من يختبئ خلف الشاشات؟.. كيف توظف شبكات الإخوان تعدد المنصات وتدوير الشائعات لصناعة رأى عام مواز؟.. وواجهات رقمية ورسائل متكررة تعيد إنتاج الرواية الواحدة في صورة عشرات الأصوات وتستهدف الثقة فى مؤسسات الدولة

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 02:00 م
من يختبئ خلف الشاشات؟.. كيف توظف شبكات الإخوان تعدد المنصات وتدوير الشائعات لصناعة رأى عام مواز؟..  وواجهات رقمية ورسائل متكررة تعيد إنتاج الرواية الواحدة في صورة عشرات الأصوات وتستهدف الثقة فى مؤسسات الدولة الاخوان

كتب: عزوز الديب

لم تعد معركة التأثير الإعلامي في العصر الرقمي تُحسم بعدد القنوات التي تمتلكها جهة ما، أو بحجم الجمهور الذي يتابع منصاتها بصورة مباشرة، بل بقدرتها على التحكم في مسار الرسالة منذ لحظة إنتاجها وحتى وصولها إلى المستخدم في صورة خبر متداول أو مقطع واسع الانتشار أو قضية تتصدر النقاش العام. وفي هذا السياق، يبرز ملف الإعلام المرتبط بجماعة الإخوان الإرهابية  بوصفه نموذجًا يستحق الفحص، ليس فقط من زاوية الخطاب السياسي الذي تتبناه بعض منصاته، وإنما أيضًا من زاوية البنية التي تسمح بتعدد الواجهات، وإعادة تدوير المحتوى، وتوسيع نطاق الوصول، وإخفاء الروابط المحتملة بين الجهات الناشرة.

فالمشهد لا يتوقف عند قنوات فضائية تبث من الخارج، أو مواقع إلكترونية تتبنى توجهات سياسية متقاربة، وإنما يمتد إلى فضاء رقمي أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه الحسابات والصفحات ومجموعات إعادة النشر والمنصات التي تستهدف جماهير مختلفة. وفي هذه البيئة، يمكن للمادة الواحدة أن تنتقل بين أكثر من وسيط، وأن تظهر في كل مرة بصياغة أو عنوان مختلف، قبل أن تعود إلى الواجهة باعتبارها موضوعًا يشغل قطاعات واسعة من المستخدمين.

وتكمن أهمية هذه الظاهرة في أن كثافة التداول قد تمنح الرواية انطباعًا بالقوة والانتشار، حتى عندما لا تتوافر أدلة كافية على دقتها أو على حجم التأييد الشعبي الذي تحظى به. ومن هنا، يصبح السؤال الأساسي: كيف تتكون دوائر التأثير الرقمي؟ وما الذي يجعل الرسالة الواحدة تبدو أحيانًا وكأنها صادرة عن عشرات المصادر المستقلة؟ وأين تنتهي حرية إعادة النشر، وتبدأ ممارسات التنسيق المتعمد أو التضليل المنظم؟

تعدد الواجهات لا يعني بالضرورة تعدد المصادر

أحد أبرز التحولات التي فرضتها البيئة الرقمية هو أن الوصول إلى الجمهور لم يعد يتطلب امتلاك مؤسسة إعلامية كبيرة تحمل اسمًا معروفًا أو هوية سياسية معلنة. فقد باتت المنصات قادرة على الوصول إلى المستخدمين عبر مواقع إخبارية، وصفحات عامة، وحسابات شخصية، وقنوات للمحتوى القصير، ومجموعات متخصصة في موضوعات بعيدة ظاهريًا عن السياسة.

وتتيح هذه التعددية، من حيث المبدأ، فرصًا واسعة للتعبير وتنوعًا في مصادر المعلومات، لكنها قد تتحول إلى أداة للتأثير المنظم عندما تُستخدم واجهات مختلفة لترويج الرسالة نفسها، مع إخفاء الروابط التنظيمية أو التحريرية بينها. ففي هذه الحالة، لا يرى المستخدم بالضرورة مصدرًا واحدًا يعيد نشر موقفه، بل يواجه محتوى متشابهًا صادرًا عن حسابات تحمل أسماء وصورًا وخصائص مختلفة.

وفي ما يتعلق بالمنصات المرتبطة بجماعة الإخوان، فإن فهم طبيعة هذا المشهد يتطلب التمييز بين الوسائل التي تعلن انتماءها السياسي، والوسائل التي تتبنى خطابًا متقاربًا، والحسابات التي قد تتشارك في نشر محتوى بعينه. فالتشابه في المواقف لا يكفي وحده لإثبات وجود إدارة مركزية مشتركة، لكن تكرار الرسائل والتزامن في النشر والروابط الإدارية أو المالية، إذا ثبتت بوثائق وأدلة مستقلة، يمكن أن يساعد في رسم خريطة أكثر دقة لشبكات التأثير.

وهنا تصبح عملية تتبع المصدر أكثر أهمية من الاكتفاء بمراقبة العنوان؛ لأن المنصة التي تبدو مستقلة في واجهتها قد تحتاج إلى فحص أعمق لملكية الموقع، وفريق إدارته، ومصادر تمويله، وطبيعة علاقته بالجهات الأخرى التي تتقاطع معها في المحتوى.

شركات وعناوين افتراضية.. أين تنتهي الواجهة القانونية ويبدأ النشاط الفعلي؟

يمثل تتبع الكيانات القانونية المسجلة في الخارج أحد المسارات المهمة لفهم البنية الإدارية والاقتصادية لأي شبكة إعلامية عابرة للحدود. فوجود شركة مسجلة في دولة أجنبية، أو استخدام عنوان لتلقي المراسلات، لا يكشف وحده طبيعة النشاط الحقيقي، كما لا يثبت تلقائيًا وجود علاقة تنظيمية أو مالية بينها وبين جماعة سياسية بعينها.

لكن أهمية هذا الملف تظهر عندما تتعدد الكيانات المرتبطة بأنشطة الإنتاج الإعلامي أو البث أو إدارة المواقع والخدمات الرقمية، بما يستدعي فحصًا متكاملًا للسجلات الرسمية والملكية الفعلية والعلاقات التجارية المعلنة.

وفي الحالة التي يتناولها التقرير، تبرز لندن وغيرها من مراكز تسجيل الشركات بالخارج بوصفها نطاقًا يستدعي التدقيق في الهياكل القانونية التي تقف خلف بعض الأنشطة الإعلامية، لا باعتبار أن التسجيل في الخارج دليل إدانة، وإنما لأنه أحد الخيوط التي يمكن أن تقود إلى فهم طبيعة النشاط والجهات المسؤولة عنه.

وتبدأ عملية الفحص من أسئلة محددة: من المالك المسجل؟ وهل توجد معلومات متاحة عن المستفيد الحقيقي؟ وما طبيعة النشاط المعلن؟ وهل تتطابق بيانات الشركة مع حجم النشاط الذي تنفذه؟ وهل توجد علاقات موثقة بينها وبين شركات إنتاج أو بث أو نشر أخرى؟

ولا تكتمل الإجابة إلا بجمع الأدلة من مصادر متعددة، والتمييز بين البيانات المثبتة في السجلات الرسمية، والاستنتاجات التي تسمح بها الوثائق، والادعاءات التي لا تزال بحاجة إلى تحقق. فالقيمة الحقيقية لأي تحقيق في هذا الملف لا تكمن في إثارة الشبهات، وإنما في تحويل الروابط المحتملة إلى معلومات قابلة للفحص والمراجعة.

من صناعة الخبر إلى صناعة الانطباع
 

في الإعلام التقليدي، يرتبط تأثير الخبر بدرجة كبيرة بمضمونه ومصدره وطريقة معالجته، أما في البيئة الرقمية، فقد يصبح حجم التداول نفسه عاملًا مؤثرًا في الطريقة التي ينظر بها الجمهور إلى القضية، إذ يمكن للتكرار والتفاعل وإعادة النشر أن تمنح موضوعًا معينًا حضورًا يتجاوز حجمه الفعلي أو أهميته الموضوعية.

وتعتمد هذه الآلية على سلسلة من العمليات تبدأ باختيار قضية قابلة لإثارة الاهتمام، ثم صياغتها من زاوية محددة، وإعادة نشرها عبر منصات مختلفة، قبل توسيع نطاق تداولها من خلال التعليقات والمقاطع المختصرة والوسوم والمنشورات التي تستدعي مزيدًا من التفاعل.

وإذا تكررت الرسالة في توقيتات متقاربة، فقد يبدو للمستخدم أن عددًا كبيرًا من المصادر يتحدث عن القضية بصورة مستقلة، بينما قد تكون بعض المنشورات مجرد إعادة إنتاج للمادة الأصلية. ومع ذلك، فإن إثبات وجود حملة منسقة يتطلب أكثر من ملاحظة التشابه؛ إذ ينبغي فحص التوقيتات وأنماط النشر والروابط التقنية أو التنظيمية المتاحة، وعدم الخلط بين التفاعل الطبيعي والتنسيق المتعمد.

وفي هذا السياق، لا تكون المعركة بالضرورة حول إقناع الجمهور بكل تفاصيل الرواية المطروحة، بل قد يمتد تأثير المحتوى إلى تحديد القضايا التي يتحدث عنها الناس، والزوايا التي ينظرون من خلالها إلى الأحداث، والأسئلة التي تتقدم على غيرها في النقاش العام.

فحين ينجح المحتوى في فرض نفسه على مساحة واسعة من التداول، يصبح حضوره جزءًا من المشهد، حتى قبل التحقق من صحة المعلومات التي يتضمنها.

شراء الصفحات.. اختصار الطريق إلى جمهور لم يختر الخطاب السياسي
 

يمثل الاستحواذ على صفحات رقمية قائمة، أو تغيير طبيعة المحتوى الذي تقدمه، أحد الأساليب التي تستحق المتابعة عند تحليل التحولات المفاجئة في هوية الحسابات والمنصات. فالصفحة التي بنت جمهورها عبر سنوات من نشر المحتوى الرياضي أو الفني أو الترفيهي تمتلك ميزة لا تتوافر بالضرورة لصفحة سياسية جديدة، تتمثل في قاعدة متابعين جاهزة اعتادت التفاعل معها.

وإذا تغيرت هوية الصفحة أو توجهها التحريري بصورة مفاجئة، فقد تنتقل إلى جمهورها رسائل لم يكن يتوقع تلقيها عند بدء المتابعة. وقد يحدث ذلك نتيجة تغيير الإدارة أو بيع الصفحة أو إعادة توظيفها لأغراض تجارية أو سياسية، لكن تحديد الدافع في كل حالة يتطلب أدلة مستقلة على عملية الاستحواذ وطبيعة الإدارة الجديدة.

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تتزامن التحولات في هوية الصفحات مع انتقال مكثف إلى نشر موضوعات سياسية أو مواد مثيرة للجدل، خصوصًا إذا تكررت أنماط النشر ذاتها عبر أكثر من منصة.

فالمعادلة هنا لا تتعلق بمجرد امتلاك حساب ذي أعداد كبيرة من المتابعين، وإنما بكيفية تحويل قاعدة جماهيرية تكونت حول اهتمام معين إلى قناة للوصول إلى شرائح أوسع برسائل مختلفة. ولهذا، يصبح رصد تاريخ تغيير أسماء الصفحات، وطبيعة محتواها قبل التحول وبعده، ومصادر المنشورات، خطوة أساسية لفهم ما يجري.

 غرف التنسيق واللجان الإلكترونية.. متى يصبح التكرار دليلًا يستحق الفحص؟
 

تمنح أدوات النشر الرقمي القدرة على توزيع المحتوى بسرعة كبيرة، كما تسمح بإعادة نشر المادة الواحدة عبر منصات متعددة خلال وقت قصير. لكن الانتقال من مجرد إعادة النشر إلى الحديث عن غرف عمليات أو لجان إلكترونية منظمة يحتاج إلى مؤشرات أكثر تحديدًا، من بينها أنماط التوقيت المتكرر، وتطابق المواد المنشورة، واستخدام صياغات أو وسوم مشتركة بصورة غير معتادة، فضلًا عن الأدلة التي تكشف وجود إدارة أو تنسيق مشترك.

