أكد الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، أن المكتبة ليست مجرد مخزن للكتب، بل نافذة مصر على العالم ومؤسسة ثقافية وعلمية تسعى إلى تعزيز التواصل الحضاري، مشيرًا إلى أن إحياء المكتبة القديمة بدأ كحلم فردي للعالم والمؤرخ المصري الراحل الدكتور مصطفى العبادي، الذي تبنى الفكرة وروج لها محليًا وعالميًا، وهو ما لفت أنظار الدولة المصرية والمجتمع الدولي، لتتدخل منظمة اليونسكو وتتحول المبادرة إلى مشروع عالمي استغرق تنفيذه قرابة عشر سنوات، حتى افتتاح المكتبة رسميًا في 16 أكتوبر 2002.
وأوضح الدكتور احمد زايد، خلال حوار ببرنامج «صباح الخير يا مصر»، المذاع على القناة الأولى المصرية، أن المسابقة العالمية لتصميم المكتبة شهدت منافسة كبيرة، وفازت بها شركة «سنوهيتا» النرويجية بتصميم متميز ومختلف، مشددًا على الدور البارز للمهندسين المصريين، وعلى رأسهم الدكتور محسن زهران، في عمليات البناء والتشييد، رغم الإشراف الأجنبي على التصميم، وحذر من النظرة التقليدية للمكتبة باعتبارها مجرد مكان لحفظ الكتب، مؤكدًا ضرورة فهمها في سياقها التاريخي بوصفها جامعة وأكاديمية للعلوم وريثة للمكتبة القديمة التي تأسست في القرن الثالث قبل الميلاد، وكانت منذ عهد الإسكندر الأكبر والبطالمة مركزًا للفلاسفة وعلماء الفيزياء والأدباء.
وأشار مدير مكتبة الإسكندرية إلى أن المكتبة تمثل صرحًا ثقافيًا مصريًا يحمل طابعًا دوليًا من حيث التمويل والرؤية، وتجسد مفهوم «نافذة مصر على العالم ونافذة العالم على مصر»، لافتًا إلى أن المؤسسة تسعى إلى تعزيز التواصل الثقافي والحضاري بين الشعوب، والحفاظ على مكانتها العلمية والثقافية محليًا ودوليًا.
استراتيجية إدارية حديثة لإعادة النشاط إلى المكتبة
وكشف زايد عن التحديات التي واجهته عند توليه إدارة مكتبة الإسكندرية في يوليو 2022، موضحًا أن ذلك جاء بعد أزمة جائحة كورونا، حين كانت المكتبة تعمل بنصف طاقتها تقريبًا، مع تطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي وتقليص ساعات العمل، وهو ما استدعى وضع خطة عاجلة لإعادة الحياة والنشاط إلى هذا الصرح الثقافي واستعادة وتيرة العمل الطبيعية.
وشدد على أن نجاح أي مؤسسة يتطلب وجود فكرة ومفهوم واضحين لدى قائدها، إلى جانب مجموعة من الأهداف والآليات المحددة للتنفيذ، موضحًا أنه استعان بخبراته الإدارية السابقة في قيادة الكليات والمكاتب الثقافية بالخارج لبناء منظومة عمل احترافية تضمن استمرار ريادة المكتبة محليًا ودوليًا.
وأضاف أنه أخذ على عاتقه تخليص الإدارة من أمراض المنظومات التقليدية، مثل الشللية والتحزب والضغائن الشخصية، وأرسى مجموعة من القيم الإدارية الحديثة، في مقدمتها الشفافية وتدفق المعلومات وبناء الثقة المتبادلة بين العاملين، مؤكدًا عدم تفضيل أي شخص على آخر إلا وفقًا لعمله، وأوضح أن التقييم داخل المكتبة بات يعتمد على الجدارة والكفاءة وحجم الإنجاز، بما يسهم في توفير بيئة عمل صحية ومحفزة، ويساعد على تجاوز المراحل الانتقالية وإطلاق مشروعات ثقافية جديدة تخدم المجتمع.
