تواجه الديمقراطيات الأوروبية سباقًا أمنيًا جديدًا مع استخدام الذكاء الاصطناعي كسلاح في الحرب الهجينة، إذ تتوسع عمليات التضليل الرقمي والتزييف العميق و الهجمات السيبرانية على البنية التحتية والانتخابات، في تحدٍ يتجاوز ساحات القتال التقليدية ويختبر قدرة الحكومات على حماية المجتمعات والثقة العامة.
تحول في طبيعة التهديد
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية لتحسين الخدمات أو تسريع الإنتاج، بل تحول إلى سلاح مزدوج الاستخدام في النزاعات الهجينة، إذ يمكن توظيفه في الوقت نفسه لتعزيز الدفاع السيبراني ولتنفيذ هجمات معقدة على البنية التحتية والأنظمة الانتخابية والإعلامية، ويؤكد الاتحاد الأوروبي أن الذكاء الاصطناعي يمكن استغلاله من قبل جهات خبيثة لأتمتة الهجمات، وتحديد نقاط الضعف، وتنفيذ عمليات سيبرانية بسرعة واتساع غير مسبوقين.
وتشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى تصاعد ملحوظ في الهجمات السيبرانية اليومية على الخدمات الأساسية والشركات والجهات الحكومية، في وقت تتزايد فيه الحملات الهجينة التي تجمع بين التخريب والتجسس والتلاعب بالمعلومات والتدخل في الانتخابات.
التضليل الرقمي والتزييف العميق
يمثل التضليل الرقمي المدعوم بالذكاء الاصطناعي أحد أخطر أدوات الحرب الهجينة في أوروبا، إذ تتيح تقنيات التوليد إنشاء مقاطع فيديو وصور وأصوات مزيفة تبدو واقعية، ما يصعّب على الجمهور التمييز بين الحقيقة والاحتيال. وتشير تقارير البرلمان الأوروبي إلى تصاعد ملحوظ في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في حملات التلاعب بالمعلومات والتدخل الخارجي.
وفي الانتخابات الأوروبية، ظهرت أنماط جديدة من التزييف مثل «الشالوفايك» و«الشيب فايك»، التي تجمع بين صور سياسيين وتعليقات خارج السياق أو تعديلات بسيطة على مقاطع فيديو لإيصال رسائل مضللة، ما يزيد من صعوبة الرصد ويضاعف سرعة الانتشار.
اختراق البنية التحتية والأنظمة الحيوية
لا يقتصر التهديد على المحتوى الرقمي، بل يمتد إلى اختراق البنية التحتية الحيوية مثل شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والنقل، إذ يمكن للجهات المعادية استخدام الذكاء الاصطناعي لاستغلال الثغرات وتنفيذ هجمات متزامنة تربط بين البعد الرقمي والمادي. وتشير دراسات إلى أن الخصوم يمكنهم التلاعب بمدخلات أنظمة اتخاذ القرار الآلي في البنية التحتية الحيوية لإحداث آثار متسلسلة تمتد من المعلومات إلى الأنظمة الرقمية ثم إلى الواقع المادي.
وفي هذا الإطار، أطلقت المفوضية الأوروبية في يوليو 2026 خطة عمل لدعم الاستخدام الآمن والمسؤول للذكاء الاصطناعي مع تعزيز الأمن السيبراني الأوروبي، بهدف حماية البيانات والاتصالات والمجتمع الرقمي والاقتصاد من التهديدات المتزايدة.
إرباك الانتخابات والديمقراطية
يشكل التدخل في الانتخابات أحد أخطر جوانب الحرب الهجينة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إذ تستهدف الحملات المعادية إضعاف الثقة في العملية الديمقراطية عبر نشر معلومات مضللة، وتضخيم الانقسامات المجتمعية، والتلاعب بالمحتوى الانتخابي عبر شبكات الروبوتات والحسابات المزيفة.
وفي تقرير صادر عن البرلمان الأوروبي في سبتمبر 2026، طُرحت مقترحات لتصنيف البنية التحتية الانتخابية كبنية تحتية حرجة، وتعزيز شبكة التعاون الأوروبية للانتخابات، واتخاذ إجراءات أشد ضد التزييف العميق الخبيث والإعلانات الاحتيالية، مع حماية خاصة للمرشحات من النساء.
روسيا والصين في صدارة الجهات المعادية
يحدد تقرير الخدمة الأوروبية للعمل الخارجي الصادر في مارس 2026 روسيا كأبرز جهة تدير حملات منسقة للتلاعب بالمعلومات والتدخل الخارجي، تليها الصين، فيما يرصد تقرير آخر تصاعدًا في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في هذه الحملات.
وفي السياق ذاته، أعلنت فرنسا في يوليو 2026، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، مسؤولية جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) عن حملة تجسس سيبراني طويلة استهدفت كيانات حساسة داخل الجيش والجهاز الدبلوماسي الفرنسي، في خطوة نادرة تعكس تحولًا في سياسة الإسناد العلني للهجمات
تحديات التنفيذ والفجوة بين القانون والواقع
رغم قوة الإطار التنظيمي الأوروبي، تبقى الفجوة بين التشريع والتنفيذ تحديًا رئيسيًا، إذ يحتاج تطبيق قواعد وسم المحتوى ومكافحة التزييف العميق إلى بنية قضائية وتقنية متخصصة، من قضاة ونيابات وخبراء قادرين على التعامل مع أدلة الذكاء الاصطناعي.
كما تواجه السلطات صعوبة في مواكبة سرعة تطور تقنيات التوليد، إذ تتفوق أدوات الإنشاء على أدوات الكشف، ما يجعل المعركة غير متكافئة ويستدعي استثمارات أكبر في البحث والتطوير والتعاون الدولي.
مستقبل الدفاع الأوروبي ضد الحرب الهجينة
يبدو أن أوروبا تدخل مرحلة جديدة في مواجهة الحرب الهجينة، إذ لم يعد الدفاع يقتصر على الجيش والحدود، بل يمتد إلى الفضاء الرقمي والإعلامي والانتخابي. ويتطلب النجاح في هذه المعركة تكاملًا بين التنظيم القانوني والقدرات التقنية والتعاون بين الدول والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
وفي النهاية، يظل التحدي الأكبر هو حماية الثقة العامة والديمقراطية من التآكل، إذ إن الهدف الأساسي للحرب الهجينة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ليس فقط تعطيل الأنظمة، بل زعزعة ثقة المواطنين في مؤسساتهم ووسائل إعلامهم وانتخاباتهم.