نجوت لأرسم.. أطفال غزة يحولون وجع اليتم وذكريات القصف لمشغولات يدوية ورسومات تتمسّك بالحياة.. الحرب خطفت آباءهم وأمهاتهم وكتبت حكاياتهم بالدم والفقد وسط حصار وتجويع يهددان طفولتهم وأحلامهم بمستقبل أكثر أمانا

الخميس، 15 أكتوبر 2026 10:00 م
نجوت لأرسم.. أطفال غزة يحولون وجع اليتم وذكريات القصف لمشغولات يدوية ورسومات تتمسّك بالحياة.. الحرب خطفت آباءهم وأمهاتهم وكتبت حكاياتهم بالدم والفقد وسط حصار وتجويع يهددان طفولتهم وأحلامهم بمستقبل أكثر أمانا معرض نجوت لأرسم

كتب أحمد عرفة


<< نجوت لأرسم.. معرض فني يفتح نافذة للأمل في حياة أطفال غزة الأيتام
<< طفل من كل 77 دون الخامسة يعاني سوء التغذية الحاد في غزة
<< أطفال غزة بحاجة إلى رعاية نفسية واجتماعية تعيد إليهم الشعور بالأمان
<< 12.2% نسبة التقزم بين الأطفال.. الحرب تسرق من صغار غزة صحتهم وأحلامهم
<< أكثر من 74 ألف طفل يحتاجون إلى العلاج بحلول أبريل 2027
<< 1.4 مليون شخص يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائي
<< حصار ونزوح وحرمان من الغذاء والدواء.. تحديات يومية تهدد حياة أطفال غزة
 

 

في مساحة صغيرة تتسع للأمل وسط ذاكرة مثقلة بالحرب والفقد، حمل أطفال نجوا من أهوال المجزرة في غزة أدواتهم وألوانهم، ليصنعوا بأيديهم مشغولات يدوية تحكي قصصهم، وتعبر عن أحلامهم، وتمنحهم فرصة لاستعادة شيء من طفولتهم التي سلبها العدوان الإسرائيلي.

 

معرض نجوت لأرسم

في مؤسسة هيوسم لرعاية الأيتام في النصيرات وسط القطاع، أقيم معرض فني بعنوان "نجوت لأرسم"، لعرض مشغولات يدوية أنجزها أطفال فقدوا آباءهم وأمهاتهم خلال الحرب، لكنهم تمسكوا بالحياة، ووجدوا في الفن مساحة للتعبير عن أنفسهم وتفريغ ما يختزنونه من مشاعر وأحزان.

وجاء المعرض تتويجا لورشة تدريبية تعلم خلالها الأطفال صناعة المشغولات اليدوية خلال فترة الإجازة، أثناء إقامتهم داخل المؤسسة، حيث أمضوا أوقاتهم في تعلم مهارات جديدة، والعمل على إنتاج قطع فنية بأيديهم، قبل أن يستعرضوا ما حققوه من نجاحات في ختام الورشة.

معرض غزة
معرض غزة

 

تجارب قاسية للأطفال

لم تكن تلك المشغولات مجرد أعمال فنية بسيطة، بل حملت في تفاصيلها حكايات أطفال عاشوا تجارب قاسية تفوق أعمارهم، ونجوا من القصف والدمار، لكنهم فقدوا أغلى ما يملكون؛ دفء الأب وحنان الأم، ولكل طفل منهم قصة كُتبت فصولها بالدم والفقد، وذكريات تركت الحرب آثارها العميقة في نفوس أصحابها.

وبين قطعة يدوية وأخرى، تتجلى قدرة هؤلاء الأطفال على المحاولة من جديد، وعلى تحويل الوقت الذي أمضوه داخل المؤسسة إلى فرصة للتعلم والإبداع، فخلف كل عمل معروض طفل يحاول أن يجد طريقه إلى الحياة، ويعبر عن مشاعره بطريقته الخاصة، في وقت قد تعجز فيه الكلمات عن وصف ما مر به.

جانب من المعرض
جانب من المعرض

 

ويحمل عنوان المعرض، نجوت لأرسم، دلالة إنسانية تتجاوز حدود الفن، فالنجاة هنا ليست مجرد خروج من تحت الأنقاض أو عبور لحظة الخطر، بل هي أيضا محاولة لاستعادة الحق في الحلم، واللعب، والتعلم، والتعبير عن الذات، رغم ما خلفته الحرب من خسارات مؤلمة.

 

معاناة أطفال غزة

يأتي هذا في الوقت الذي يعاني في أطفال غزة بسبب الحرب، حيث أعلن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، خلال تقرير له في 11 أغسطس، أن الاحتلال يتلاعب ببيانات تجويع الأطفال، وسط مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وأضاف أن طفل من كل 77 طفلا دون الخامسة يعاني سوء التغذية الحاد، فيما تبلغ نسبة التقزم بين الأطفال 12.2%، لافتا إلى أن  أكثر من 1.4 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم أكثر من 74 ألف طفل سيحتاجون إلى العلاج بحلول أبريل 2027

ويمثل المعرض فرصة لتسليط الضوء على أهمية الأنشطة الفنية واليدوية في توفير بيئة داعمة للأطفال الأيتام، تتيح لهم اكتساب المهارات، وتنمية قدراتهم، والتفاعل مع الآخرين، إلى جانب منحهم مساحة آمنة للتعبير عن مشاعرهم، مع ضرورة استمرار توفير الرعاية النفسية والاجتماعية الملائمة لاحتياجاتهم.