مشروعات مستدامة لدعم الشباب ومواجهة التطرف
وأكد مدير مكتبة الإسكندرية أن الاستراتيجية الثقافية للمكتبة تقوم على ثلاثة مسارات رئيسية، تشمل الأنشطة الثابتة والأنشطة المتغيرة والمشروعات المستدامة، موضحًا أن الأنشطة الثابتة تتضمن فعاليات كبرى، مثل معرض الكتاب الذي يشهد تنظيم ما بين 400 و500 نشاط ثقافي خلال 15 يومًا فقط، إلى جانب مهرجان الصيف الفني الذي يضم عروضًا أوبرالية وسيمفونية تجذب آلاف الزوار سنويًا.
وأشار إلى أن المكتبة تولي اهتمامًا خاصًا بالشباب والمواهب الفنية، من خلال تخصيص مساحات للفرق الفنية الشبابية المستقلة التي لا تجد منصات مناسبة لعرض أعمالها، وتوفير الدعم اللازم لها للوصول إلى الجمهور، لافتًا إلى أن عددًا من هذه الفرق انطلق من مسارح المكتبة وحقق شهرة واسعة بعد بداياته فيها.
وفيما يتعلق بالأنشطة المتغيرة، أوضح زايد إطلاق برنامج «حوارات الإسكندرية»، الذي يستهدف مناقشة السياسات المصرية المستقبلية وطرح أفكار ورؤى جديدة تخدم الوطن، إلى جانب استمرار المشروعات العلمية الهادفة إلى توثيق التراث ونشره، وتطوير البحث العلمي والنشر داخل مصر وخارجها.
وكشف عن إطلاق مبادرة كبرى بديلة لمشروع «مكتبة الأسرة»، استجابة لتوجيهات القيادة السياسية بضرورة تقديم أنشطة ذات تأثير مستدام، موضحًا أن المشروع الجديد يستهدف الشباب بالأساس، ويسعى إلى توعيتهم وبناء عقولهم، وترسيخ رسالة مفادها أن التطرف لا يمكن أن يكون طريقًا لبناء الحياة المدنية السليمة أو إقامة المجتمعات المتقدمة.
سلسلة لتبسيط التراث الإنساني وترسيخ التعددية
وأوضح زايد أن محدودية الانفتاح وتقبل الآخر لدى بعض الشباب دفعته إلى طرح مبادرة تهدف إلى تقديم التراث الإنساني بأسلوب مبسط، من خلال إعداد كتيبات صغيرة تتناول ما أنتجته البشرية من فلسفة وفكر وعلم وفن، بحيث يستطيع الشباب قراءتها بسهولة خلال أوقات الفراغ أو أثناء استقلال وسائل المواصلات.
وأشار إلى أن هذه الكتيبات ستعرف القراء بشخصيات مؤثرة أسهمت في تشكيل الوعي الإنساني، من بينها طه حسين والعقاد وكونفوشيوس وأرسطو وليوناردو دافنشي وشكسبير، موضحًا أن الهدف من سلسلة «تراث الإنسانية للنشء والشباب» هو تصحيح الفهم الضيق الذي يحصر تأسيس الحضارة في فئة أو ديانة بعينها.
وشدد على أهمية إدراك الشباب أن الحضارة الإنسانية أسهم في بنائها المسلمون والمسيحيون واليهود، إلى جانب فلاسفة وعلماء عاشوا قبل ظهور الأديان، مؤكدًا أن الاطلاع على هذا التراث يمكن أن يساعد في الانتقال من الرؤية الأحادية الضيقة إلى رؤية تعددية أكثر اتساعًا وانفتاحًا على مختلف الثقافات.
جوائز لدعم المبدعين وتشجيع القراءة
وفي إطار دعم الإبداع، أعلن مدير مكتبة الإسكندرية إطلاق مجموعة من الجوائز الكبرى، من بينها جائزة عالمية للمكتبة بقيمة مليون جنيه، إلى جانب جوائز مخصصة للشباب من سن 18 إلى 45 عامًا في سبعة فروع، تشمل الشعر والرواية والمسرح والعلوم الفلسفية وريادة الأعمال والتكنولوجيا والفنون.
وأوضح أن قيمة الجائزة في كل فرع تبلغ 100 ألف جنيه، بإجمالي جوائز يقارب 800 ألف جنيه، بهدف تشجيع المواهب الشابة ودعم المبدعين في المجالات الأدبية والعلمية والفنية.
كما كشف عن إطلاق «جائزة للقراءة» لتكريم 100 قارئ سنويًا، موضحًا أن الجائزة تعتمد بالكامل على نظام رقمي يتتبع أداء القارئ عبر الكمبيوتر دون تدخل بشري في عملية التقييم، ويحصل الفائزون على شهادات ودروع ومكافآت مالية، في خطوة تستهدف تشجيع القراءة ونشر المعرفة وإعادة الاعتبار للكتاب داخل المجتمع.
مكتبة المستقبل والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي
وأكد زايد أن عصر الذكاء الاصطناعي والرقمنة يفرض تحديات كبيرة على المؤسسات الثقافية والتعليمية، مشيرًا إلى أن شكل المكتبة والمدرسة سيتغير بصورة جذرية خلال المستقبل، وأن مكتبة المستقبل لن تكون بالضرورة مبنى ضخمًا، بل قد تتحول إلى مكتبة محمولة في جيب الشاب، يمكن الوصول إليها عبر الهواتف الذكية وتقنيات الواقع الافتراضي.
وشدد على ضرورة تحول المكتبات إلى مراكز لإشعاع التنوير والفكر الحر، لافتًا إلى أن مكتبة الإسكندرية تعتزم مناقشة هذه التحولات ودور المكتبات في العصر الرقمي خلال مؤتمر دولي مقرر عقده في شهر نوفمبر المقبل، بما يتيح بحث التحديات والفرص التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة على مستقبل المؤسسات الثقافية.
منتدى ثقافي عربي لتعزيز التقارب بين الشعوب
وأشار مدير مكتبة الإسكندرية إلى أن المكتبة تتمتع بمكانة عالمية مرموقة وانفتاح واسع على المجتمع المصري، لكنه يسعى إلى تعميق دورها العربي واستعادة ريادة مصر بوصفها حاضنة للقوة الناعمة العربية، من خلال استقطاب المثقفين والعلماء العرب وفتح آفاق جديدة للحوار والتعبير الثقافي.
وكشف عن مقترح يجري العمل على بلورته لتأسيس «منتدى ثقافي عربي» تستضيفه المكتبة، بهدف خلق حراك ثقافي إقليمي وتعزيز التواصل بين المثقفين العرب والمصريين. وأوضح أن المقترح يتضمن تنظيم ست ندوات أو مؤتمرات كبرى سنويًا، يشارك في كل منها نحو 15 شخصية عربية مقابل 15 شخصية مصرية، بما يتيح لقاء أكثر من 50 مثقفًا عربيًا بنظرائهم المصريين سنويًا، إلى جانب مشاركة مئات الحاضرين من الجمهور.
وفي سياق متصل، أعلن التوجه لإطلاق «جائزة عربية» تضاف إلى جوائز المكتبة الحالية، بهدف تشجيع الإبداع على مستوى الوطن العربي، مؤكدًا أن مفهوم العروبة ينبغي ألا يقتصر على الأفكار التقليدية للوحدة، بل أن يستند إلى استثمار التنوع الثقافي بين الخليج والشام وشمال إفريقيا ومصر والسودان، وتوظيف هذا التنوع في تعزيز التقارب بين الشعوب ودعم الصناعات الثقافية العربية.