لم تكن مجرد رحلة نيلية عابرة في مياه النيل بأسوان، ولم يكن الهدف منها الاستمتاع بنسيم الصباح ومشهد الطيور وهي تحلق فوق صفحة المياه، إنما كانت تجربة إنسانية استثنائية أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وأثبتت أن جمال الحياة البرية لا تلتقطه العين وحدها، وأن للأصوات لغة قادرة على رسم الصور في الخيال، حتى وإن غابت الرؤية.
هنا، على متن أحد المراكب النيلية، خاض مجموعة من المكفوفين وضعاف البصر تجربة مختلفة لمراقبة الطيور المهاجرة والمقيمة، ضمن مبادرة «مشاهدة الطيور للجميع»، بالتعاون مع مبادرة «ريادة بإرادة»، احتفالًا باليوم العالمي للطيور المهاجرة، واستعدادًا للاحتفال باليوم العالمي للعصا البيضاء، الذي يوافق 15 أكتوبر من كل عام.
حكاية طيور يرويها التغريد
لم يكن الصمت هو سيد المشهد في هذه الرحلة، وإنما كانت أصوات الطبيعة هي البطل الحقيقي؛ فكل تغريدة حملت معها حكاية، وكل صوت تحول إلى نافذة يطل منها المشاركون على عالم الطيور، الذي اعتاد كثيرون اكتشافه بالعين المجردة.
إسماعيل خليفة، مراقب الطيور والحياة البرية، أوضح لـ"اليوم السابع"، أن الفعالية تنطلق من إيمان حقيقي بأن مشاهدة الطيور ليست حكرًا على المبصرين، ولا تعتمد بالضرورة على حاسة الإبصار وحدها، مؤكدًا أن الاستماع الواعي إلى أصوات الطيور، مع تقديم وصف دقيق لخصائصها وسلوكها، يتيح للمكفوفين وضعاف البصر الاستمتاع بتجربة متكاملة لمراقبة الحياة البرية.
وخلال الرحلة، استمع المشاركون إلى أصوات مجموعة متنوعة من الطيور، من بينها الكروان والرفراف ودجاجة الماء والزقزاق البلدي وأبو فصادة الأبيض واليمامة الضاحكة، كما تمكنوا من التعرف على طائر الفرخة السلطانية من خلال وصف تفصيلي لحجمه وألوانه وطريقة حركته وسلوكه.
وفي لحظة خاطفة، التقطت آذان المشاركين تغريدات مجموعة من عصافير الفراولة أثناء طيرانها، في مشهد منح الرحلة مذاقًا خاصًا، وكشف عن تفاصيل قد تمر دون انتباه في الحياة اليومية، لكنها تصبح أكثر وضوحًا حين تتحول حاسة السمع إلى وسيلة لاكتشاف الطبيعة.
ولم تتوقف التجربة عند الأصوات وحدها، إذ شارك المرافقون المبصرون أصدقاءهم من ذوي الهمم في وصف أنواع أخرى من الطيور، بينها البلشون الرمادي والأرجواني والذهبي وبلشون الليل، لتصبح الرحلة مساحة مشتركة يتقاسم فيها الجميع متعة الاكتشاف، كل بطريقته.
حين تتحول الطبيعة إلى مساحة للجميع
وتتجاوز أهمية هذه المبادرة حدود الترفيه، فهي تقدم نموذجًا عمليًا لإتاحة الأنشطة البيئية والسياحية أمام الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، من خلال تطوير أساليب المشاركة بما يتناسب مع احتياجاتهم، بدلًا من استبعادهم من تجارب تعتمد في صورتها التقليدية على المشاهدة.
ومراقبة الطيور، التي ترتبط عادة بالمناظير والكاميرات وتحديد الألوان والأشكال، يمكن أن تتحول إلى تجربة حسية متعددة الأبعاد، تعتمد على التمييز بين التغريدات، والتعرف على أنماط الأصوات، والاستماع إلى شرح المتخصصين، وربط ما يسمعه المشاركون بسلوك الطيور وبيئتها.
ومن هنا، جاءت الرحلة النيلية لتؤكد أن دمج ذوي الهمم في الأنشطة البيئية لا يحتاج بالضرورة إلى تغيير طبيعة النشاط، بقدر ما يحتاج إلى تغيير طريقة تقديمه، وإتاحة الفرصة أمام المشاركين لخوض التجربة بصورة تناسب قدراتهم وتمنحهم شعورًا حقيقيًا بالمشاركة والاستقلالية.
كما حملت الفعالية رسالة مهمة بالتزامن مع اليوم العالمي للعصا البيضاء، مفادها أن الإعاقة البصرية لا تعني الانفصال عن تفاصيل العالم المحيط، وأن توفير الفرص المناسبة يمكن أن يفتح أبوابًا جديدة للتعلم والاستكشاف والتواصل مع الطبيعة.
مواهب استثنائية على ضفاف النيل
لكن الرحلة لم تقتصر على رصد الطيور والاستمتاع بالأجواء النيلية المعتدلة ونسيم الطبيعة، إذ تحولت إحدى محطاتها إلى مساحة أخرى لاكتشاف مواهب المشاركين، الذين قدموا نماذج متنوعة من الإبداع، عكست قدراتهم ومواهبهم بعيدًا عن أي أحكام مسبقة ترتبط بالإعاقة.
وتنوعت الفقرات بين تلاوة القرآن الكريم، والتعليق الصوتي، والإنشاد الديني، إلى جانب تقديم بعض الأغنيات الوطنية والألحان الكنسية، في مشهد جمع بين تنوع المواهب وروح المحبة والتعاون، وأكد أن الأشخاص ذوي الهمم يمتلكون طاقات تستحق أن تجد طريقها إلى الجمهور، وأن تحظى بالتشجيع والتقدير.
وكان هذا الجانب الإنساني امتدادًا طبيعيًا لفكرة الرحلة؛ فكما منحت الطبيعة المشاركين فرصة لاكتشاف الطيور من خلال أصواتها، منحتهم الفعالية فرصة للتعبير عن أنفسهم وإظهار مواهبهم، ليصبح كل صوت حاضرًا في الرحلة جزءًا من حكاية أوسع عن القدرة على المشاركة والإبداع.
فريق عمل جمعته رسالة واحدة
لم يكن تنظيم هذه التجربة ليخرج بهذه الصورة دون تعاون مجموعة من المشاركين الذين جمعهم هدف مشترك، وهو إتاحة تجربة مختلفة لأصحاب الإعاقة البصرية، وتقديم نموذج ملهم للأنشطة البيئية الدامجة.
وشارك في الفعالية عدد من أئمة الأوقاف، من بينهم الشيخ أحمد خميس، ومعلمون بمديرية التربية والتعليم، من بينهم خالد جهلان، إلى جانب طلاب مدرسة النور للمكفوفين وطلاب كلية الدراسات الإسلامية وخريجين من جامعة أسوان.
كما أسهم فريق «Aswan Birdwatching» في تنفيذ التجربة، بمشاركة المراكبي ميزو النوبي، المعروف بحضوره الفني، والفنان المصور يوسف أشرف، اللذين كانا ضمن فريق العمل الذي دعم خروج الرحلة بصورة مميزة.
وبرز كذلك دور سلمى الأنصاري، المنسق العام لمبادرة «ريادة بإرادة»، من خلال جهود التنسيق والتخطيط التي أسهمت في نجاح الفعالية، وتحويل فكرتها إلى تجربة واقعية جمعت بين التوعية البيئية والدمج المجتمعي واكتشاف المواهب.
وكان للطفلة سارة هاني حضور لافت، بعدما شاركت في توثيق الفعالية والتغطية الإعلامية، بالتوازي مع شغفها الواضح بالطيور والحياة البرية، لتقدم نموذجًا مبكرًا للاهتمام بالطبيعة والمشاركة في نقل رسائلها إلى الآخرين.
من رحلة استثنائية إلى ثقافة مستدامة
تكشف هذه التجربة أن أسوان، بما تمتلكه من طبيعة نيلية وثراء في الطيور والحياة البرية، يمكن أن تقدم أنماطًا متنوعة من السياحة البيئية والأنشطة المجتمعية التي تراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، وتمنحهم فرصًا حقيقية للمشاركة في اكتشاف مقومات بيئتهم.
كما تفتح المبادرة الباب أمام تكرار مثل هذه الرحلات وتطويرها، من خلال تنظيم أنشطة أكثر تخصصًا، وتدريب المشاركين على التعرف على أصوات الطيور، وإعداد أوصاف صوتية مبسطة للأنواع المختلفة، وتوسيع دائرة التعاون بين المتخصصين في الحياة البرية والمؤسسات التعليمية والمبادرات المجتمعية.
فالقيمة الحقيقية للرحلة لا تكمن فقط في عدد الطيور التي جرى التعرف عليها، وإنما في التجربة التي عاشها المشاركون، وفي الرسالة التي حملتها إلى المجتمع: الطبيعة ليست مشهدًا تراه العين فحسب، بل عالم متكامل يمكن اكتشافه بالحواس المختلفة، متى توافرت الإرادة والفرصة.
وفي نهاية المطاف، ربما كانت أجمل صورة خرجت بها الرحلة هي تلك التي لم تحتج إلى كاميرا؛ صورة رسمتها أصوات الكروان والرفراف وعصافير الفراولة في خيال المشاركين، واكتملت بتفاعل الأصدقاء وضحكاتهم ومواهبهم، لتؤكد أن الاستمتاع بالحياة حق للجميع، وأن إتاحة الفرصة قد تكون بداية لحكاية مختلفة.
يشار إلى أن الفعالية تأتي ضمن مبادرة «مشاهدة الطيور للجميع»، بالتعاون مع مبادرة «ريادة بإرادة»، في إطار الاحتفال باليوم العالمي للطيور المهاجرة والاستعداد لليوم العالمي للعصا البيضاء الموافق 15 أكتوبر، بهدف تعزيز دمج المكفوفين وضعاف البصر في الأنشطة البيئية، والتعريف بإمكانات مراقبة الطيور بالاعتماد على السمع والتأمل في الطبيعة.

إسماعيل خليفة يقدم شرحا للحضور

أنواع الطيور النادرة

اهتمام الأطفال

رصد طيور فى وسط النيل