في ظل تصاعد الشائعات والمعلومات المضللة من قبل الجماعة الاخوانية الإرهابية التي تستهدف الجاليات المصرية بالخارج، تبرز أهمية حماية الوعي العام وتعزيز قدرة المصريين بالخارج على التمييز بين الحقائق والأكاذيب، خاصة مع توظيف منصات التواصل الاجتماعي لإعادة تداول مقاطع قديمة واختلاق أزمات تتعلق بالإقامة والترحيل وأوضاع المصريين في دول المهجر. وبينما يحذر الباحث في شؤون الحركات المتطرفة طارق أبو السعد من محاولات استغلال الجاليات للضغط على الدولة المصرية، يؤكد محمود عشيش، عضو المجلس الرئاسي لاتحاد المصريين بالخارج، أن سرعة إتاحة المعلومات الموثقة وتعزيز التواصل مع أبناء الجاليات يمثلان ركيزة أساسية لمواجهة التضليل وترسيخ الثقة وحماية العلاقة بين المصريين بالخارج ووطنهم.
حماية الوعي العام من فخ الشائعات واختلاق الأكاذيب المتعلقة بالجاليات
مع تصاعد محاولات جماعة الإخوان الإرهابية واستهداف الجاليات المصرية بالخارج عبر منصاتها الرقمية، تكشفت خلال الفترة الأخيرة حقائق موثقة تؤكد أن هذه المحاولات لم تعد تجد صدى واسعًا لدى الرأي العام، في ظل وعي شعبي متزايد وإجراءات قانونية صارمة. ويرى الباحث في شؤون الحركات المتطرفة طارق أبو السعد أن مواجهة هذا النوع من الحروب النفسية تتطلب منظومة متكاملة لا تقتصر على الحجب أو الملاحقة، بل تمتد إلى بناء مناعة معرفية لدى المواطن، سواء داخل مصر أو خارجها.
كيف تستهدف الجماعة الجاليات؟
قال طارق أبو السعد إن جماعة الإخوان الإرهابية لجأت، بعد فقدان تأثيرها داخل الشارع المصري، إلى استهداف الجاليات المصرية في الخارج باعتبارها "بيئة خصبة"، مضيفًا أن المغترب يعيش حالة من الاغتراب المعلوماتي، فتأتي هذه المنصات لتقدم نفسها كصوت يدافع عنه، بينما هي في الحقيقة تبحث عن أداة ضغط على الدولة من الخارج. موضحًا؛ أن الأسلوب الأبرز الذي تعتمده الجماعة يقوم على إعادة تدوير مواد قديمة وإخراجها في قالب جديد وهو ما يعرف بالحيلة البصرية بحيث يظهر مقطع مصور من أحداث وقعت في بلد آخر أو في زمن سابق كأنه يعبر عن واقع الجاليات المصرية اليوم. مضيفًا؛ أن هذه الطريقة تعتمد على استغلال سرعة انتشار الفيديو القصير، وعدم قدرة كثير من المتلقين على التحقق الفوري من مصدره وزمنه.
الدليل على فشل هذه الاستراتيجية
قال أبو السعد إن المؤشرات الميدانية تؤكد تراجع تأثير هذه الحملات بشكل ملحوظ. مضيفًا؛ أن الأرقام والتقارير المتخصصة ترصد فجوة متزايدة بين حجم الإنتاج الرقمي لهذه المنصات من ناحية، وحجم التفاعل الحقيقي والتأثير الفعلي من ناحية أخرى. مشيرًا إلى أن الجاليات المصرية في أوروبا والخليج، ورغم تعرضها لضغوط اقتصادية واجتماعية حقيقية، رفضت الانخراط في دعوات التحريض التي أطلقتها المنصات الإخوانية، وفضلت في كثير من الأحيان تقديم مبادرات مساندة للدولة بدلاً من مواجهتها.
وأكد أبو السعد أن سبب هذا التراجع هو الوعي، مضيفًا أن المواطن المصري، سواء في الداخل أو الخارج، أصبح يميز بين من يتحدث عن مشكلاته ومن يستغله. مشيرًا؛ إلى أن الوعي الشعبي هو خط الدفاع الأول، وهو السلاح الأكثر فاعلية ضد من يحاول اختلاق الأكاذيب باسم حماية الجاليات. مؤكدًا؛ الإخوان لا يبنون علاقة مع الجاليات، بل يبنون وظيفة؛ وظيفتهم الوحيدة من الجاليات هي الضغط على الدولة المصرية، وتمرير أجندات قوى خارجية تستخدمهم كورقة مساومة. وأضاف أن من يتلقى الأموال من الخارج ليقول كلامًا معينًا عن الجاليات، لا يمكن أن يكون مدافعًا عنها، بل هو تاجر بأزماتها.
ستة مداخل لطرق حماية الوعي العام:
وحدد أبو السعد عدة مداخل رئيسية لحماية الوعي العام من فخ الشائعات المتعلقة بالجاليات.
أولاً، بناء علاقة مباشرة مع الجاليات
حيث إن المغترب إذا شعر أن الدولة تسمعه، وتستجيب لمطالبه، لن يلجأ إلى طرف يشترط ولاءه مقابل حديثه عن قضاياه. مشيرًا إلى أن القنوات الرسمية يجب أن تعمل بوتيرة أسرع، وأسلوب أقرب.
ثانياً، نشر ثقافة التحقق
وأكد أن "كل مقطع أو منشور عن الجاليات يجب أن يُسأل عنه ثلاثة أسئلة: من أنتجه؟ ومتى؟ ولماذا؟". وأضاف أن غرس هذه المنهجية، عبر الإعلام والمدارس والجامعات، يجعل الجمهور غير قابل للخداع بسهولة.
ثالثاً، كشف الإنتاج المعادي بشكل استباقي
وقال إن الاعتماد على رد الفعل بعد انتشار الشائعة خطأ استراتيجي، ويجب تفكيك المنصات ووسائل تمويلها قبل أن تصدر محتواها. وأشار إلى أن الجماعة "تستثمر في الرواية، لا في الحدث، ولا بد من مواجهتها في البنية قبل المحتوى".
رابعاً، إعطاء الجاليات دورًا في الحماية
وأوضح أبو السعد أن المواطن في الخارج قادر أن يكون سفيرًا لبلده إن تمكينه من ذلك، لا أن يُترك فريسة لمن يسعى لاختطافه. مضيفًا؛ أن الحماية الحقيقية للوعي العام تبدأ عندما يشعر المغترب أنه شريك، وليس طرفًا مراقبًا.
خامساً، تفعيل الرد القانوني دون استثناء
إن التواطؤ مع من يخدم أجندة معادية ليس تهمة عادية، بل مسؤولية كاملة، وكل من يتلقى أموالاً أو توجيهات من الخارج لترويج الأكاذيب عن الجاليات يجب أن يُحاسب دون استثناء، بغض النظر عن موقعه أو جنسيته.
سادساً، رعاية الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين
وأكد طارق؛ أن أبناء الجاليات من الجيل الثاني والثالث هم الأكثر عرضة للاختراق الفكري، لأنهم يفتقدون للمعرفة المباشرة بواقع مصر، ويعيشون بين ثقافتين. مؤكدًا؛ الاستثمار في تعليمهم، وربطهم بجذورهم، وفتح قنوات تواصل حقيقية معهم، هو حصن استراتيجي طويل المدى.
وعي شعبي يواجه آلة كذب
واختتم أبو السعد حديثه لـ اليوم السابع" بالإشارة إلى أن الحرب الحقيقية اليوم هي حرب إدراك، وأن الإخوان لا يستهدفون الجاليات، بل يستهدفون العلاقة بينها وبين الدولة؛ وإذا نجحنا في حماية هذه العلاقة، فإننا نحمي الوعي العام من فخ الشائعات، ونُسقط الحيلة البصرية بالوعي والبينة.
شائعات الترحيل والإقامة تستهدف إثارة القلق بين المصريين بالخارج
ومن جانبه يرى محمود عيشيش عضو المجلس الرئاسي لاتحاد المواطن المصري بالخارج؛ في تصريح خاص لـ" اليوم السابع" أن أخطر الشائعات هي تلك التي تستهدف العلاقة بين المواطن المصري ودولته، أو تحاول إثارة القلق بشأن أوضاع الجاليات المصرية في الدول التي يقيمون بها؛ ومن أبرزها تداول معلومات غير موثقة عن قرارات الترحيل والإقامة، أو الإدعاء بوجود أزمات جماعية تواجه المصريين في بعض الدول فضلًا عن تضخيم المشكلات الفردية وتصويرها وكأنها أزمات عامة تعاني منها الجالية بأكملها.
وأضاف عشيش؛ الحقيقة أن مثل هذه الشائعات قد تثير القلق بين أبناء الجاليات وأسرهم داخل مصر؛ وقد تؤثر على ثقة المواطنين في المعلومات المتداولة خاصة عندما يتعلق الأمر بمصيرهم الوظيفي أو القانوني أو باستقرار أسرهم، متابعًا؛ للأسف أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي من أبرز الوسائل التي تنتشر من خلالها الأخبار المضللة، خاصة مع وجود صفحات وحسابات مجهولة تنشر أخبارًا دون مصادر واضحة، أو تعيد تداول مقاطع فيديو قديمة باعتبارها أحداثا جديدة، كما ساهم تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي في زيادة صعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمفبرك؛ موضحًا؛ أن التمييز يبدأ من التحقق من مصدر الخبر وتاريخه وسياقه والرجوع إلى البيانات الرسمية الصادرة عن السفارات والقنصليات والجهات المختصة في دول الإقامة وعدم التعامل مع أي منشور باعتباره حقيقة لمجرد انتشاره على نطاق واسع.
تشكيل شبكة تطوعية من أبناء الجاليات لرصد المعلومات المضللة وتصحيحها
وأشار عضو المجلس الرئاسي لإتحاد المواطن المصرى بالخارج؛ إلى أن مواجهة الشائعة لا تكون بكثرة الحديث عنها وإنما بسرعة تقديم المعلومة الصحيحة من مصادر موثوقة، ومن الضروري وجود قنوات تواصل فعالة بين السفارات والقنصليات وممثلي الجاليات المصرية بحيث يتم توضيح الحقائق والرد على التساؤلات التي تشغل المواطنين في الوقت المناسب؛ كما يجب تجنب إعادة نشر الأخبار المضللة حتى بغرض تكذيبها والاكتفاء بنشر التصحيح والمعلومة الموثقة؛ مؤكدًا؛ أن مواجهة الشائعات لا تعني إنكار المشكلات الحقيقية التي تواجه المصريين بالخارج بل تتطلب الاعتراف بها والعمل على حلها؛ لأن الشفافية والمصداقية هما الأساس في بناء الثقة ومواجهة التضليل
وأشار عشيش أن أبناء الجاليات المصرية ، يمثلون قوة بشرية ووطنية كبيرة فهم ليسوا مجرد مواطنين يعيشون خارج حدود الوطن وإنما جسور تواصل بين مصر ومختلف شعوب العالم، ومن خلال علاقاتهم وخبراتهم ومعرفتهم بطبيعة المجتمعات التي يعيشون فيها يستطيعون نقل صورة واقعية ومتوازنة عن مصر والمصريين وتصحيح المعلومات غير الدقيقة بالحجة والمعلومة الموثقة؛ مؤكدًا على ضرورة الاستفادة من الكفاءات المصرية بالخارج خاصة الشباب والمتخصصين في الإعلام والتكنولوجيا والقانون والعلاقات العامة من خلال إنشاء شبكة تواصل تطوعية تضم ممثلين عن الجاليات في مختلف الدول تكون مهمتها رصد المعلومات المضللة والتحقق منها والمساعدة في نشر التوضيحات الصحيحة بالتنسيق مع الجهات المختصة، كما أن تمكين الأجيال الشابة من المشاركة في العمل العام للجاليات؛ أصبح ضرورة لما تمتلكه من أدوات حديثة وقدرة على التواصل مع المجتمعات المختلفة.
الوعي والمعلومة الموثقة خط الدفاع الأول عن الوطن
ووجه محمود عشيش رسالة إلى كل مصري يعيش خارج وطنه؛ أن انتماءنا لمصر مسؤولية قبل أن يكون مجرد شعور بالفخر والاعتزاز، علينا جميعا أن نتحلى بالوعي والمسؤولية وألا نسمح بتحويل مواقع التواصل الاجتماعي إلى وسيلة لنشر الخوف والقلق بين المواطنين وأسرهم، وأؤكد؛ كونوا مصدرا للمعلومة الصحيحة ولا تنساقوا وراء الأخبار مجهولة المصدر واحرصوا على نقل الصورة الحقيقية بموضوعية دون مبالغة أو تهوين؛ كما أن حب الوطن لا يعني الصمت عن المشكلات بل يعني طرحها بصدق والسعي إلى حلها والتمييز دائما بين النقد البناء والمعلومات المضللة ؛فالمصري بالخارج ليس مجرد سفير لوطنه بل شريك في الحفاظ على صورته ومصداقيته والوعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات