قال الدكتور مختار غباشي، الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات السياسية، إن شن عملية عسكرية جديدة ضد إيران يمثل مغامرة غير محسوبة العواقب، في ظل صعوبة تحديد مدتها أو ضمان احتواء الرد الإيراني، محذرًا من أن اتساع المواجهة قد يؤدي إلى تدخل أطراف أخرى ويزيد تعقيد الأوضاع في المنطقة.
وأوضح غباشي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد تكون لديه مصلحة في شن حرب على إيران في هذا التوقيت، بهدف تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، في ظل التحديات التي تواجه فرص نجاحه الانتخابي، بحسب تقديره.
الانتخابات الأمريكية تحد من فرص التصعيد العسكري
وأشار غباشي إلى أن الولايات المتحدة تواجه حسابات داخلية معقدة في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي، معتبرًا أن الدخول في حرب جديدة مع إيران قد يضع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام تحديات كبيرة، خاصة في ظل عدم القدرة على تحديد مدة العملية العسكرية أو ضمان طبيعة الرد الإيراني.
وأضاف أن اندلاع مواجهة جديدة، سواء بمشاركة أمريكية إسرائيلية أو بمبادرة إسرائيلية منفردة، قد يفتح الباب أمام تدخل أطراف أخرى، وهو ما يجعل تداعيات الصراع صعبة الاحتواء.
واستبعد غباشي، على المستوى التحليلي، إقدام واشنطن على عملية عسكرية جديدة قبل الانتخابات الأمريكية، موضحًا أن خسارة الحزب الجمهوري أغلبيته في مجلسي الشيوخ والنواب قد تخلق إشكاليات كبيرة أمام ترامب في إدارة البلاد خلال الفترة المتبقية من ولايته.
ارتفاع أسعار الطاقة يزيد الضغوط على ترامب
وأوضح غباشي أن ارتفاع أسعار الديزل والبنزين والتضخم، إلى جانب التكلفة اليومية للحرب، يزيد من الضغوط على المواطن الأمريكي، ويعزز حالة التردد داخل الإدارة الأمريكية بشأن الدخول في مواجهة جديدة. وأشار إلى أن سعر الديزل في الولايات المتحدة وصل، وفقًا لما ذكره، إلى نحو 6 دولارات و40 سنتًا، معتبرًا أن التداعيات الاقتصادية للحرب تجعل قرار التصعيد أكثر تعقيدًا.
وأضاف أن الاتصالات بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن بيع بعض منتجات الديزل إلى الولايات المتحدة أو دول الاتحاد الأوروبي تعكس حجم التشابكات المرتبطة بالصراع، في ظل اعتراضات داخلية أمريكية وضيق أوروبي من تطورات الأزمة، فضلًا عن تداعياتها على أوكرانيا.
ولفت غباشي إلى أن هناك أنباء عن توافق بين إيران وسلطنة عُمان بشأن فتح ممر في مضيق هرمز لمرور السفن، مشيرًا إلى أن طبيعة هذا الترتيب وآلياته، إلى جانب الرد الأمريكي على المقترحات الإيرانية، تظل من الملفات المؤثرة في مسار الأزمة.
غياب الثقة يعطل المفاوضات بين واشنطن وطهران
وأكد غباشي أن مسؤولية الجمود في المباحثات بين الولايات المتحدة وإيران مشتركة، موضحًا أن واشنطن لديها مطالب من طهران، في حين تطرح إيران شروطًا للتوصل إلى اتفاق بين الجانبين.
وأضاف أن انعدام الثقة يمثل عقبة أساسية أمام إدارة المفاوضات، إذ لا يثق الجانب الإيراني في الولايات المتحدة، كما لا تطمئن واشنطن إلى الجانب الإيراني، مشيرًا إلى أن الوساطة الباكستانية لم تحقق، بحسب قوله، سوى تبادل الرسائل بين الطرفين دون التوصل إلى اتفاق.
وأوضح غباشي أن إيران تتحدث عن استهداف مصادر الطاقة في المنطقة إذا تعرضت منشآتها للطاقة لهجمات، كما قد ترد باستهداف مصافي النفط في المنطقة إذا تعرضت مصافيها للقصف. وأشار إلى أن التطورات في اليمن تمثل عنصرًا مهمًا في الحسابات الأمريكية، خاصة في ظل احتمالات سيطرة الحوثيين على مواقع مؤثرة في مضيق باب المندب، وما قد يترتب على ذلك إذا اندلع صراع واسع بين واشنطن وطهران.
وأضاف أن إيران تتحدث عن انفتاح حساباتها على خيارات متعددة في حال تجدد المواجهة، محذرًا من احتمال دخول الحوثيين بصورة مباشرة على خط الصراع، فضلًا عن إمكانية توجيه حزب الله ضربات أخرى في ظل المواجهات مع إسرائيل، وهو ما يضيف مزيدًا من التعقيد إلى المشهد الإقليمي.
وقال غباشي إن الرهان الأمريكي على إخضاع إيران عبر العقوبات الاقتصادية والحصار البحري قد لا يحقق أهدافه، مشيرًا إلى أن طهران تعيش تحت الحصار منذ عام 1979، وأن العقوبات الأمريكية المفروضة عليها عام 2018 أدت، بحسب قوله، إلى وصول مبيعات النفط الإيراني إلى الصفر في ذلك الوقت.
وأوضح أن إيران لا تزال تمتلك منافذ جغرافية متعددة، لافتًا إلى أن بحر قزوين ما زال مفتوحًا أمامها، وأن حدودها البرية تمتد لنحو 6 آلاف كيلومتر مع سبع دول، معظمها يعارض العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، وفق تقديره. واعتبر أن الرهان الإيراني يتمثل في مدى قدرة الولايات المتحدة على تحمل الخسائر الناتجة عن الحرب، وقدرة المجتمع الدولي على التحرك في مواجهة تداعيات إغلاق مضيق هرمز.
واشنطن أخطأت في تقدير قدرة إيران على الصمود
وأشار غباشي إلى أن الولايات المتحدة أخطأت في تقدير قدرة إيران على الصمود، موضحًا أنها لم تكن تتوقع استمرار النظام الإيراني بعد اغتيال المرشد وعدد من أركان النظام، أو قدرته على مواصلة المواجهة والرد على الضربات.
وأضاف أن إيران صمدت، بحسب وصفه، خلال مراحل متعاقبة من الحرب والمفاوضات، معتبرًا أن الولايات المتحدة أصبحت منغمسة في الصراع، وأن خروجها منه قد يتطلب تقديم تنازلات أو تحمل كلفة استراتيجية كبيرة، خصوصًا فيما يتعلق بموقعها في المنطقة.