أطفال غزة الذين فقدوا عائلاتهم لا يحتاجون إلى المأوى والرعاية الأساسية فحسب، بل يحتاجون أيضا إلى من يساعدهم على تجاوز آثار التجارب القاسية، ويمنحهم شعورا بالأمان والانتماء، ويفتح أمامهم أبوابا جديدة للتعلم والإبداع.

في ختام المعرض، لم تكن المشغولات اليدوية المعروضة مجرد حصيلة ورشة تدريبية، بل كانت شهادة على إرادة أطفال يحاولون النهوض من بين ركام الحزن، ورسالة تقول إن الحرب على غزة، مهما سلبت من الطفولة، لا ينبغي أن تنتزع من أصحابها حقهم في الأمل.

معرض نجوت لأرسم
معرض نجوت لأرسم

 

أكبر غيتو في التاريخ

وحولت إسرائيل غزة من أكبر سجن مفتوح في العالم إلى "أكبر غيتو في التاريخ"، بحسب تقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان الصادر في 28 سبتمبر، حيث تعزل فيه أكثر من مليوني فلسطيني تحت وطأة حصار مزدوج وغير مسبوق، يجمع بين الاستيلاء العسكري على نحو 70% من مساحة القطاع لدفع السكان نحو التكدس القسري وحرمانهم من منازلهم، وبين الإغلاق الخانق للمعابر للتحكم المنهجي في منع إدخال أبسط مقومات البقاء، ليتركوا محاصرين في رقعة مستنزفة ومفتقرة لأدنى متطلبات الحياة ضمن سياق الإبادة الجماعية المستمرة.

وأضاف أن الحصار الخارجي الشامل وغير القانوني المفروض عبر إغلاق المعابر يحكم الطوق على ملايين النازحين قسرا في غزة، مكرسا سياسة الحرمان الممنهج لمنع إدخال الإمدادات المنقذة للحياة من غذاء ودواء ووقود ومواد إيواء، ضمن خنق إنساني يتزامن مع التدمير الواسع للمساكن والمرافق الصحية ليجرد السكان من أبسط الحقوق ومن أي قدرة على الصمود أو تلقي الرعاية الطبية.

تقرير المرصد الأورومتوسطي
تقرير المرصد الأورومتوسطي

 

وأشار إلى أن رقعة السيطرة العسكرية الإسرائيلية غير القانونية وقيود الوصول اتسعت لتشمل نحو 70% من إجمالي مساحة القطاع، متجاوزة نقاط التمركز العسكري خلف ما يعرف بـ"الخط الأصفر" لتتوغل في عمق التجمعات المأهولة، مكرسة سياسة تهجير قسري تحرم السكان من الوصول إلى أراضيهم ومنازلهم ومرافقهم الحيوية، وتدفعهم نحو التكدس الخانق في رقعة جغرافية متقلصة تفتقر لأي مأوى آمن، مع انعدام تام لأي ضمانات تتيح لهم حق العودة.

وأوضح أن توصيف غزة بأنها أصبحت "أكبر غيتو في التاريخ" يأتي لما يجسده واقعها الديموغرافي والمكاني غير المسبوق؛ مؤكدا أن إسرائيل تعمد إلى حشر وتكديس أكثر من مليوني إنسان قسريا في بقعة جغرافية مستنزفة لا تتجاوز 30% من مساحة القطاع، لتخلق كثافة سكانية خانقة تعد الأعلى عالميا، وهذا الحجم الهائل من الكتلة البشرية المعزولة، والمقترن بالتحكم العسكري المطلق في المعابر والحرمان المنهجي من مقومات البقاء الأساسية، يفرز نموذجا للعزل والإهلاك الجماعي يجعل من غزة "الغيتو" الأضخم والأكثر قسوة في العصر الحديث.

وحذر المرصد من أن إسرائيل تستخدم سلاح التجويع كأداة فتاكة لإهلاك السكان، بوصفه انتهاكا مستمرا وجريمة حرب مكتملة الأركان، لافتا إلى أن الإعاقة المتعمدة لتدفق الإمدادات الغذائية، بالتزامن مع توقف محطات التحلية ومضخات المياه بفعل منع إدخال الوقود، أجبر مئات الآلاف على استهلاك مياه ملوثة.

وقال إن القيود المفروضة على الإجلاء الطبي تُبقي عشرات الآلاف من المرضى والجرحى في قطاع لا تتوافر فيه الرعاية المتخصصة التي يحتاجونها، فمن أصل 36 مستشفى في غزة، لا يعمل سوى 19، وجميعها بصورة جزئية، وسط نقص حاد في الأدوية والمعدات والوقود، لافتا إلى أن تأخير خروج المرضى الذين يحتاجون إلى علاج عاجل، بينما تتدهور حالاتهم داخل نظام صحي مدمّر، يعرضهم لخطر وفاة كان يمكن تفاديها.

"نجوت لأرسم"، حكاية أطفال فقدوا أحبتهم، لكنهم ما زالوا يرسمون للحياة وجهًا آخر؛ وجهًا لا تغيب عنه الأحلام، ولا تنطفئ فيه الرغبة في غدٍ أكثر أمانًا ورحمة.

 


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة