدارة الحسابات، بل هو صراع على النفوذ والسيطرة. ويوضح أن المال داخل التنظيم يمثل أداة محورية في صناعة النفوذ، إذ إن السيطرة على الموارد تعني القدرة على تمويل المنصات الإعلامية، ودفع أجور العاملين، وإدارة الحملات الرقمية، والحفاظ على شبكات التواصل والأنشطة التنظيمية. مشيرًا؛ إلى أن هذا الصراع امتد ليشمل أجنحة متعددة داخل التنظيم، فلم يعد الخلاف مقصورًا على القيادات التاريخية، بل أصبح صراعًا مفتوحًا على الظهور الإعلامي، وامتلاك المنابر، والتحدث باسم القواعد والشباب، وتقديم كل جبهة نفسها باعتبارها الممثل الحقيقي للتنظيم.
ويضيف أن الإعلام بالنسبة لجماعة الإخوان لم يكن يومًا مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هو أحد المكونات الأساسية لبنية التنظيم، إلى جانب الجناح الدعوي والاقتصادي والعسكري. مشيرًا؛ إلى اشتداد التنافس بينهم على المنصات والوجوه الإعلامية، باعتباره جزءً من معركة أوسع على شرعية التمثيل، فالجبهة التي تملك منبرًا أكثر حضورًا تستطيع أن تقدّم خطابها باعتباره صوت التنظيم، بينما يجد الطرف الآخر نفسه في موقع المدافع عن وجوده ومواقفه.

إبراهيم ربيع الباحث في شؤون الحركات المتطرفة
شركات وواجهات لإخفاء الأموال
ويوضح القيادى المنشق؛ أن جماعة الإخوان الإرهابية تعتمد على شبكة معقدة من الشركات والكيانات والواجهات التي تعمل في دول مختلفة، بهدف الحفاظ على موارد التنظيم واستثماراته بعيدًا عن مصر. ويشرح أن بعض هذه الكيانات تظهر أمام الرأي العام باعتبارها نشاطًا تجاريًا أو استثماريًا عاديًا، بينما تدور حولها اتهامات باستخدامها كواجهة لإدارة أموال مرتبطة بالتنظيم وتمويل أنشطته المختلفة.
ويؤكد أن هذه المنظومة تعمل من خلال تعدد الواجهات وتوزيع الأموال على أكثر من نشاط، بما يصعّب تتبع المسار الكامل للتمويل. وقد تكون هناك شركات تعمل في أنشطة حقيقية، لكن الخلاف يدور حول كيفية استخدام أرباحها وعلاقتها بباقي الشبكة المالية، بينما تظهر كيانات أخرى باعتبارها مجرد حلقات وسيطة بين الأموال والأنشطة المستفيدة منها.
حرب الشائعات والأعمال المسيئة
ويؤكد إبراهيم ربيع؛ أن جماعة الإخوان لم تتحرك يومًا بإرادة منفردة، لأنها خاضعة لأجهزة استخباراتية منذ تأسيسها. مشيرًا إلى أن العلاقة بين التنظيم وبعض الأطراف الخارجية تجاوزت في مراحل مختلفة حدود الدعم السياسي والإعلامي إلى تعاون يستهدف هدم مصر، عبر إثارة الأزمات وضرب الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة. موضحًا؛ أن الجماعة طوّرت أدواتها في مواجهة الدولة، وانتقلت بدرجة كبيرة من التحركات المباشرة إلى العمل عبر المنصات الإعلامية والفضاء الإلكتروني.
ويضيف أن منظومة الدعاية التابعة لها تعتمد على إعادة تدوير الشائعات وتضخيمها وتقديم المعلومات المبتورة في صورة روايات متكاملة تستهدف التأثير في وعي المواطنين. مشيرًا ؛إلى أن الجماعة تستخدم استراتيجية "دس السم في العسل"، حيث يصنعون من حقيقة صغيرة أكذوبة كبيرة، ويتم نشر هذه الشائعات عبر برامج التوك شو والمدونات وصناع المحتوى وصفحات السوشيال ميديا، بخلاف استغلال كل التطبيقات الإلكترونية من قبل اللجان الإلكترونية. وتشير تقديراته إلى أن الخلايا الإخوانية الإلكترونية تضم 4000 شخص وتبث الشائعات من داخل عدة دول في الخارج.
والأخطر في هذا المشهد، كما يكشف ربيع القيادى المنشق عن الجماعة الارهابية؛ هو التطابق الصارخ بين خطاب قيادات الإخوان الهاربة والخطاب الإسرائيلي تجاه الدولة المصرية. ويؤكد أن جماعة الإخوان وإسرائيل تتبنيان سردية واحدة ضد الدولة المصرية، وأن الطرفين يلتقيان عند هدف مشترك يتمثل في تحطيم الدولة المصرية من الداخل.
تقويض الدولة من الداخل
ويؤكد ربيع؛ أن الهدف الأساسي من هذه الحملات الممنهجة هو التأثير في وعي المواطن، وإثارة الشكوك، وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، وإشغال الرأي العام بقضايا مفتعلة أو مضخمة، وتحويل أي أزمة طبيعية إلى أزمة سياسية. ويوضح أن الجماعة تدرك أن تكرار الرسالة يمكن أن يجعلها مألوفة لدى المتلقي، حتى لو كانت مبنية على معلومات مبتورة أو غير دقيقة، لذلك تستخدم أسلوب التكرار وإعادة التدوير.
ويشير إلى أن الجماعة مارست العنف ضد جميع المصريين دون استثناء، وأن عملياتها وأذرعها المسلحة استهدفت رجال القوات المسلحة والشرطة والقضاء والإعلاميين والسياسيين، كما امتدت لتطال المواطنين الأبرياء ودور العبادة والمنشآت العامة والخاصة. ويؤكد أن المصريين عاصروا خلال السنوات التي أعقبت ثورة 30 يونيو موجة غير مسبوقة من العمليات الإرهابية التي استهدفت استقرار الدولة وأمن المجتمع.
ويشدد ربيع؛ على أن جماعة الإخوان تحاول اليوم إعادة إنتاج خطابها القديم عبر الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، في الوقت الذي لم تتردد فيه في التحريض على العنف واستهداف مؤسسات الدولة عندما فقدت السلطة، وهو ما يكشف حجم التناقض بين شعاراتها وممارساتها الفعلية.
ويكشف عن منظومة مالية معقدة تعتمد عليها جماعة الإخوان في الخارج، تقوم على شبكة من الشركات الوهمية والكيانات الوسيطة التي تُستخدم لإخفاء مصادر التمويل ومسارات الأموال. ويظل الصراع على هذه الخزائن أحد أهم محركات الصراع الداخلي بين أجنحة التنظيم وتبقى هذه المنظومة المالية أداة أساسية لتمويل ماكينة الشائعات والأكاذيب التي تستهدف تقويض الدولة المصرية من الداخل، عبر إضعاف ثقة المواطنين في مؤسساتهم وإثارة الفوضى والتشكيك، في حرب تستهدف الدولة من الداخل عبر أدوات غير تقليدية.