وتكمن أهمية هذه المؤشرات في أنها تساعد على التمييز بين انتشار المحتوى نتيجة اهتمام الجمهور به، وبين تضخيمه من خلال نشاط منظم. فليس كل اتفاق في المواقف دليلًا على وجود غرفة عمليات، وليس كل انتشار واسع حملة موجهة، لكن اجتماع عدة مؤشرات مستقلة قد يستدعي تحقيقًا أعمق.

وبالنسبة إلى المحتوى السياسي المرتبط بجماعة الإخوان، فإن تحليل هذه الأنماط يمكن أن يكشف كيف تنتقل بعض الرسائل من المنصات الأكثر تخصصًا إلى دوائر أوسع من المستخدمين، وكيف تتغير صياغة المادة أثناء انتقالها بين الحسابات، وما إذا كانت هناك روابط موثقة بين الجهات التي تتولى نشرها.

ويجب ألا يقتصر الرصد على عدّ المنشورات أو قياس حجم التفاعل، بل يمتد إلى تحديد المصدر الأول للمادة، وتوقيت ظهورها، ومدى احتفاظ النسخ المتداولة بالسياق الأصلي، وطبيعة التعديلات التي طرأت عليها.

الذكاء الاصطناعي يوسع مساحة التلاعب.. لكنه لا يعفي من التحقق
 

أضافت أدوات الذكاء الاصطناعي تحديات جديدة إلى بيئة المعلومات، بعدما أصبح إنتاج صور وأصوات ومقاطع مرئية مصطنعة أكثر سهولة، إلى جانب إمكانية تعديل مواد حقيقية أو تركيبها في سياقات مختلفة. ويؤدي ذلك إلى زيادة صعوبة التمييز بين المحتوى الأصلي والمحتوى المعدل، خصوصًا عندما ينتشر المقطع بعيدًا عن مصدره الأول.

وتتضاعف المشكلة عندما يُدمج المحتوى المشكوك فيه داخل دورة إعادة النشر؛ فقد يظهر أولًا في حساب غير معروف، ثم تنقله صفحات أخرى بوصفه مادة متداولة، قبل أن تتحول ردود الفعل عليه إلى موضوع مستقل تتناوله مواقع أو حسابات إضافية.

وبهذه الطريقة، يمكن أن تنتقل المادة من مجرد ادعاء غير موثق إلى قضية تثير الجدل، من دون أن يمر تداولها بالضرورة بمرحلة تحقق جاد من صحتها أو من سياقها.

ومع ذلك، لا يمكن نسبة كل محتوى مفبرك أو مضلل إلى جهة بعينها من دون أدلة على المصدر أو المسؤولية. فالتعامل المهني مع هذه الظاهرة يبدأ بفحص النسخة الأصلية، والبحث عن أقدم ظهور للمادة، ومراجعة السياق الزمني والمكاني، ومقارنة التفاصيل بمصادر مستقلة، والاستعانة بأدوات التحقق المناسبة عند الحاجة.

كما أن اكتشاف مؤشرات التلاعب التقني لا يكفي وحده لتحديد الجهة التي أنتجت المادة أو الغرض من نشرها؛ إذ يظل إسناد المسؤولية خطوة منفصلة تحتاج إلى أدلة إضافية.

الأزمات الاقتصادية والخدمية.. لماذا تصبح الوقائع اليومية مادة للصراع الإعلامي؟
 

تمثل القضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، مثل الأسعار والخدمات وفرص العمل والأوضاع الاقتصادية، موضوعات شديدة الحساسية في المجال العام، لأنها ترتبط بتجارب مباشرة ومخاوف واقعية. ولهذا، فإن تداول المعلومات بشأنها يمكن أن يتسع بسرعة، خصوصًا عندما تتقاطع الوقائع مع حالة من القلق أو عدم اليقين.

وتستطيع المنصات السياسية توظيف هذه القضايا ضمن خطابها، من خلال اختيار جوانب بعينها من الحدث، أو إبراز أرقام من دون سياقها الكامل، أو إعادة تداول وقائع قديمة باعتبارها جديدة، أو تقديم استنتاجات تتجاوز ما تثبته المعلومات المتاحة.

لكن التمييز هنا ضروري بين النقد السياسي المشروع، والتغطية الصحفية للأزمات، وبين نشر معلومات كاذبة أو مضللة عن عمد. فليس كل انتقاد للمؤسسات حملة منظمة، وليس كل خبر سلبي شائعة، كما أن وجود مشكلة فعلية لا يمنح أي جهة الحق في تحريف تفاصيلها أو استغلالها بمعلومات غير دقيقة.

وتزداد الحاجة إلى التدقيق عندما تُستخدم الأزمة نفسها في صيغ متعددة، ويُعاد تقديمها على منصات مختلفة بما يوحي بوجود وقائع جديدة، رغم أن المحتوى المتداول قد يستند إلى مصدر واحد أو إلى معلومات سبق نشرها.

ومن هنا، يصبح التعامل مع هذه المواد قائمًا على التحقق من البيانات وتواريخها ومصادرها، وفصل الوقائع المثبتة عن التفسيرات السياسية، بدلًا من الاكتفاء بالانطباع الذي يصنعه حجم التداول.

التمويل والملكية.. الحلقة التي لا يكفي فيها تشابه الخطاب
 

تتطلب إدارة المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية موارد مالية وبشرية وتقنية، تشمل الإنتاج والبث والاستضافة والأجور والإعلانات والترويج وإدارة الحسابات. ولهذا، فإن دراسة البنية الاقتصادية لأي شبكة إعلامية تظل جزءًا مهمًا من فهم قدرتها على الاستمرار والتوسع.

وفي حالة المنصات التي يُشتبه في ارتباط بعضها بشبكات سياسية عابرة للحدود، يصبح من الضروري فحص مصادر التمويل المعلنة، والعلاقات التجارية، وبيانات الملكية، والعقود المتاحة، وأي مستندات يمكن أن توضح طبيعة الصلات بين الكيانات المختلفة.

غير أن تشابه الخطاب أو تقارب المواقف لا يثبت وحده وجود تمويل مشترك، كما أن تسجيل شركات متعددة في دولة واحدة لا يعني بالضرورة أنها تعمل تحت إدارة واحدة. فإثبات هذه الروابط يحتاج إلى وثائق مالية أو قانونية أو أدلة موثوقة أخرى، مع التمييز بين المالك القانوني والمستفيد الحقيقي والجهة التي تتولى الإدارة التحريرية.

ويمنح هذا النهج التحقيق قدرة أكبر على الانتقال من وصف المشهد إلى تفسيره؛ إذ لا يكفي القول إن عددًا من المنصات يكرر الرسالة نفسها، بل ينبغي تحديد ما إذا كانت هناك بنية مشتركة تقف خلف هذا التكرار، وما الأدلة التي تثبتها، وما حدود ما يمكن استنتاجه منها.

حين يصبح التشكيك في كل شيء نتيجة للتضليل
 

لا يقتصر أثر المحتوى المضلل على دفع الجمهور إلى تصديق معلومة خاطئة، بل قد يمتد إلى إضعاف قدرته على التمييز بين المعلومات الصحيحة وغير الصحيحة. فعندما تتكرر الروايات المتعارضة، وتنتشر المقاطع غير الموثقة، وتختلط الأخبار بالتعليقات والاستنتاجات، قد يصل بعض المستخدمين إلى حالة من الشك العام تجعل التحقق أكثر صعوبة.

وفي هذه البيئة، لا يكون النجاح مرتبطًا بالضرورة بإقناع الجميع برواية محددة، وإنما قد يتحقق جزء من التأثير عندما يفقد الجمهور الثقة في إمكانية الوصول إلى معلومة دقيقة، أو عندما يتعامل مع جميع المصادر باعتبارها متساوية في المصداقية، بصرف النظر عن الأدلة التي تقدمها.

وتزداد خطورة هذا النمط عندما تُستخدم وقائع حقيقية داخل سياقات مضللة؛ لأن وجود جزء صحيح في المادة قد يمنح بقية عناصرها مصداقية لا تستحقها. وقد يكون الخبر صحيحًا في أصله، لكن تاريخه قديم، أو صورته من مكان مختلف، أو تفسيره لا يتفق مع تفاصيل الواقعة.

لذلك، لا تتوقف مواجهة التضليل عند نفي الأخبار غير الصحيحة، بل تشمل تقديم المعلومات الموثقة في توقيت مناسب، وإتاحة البيانات القابلة للفحص، وتوضيح ما هو معروف وما لا يزال غير محسوم، ورفع قدرة الجمهور على التمييز بين الخبر والرأي والاستنتاج.

تفكيك الشبكة يبدأ من تتبع المصدر لا مطاردة المنشور
 

تكشف التحولات التي شهدها الإعلام الرقمي أن التعامل مع شبكات التأثير لا يمكن أن يقتصر على متابعة كل حساب على حدة، لأن المنشور الواحد قد يُحذف ثم يعود في صورة أخرى، وقد تنتقل الرسالة بين منصات متعددة لا يجمعها اسم ظاهر أو هوية بصرية مشتركة.

ولهذا، فإن الفهم الدقيق للظاهرة يتطلب بناء خريطة للعلاقات بين المصادر، وتتبع مسار المحتوى من ظهوره الأول إلى نسخه المتداولة، وتحليل التوقيتات والروابط والملكية، مع توثيق كل استنتاج وفقًا للأدلة التي يستند إليها.

وفي ما يتعلق بالمنصات المرتبطة بجماعة الإخوان، فإن هذا المسار يتيح فحص طبيعة العلاقة بين القنوات والمواقع والحسابات، بدلًا من افتراض أن جميعها تعمل بالضرورة تحت إدارة موحدة. كما يساعد على تحديد الفارق بين منصة تتبنى موقفًا سياسيًا، وأخرى تعيد نشر موادها، وحساب يشارك في حملة منسقة ثبت وجودها بالأدلة.

ويظل التحقق المستقل هو العنصر الحاسم في هذه العملية؛ فكلما كانت المعلومات المتعلقة بالملكية والتمويل والتنسيق موثقة، أصبح من الممكن تقديم صورة أكثر دقة عن البنية الإعلامية، بعيدًا عن التعميم أو الاكتفاء بالاستنتاجات غير المدعومة.

معركة الرواية.. كيف يتحول المحتوى المتكرر إلى انطباع عام؟

في المحصلة، لا تتمثل القضية الأساسية في عدد المنصات التي تظهر في المشهد، وإنما في الكيفية التي تتفاعل بها هذه المنصات معًا، وفي مدى قدرتها على توسيع انتشار رسالة معينة أو إعادة تقديمها من زوايا متعددة. فالتأثير الرقمي لا يتشكل من المحتوى وحده، بل من علاقته بالمصدر والتوقيت والجمهور وسياق التداول.

وفي حالة الإعلام المرتبط بجماعة الإخوان الإرهابية ، يظل فحص المنظومة العابرة للحدود ضروريًا لفهم أدوات الخطاب السياسي، وأنماط إعادة النشر، والروابط المحتملة بين الكيانات الإعلامية، ومدى توظيف المنصات الرقمية في التأثير على النقاش العام. لكن الوصول إلى نتائج دقيقة يتطلب الفصل بين ما تثبته السجلات، وما تكشفه أنماط النشر، وما يحتاج إلى تحقيق إضافي.

فالرواية المضللة لا تكتسب المصداقية لمجرد تكرارها، كما أن كثافة تداولها لا تعني أنها تعبر عن اتجاه شعبي واسع. وبين المصدر الأصلي والنسخ المتداولة، وبين المعلومة والتفسير، وبين النشاط الطبيعي والتنسيق المنظم، تتحدد قدرة الجمهور على فهم ما يجري بدلًا من الاكتفاء بما يظهر على الشاشة.

وهنا تبدأ المواجهة الحقيقية: في كشف مصدر الرسالة، وفحص الأدلة التي تستند إليها، وتحديد الروابط بين الجهات الناشرة عندما تكون قابلة للإثبات، وإعادة الاعتبار إلى التحقق بوصفه معيارًا للحكم على المعلومات. فامتلاك المنصة لا يعني امتلاك الحقيقة، وتكرار الرواية لا يحولها إلى حقيقة، والانتشار الرقمي لا يمثل بديلًا عن الدليل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة