لم تعد الشائعات المتداولة عبر المنصات الرقمية مجرد أخبار كاذبة عابرة، بل باتت تمثل إحدى الأدوات التي تعتمد عليها منصات جماعة الإخوان الإرهابية في محاولاتها للتأثير على الرأي العام، وإعادة تشكيل نظرة المواطنين إلى الأحداث، واستغلال الأزمات والوقائع المختلفة لبث الشكوك وضرب الثقة في مؤسسات الدولة.
وتقوم هذه الآلية على توظيف المعلومات المبتورة، والمقاطع المصورة المنتزعة من سياقها، والعناوين المثيرة، إلى جانب التكرار المكثف للروايات نفسها عبر حسابات ومنصات متعددة، بما يمنح الادعاءات المتداولة مظهر الانتشار الواسع، حتى إن كانت تستند إلى مصدر واحد غير موثوق أو إلى معلومات سبق نفيها.
وفي ظل سرعة تداول المحتوى الرقمي، لم تعد خطورة الشائعة مرتبطة فقط بمضمونها، وإنما بقدرتها على الوصول إلى المتلقي قبل إتاحة الفرصة أمامه للتحقق من صحتها، وهو ما يجعل معركة الوعي إحدى أهم ساحات المواجهة مع حملات التضليل الموجهة.
صناعة رواية موازية.. كيف تتحول الواقعة إلى أداة للتضليل؟
تعتمد منصات الجماعة الإرهابية، في هذا السياق، على تجاوز حدود نقل الحدث إلى محاولة فرض تفسير محدد له، إذ تنطلق من واقعة جزئية أو معلومة غير مكتملة، ثم تحيطها بتعليقات وتأويلات سياسية، لتقدم في النهاية رواية تبدو متماسكة في ظاهرها، رغم أن أساسها قد يكون مضللًا أو يفتقر إلى الأدلة الكافية.
وتكمن خطورة هذا الأسلوب في الفصل بين الواقعة الحقيقية والسياق الذي تُعرض من خلاله؛ فقد يكون الحدث قد وقع بالفعل، لكن طريقة تقديمه، والمعلومات التي جرى إبرازها أو إخفاؤها، والاستنتاجات التي أُلحقت به، يمكن أن تقود المتلقي إلى فهم مختلف تمامًا عن حقيقة ما حدث.
وبهذه الطريقة، تتحول الوقائع من مادة يفترض أن تساعد المواطن على فهم ما يجري إلى أدوات لتوجيه انطباعاته، عبر التركيز على الجوانب المثيرة للغضب أو القلق، وتجاهل التفاصيل التي قد تغير دلالة الحدث أو تضعه في إطاره الصحيح.
التكرار وإعادة التدوير.. حين تبدو الأكذوبة وكأنها حقيقة
يمثل التكرار أحد أبرز الأساليب التي تستند إليها حملات التضليل الرقمي، إذ لا تكتفي المنصة بنشر الادعاء مرة واحدة، بل تعيد تقديمه في صور متعددة، من خلال عناوين جديدة، ومنشورات مختصرة، ومقاطع مصورة، وتعليقات متداولة، بما يضمن بقاء الرواية حاضرة أمام الجمهور لأطول فترة ممكنة.
ولا يعني تعدد المنشورات بالضرورة تعدد المصادر أو وجود أدلة مستقلة تؤكد صحة المعلومة؛ فقد تكون عشرات الحسابات قد أعادت نشر محتوى واحد، ثم تبدو كثافة تداوله وكأنها دليل على صحته، رغم أن جميع النسخ تعود في النهاية إلى أصل واحد غير موثوق.
وتستهدف هذه الآلية ترسيخ الرواية في ذهن المتلقي من خلال تكرار التعرض لها، مستفيدة من سرعة المشاركة على المنصات الرقمية، ومن ميل بعض المستخدمين إلى إعادة نشر المحتوى الذي يثير مشاعرهم قبل التحقق من مصدره أو مراجعة تفاصيله.
وهكذا لا تصبح الشائعة مجرد معلومة مغلوطة، بل رواية يجري ضخها باستمرار، مع تغيير شكلها وتوقيت نشرها، بما يساعد على إبقائها متداولة حتى بعد ظهور معلومات تناقضها.
من استغلال الأزمات إلى التشكيك في مؤسسات الدولة
لا تتوقف أهداف حملات التضليل عند مهاجمة قرار بعينه أو استغلال واقعة محددة، وإنما تمتد إلى محاولة تعميم الانطباعات السلبية على مؤسسات الدولة، من خلال تقديم الأخطاء الفردية أو الأزمات المحدودة باعتبارها دليلًا على فشل شامل، أو استخدام واقعة واحدة لبناء أحكام مطلقة على أداء مؤسسات بأكملها.
وفي هذا الإطار، يجري توظيف الأحداث التي تثير اهتمام المواطنين، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو خدمية، لإعادة تقديمها ضمن روايات سياسية تستهدف تعميق حالة الغضب والشك، دون الالتزام بالتمييز بين الوقائع الثابتة والتفسيرات التي تُضاف إليها.
وهنا تبرز أهمية الفصل بين النقد المشروع والدعاية الموجهة؛ فالنقد المسؤول يركز على السياسات والقرارات، ويحدد أوجه القصور، ويطرح بدائل للحل، بينما تتجه حملات التشويه إلى توسيع نطاق الاتهام وتعميمه، بحيث تتحول مناقشة مشكلة محددة إلى محاولة لنزع الثقة بصورة شاملة.
ولا تعني مواجهة التضليل تجاهل الأخطاء أو التقليل من أهمية المساءلة، بل تعني التعامل مع الوقائع على أساس المعلومات الموثقة، بعيدًا عن التعميمات والاستنتاجات التي لا تسندها أدلة واضحة.
الصورة حقيقية.. لكن القصة قد تكون مفبركة
من أخطر أساليب التضليل الرقمي إعادة استخدام مواد حقيقية خارج سياقها الأصلي؛ فقد تُنشر صورة قديمة باعتبارها حديثة، أو يُعرض مقطع مصور من مكان مختلف على أنه يوثق واقعة محلية، أو يُقتطع جزء من تصريح بما يحجب المعنى الكامل للكلام.
وتكتسب هذه الطريقة تأثيرها من اعتمادها على عنصر حقيقي يمنح المحتوى قدرًا من المصداقية الظاهرية، إذ قد يرى المتلقي صورة أو فيديو حقيقيًا، فيفترض أن التفسير المصاحب له صحيح بالضرورة، دون أن ينتبه إلى احتمال اختلاف الزمان أو المكان أو المناسبة.
كما يمكن أن يؤدي حذف أجزاء من التصريحات أو تجاهل المعلومات المكملة إلى تغيير دلالة الرسالة بالكامل، بما يسمح بتقديم المواقف والقرارات في صورة مغايرة لمضمونها الأصلي.
ومن ثم، فإن التحقق من المحتوى لا يقتصر على التأكد من وجود الصورة أو الفيديو، وإنما يتطلب مراجعة مصدره الأصلي، وتاريخ نشره، ومكان تصويره، والسياق الذي ورد فيه، ومقارنته بالمعلومات المتاحة من مصادر موثوقة.
لماذا يمثل التحقق الرقمي نقطة ضعف أمام ماكينة الشائعات؟
تعتمد الشائعة على سرعة انتشارها قبل أن تخضع للفحص، ولذلك فإن التوقف أمام المحتوى المتداول وطرح أسئلة بسيطة بشأن مصدره وتاريخه وأدلته يمكن أن يحد من تأثيره بصورة كبيرة.
فبدلًا من التعامل مع العنوان المثير باعتباره حقيقة مكتملة، ينبغي البحث عن المصدر الأصلي، ومراجعة البيانات الرسمية ذات الصلة، ومقارنة الرواية المتداولة بتغطيات وسائل الإعلام المهنية، مع التمييز بين المعلومة المؤكدة والتعليق أو التفسير الشخصي.
كما أن غياب اسم واضح للمصدر، أو الاعتماد على عبارات من قبيل «مصادر مطلعة» دون تفاصيل يمكن التحقق منها، أو استخدام صور لا تتطابق مع الحدث، كلها مؤشرات تستدعي الحذر، وإن لم تكن وحدها دليلًا قاطعًا على كذب المحتوى.
وتزداد أهمية هذه المهارات في ظل تحول الهاتف المحمول إلى وسيلة رئيسية للحصول على الأخبار وتداولها؛ فالمستخدم لم يعد مجرد متلقٍ للمعلومة، بل أصبح قادرًا بضغطة واحدة على نقلها إلى دوائر واسعة من المتابعين، وهو ما يجعل مسؤوليته عن التحقق جزءًا أساسيًا من الحد من انتشار الشائعات.
المواجهة لا تعني رفض النقد.. بل حماية الحقيقة من التوظيف السياسي
تتطلب مواجهة حملات التضليل إدراكًا واضحًا للفارق بين تداول معلومة غير صحيحة، وطرح انتقاد يستند إلى وقائع، وبين توظيف حدث أو أزمة لتوجيه الجمهور نحو استنتاجات سياسية لا تدعمها الأدلة.
فالوعي الحقيقي لا يقوم على رفض كل ما هو سلبي، ولا على التسليم بصحة كل ما يصدر عن أي جهة، وإنما على الاحتكام إلى المعلومات الموثقة، وفحص الادعاءات، ومناقشة السياسات والقرارات بصورة موضوعية.
وفي المقابل، تقع على عاتق المؤسسات المعنية مسؤولية توفير المعلومات الدقيقة في التوقيت المناسب، والرد على الادعاءات المغلوطة ببيانات واضحة يمكن التحقق منها، بما يحد من المساحات التي قد تستغلها الحسابات المجهولة والروايات غير الموثقة.
كما يتحمل الإعلام المهني مسؤولية تقديم تغطية دقيقة ومتوازنة، لا تكتفي بنقل الادعاءات، وإنما تفحصها وتوضح سياقها، بينما يتعين على مستخدمي المنصات الرقمية تجنب إعادة نشر المحتوى المشكوك فيه قبل التحقق منه.
الوعي المجتمعي.. خط الدفاع الأول في معركة المعلومات
لا يمكن اختزال مواجهة الشائعات في الرد على كل منشور على حدة، لأن استمرار تدفق المحتوى المضلل يجعل هذه المواجهة أكثر تعقيدًا من مجرد نفي ادعاء بعد انتشاره. والأكثر فاعلية هو بناء وعي مجتمعي قادر على اكتشاف أنماط التضليل، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين الواقعة وتفسيرها، وبين المصدر الأصلي والنسخ التي تعيد تدوير المحتوى.
ويبدأ ذلك من ترسيخ ثقافة التحقق، وعدم الانسياق وراء العناوين التي تستهدف إثارة الخوف أو الغضب، إلى جانب تعزيز الثقة في المعلومات المدعومة بالأدلة، وإتاحة المجال أمام النقد المسؤول والمساءلة القائمة على الحقائق.
كما أن سرعة إتاحة المعلومات ووضوحها يمثلان عاملين مهمين في الحد من انتشار الروايات غير الدقيقة؛ فكلما وجد المواطن بيانات موثوقة وشروحات واضحة، تراجعت مساحة الاعتماد على التخمينات والمصادر المجهولة.
وفي النهاية، فإن المعركة مع الشائعات لا تتعلق فقط بإثبات كذب منشور أو كشف اجتزاء مقطع مصور، بل تتصل بقدرة المجتمع على التعامل مع تدفق المعلومات بعقل نقدي، وعدم السماح للتكرار أو الإثارة بأن يحلا محل الدليل.
فقد تنتشر الشائعة خلال دقائق، لكن تأثيرها لا يصبح حتميًا؛ إذ يظل التحقق والوعي والقدرة على التمييز بين الحقيقة والتوظيف السياسي عوامل أساسية في إحباط محاولات التضليل، وحماية النقاش العام من التشويه، والحفاظ على حق المواطن في الوصول إلى معلومات صحيحة تساعده على تكوين موقفه باستقلالية وموضوعية.
الوعي المجتمعي وتداول المعلومات ضرورة لمواجهة شائعات الإرهابية
وفي هذا السياق أكدت الدكتورة غادة البدوي، أمين سر لجنة التعليم والبحث العلمي وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بمجلس الشيوخ، أن محاولات جماعة الإخوان الإرهابية التشكيك في الاقتصاد المصري والمشروعات القومية تستهدف التأثير في وعي المواطنين وتزييف صورة ما تحققه الدولة من إنجازات، مشددة على أن مواجهة هذه الحملات تتطلب تعزيز الوعي المجتمعي، وترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات، والاعتماد على البيانات الموثوقة في تقييم مسار التنمية.
وقالت البدوي في تصريحات خاصة ل" اليوم السابع" إن تكرار الادعاءات بشأن انهيار الاقتصاد وتراجع جدوى المشروعات القومية يكشف أهمية وضرورة التعامل الواعي مع المحتوى المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، وعدم الانسياق وراء المنشورات التي تفتقر إلى المصادر الواضحة أو تعتمد على اجتزاء المعلومات من سياقها، لافتة إلى أن التقارير الصادرة عن المؤسسات الدولية تمثل أحد المصادر المهمة لفهم تطورات الاقتصاد المصري، وما يشهده من نمو في عدد من القطاعات الحيوية.
مؤشرات النمو الاقتصادي
وأضافت أن مؤشرات النمو الاقتصادي تعكس أهمية الجهود المبذولة لتطوير البنية الأساسية وتعزيز النشاط الإنتاجي والخدمي، مشيرة إلى أن المشروعات القومية في مجالات النقل والطرق والاتصالات والبنية التحتية أسهمت في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار، وتحسين الترابط بين المناطق المختلفة، وتوفير مقومات تدعم توسع الأنشطة الاقتصادية وتزيد من فرص الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في مختلف القطاعات.
وأوضحت أمين سر لجنة التعليم والبحث العلمي وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بمجلس الشيوخ أن بناء اقتصاد قوي ومستدام يرتبط كذلك بالاستثمار في الإنسان، وتطوير منظومة التعليم والبحث العلمي، وربط مخرجاتها باحتياجات سوق العمل، إلى جانب توظيف التكنولوجيا والتحول الرقمي في رفع كفاءة الخدمات وتحسين الإنتاجية، مؤكدة أن هذه المحاور تمثل عناصر أساسية في تعزيز تنافسية الاقتصاد المصري، وتهيئة الأجيال الجديدة للمشاركة في مسيرة التنمية والابتكار.
وشددت البدوي على أن مواجهة التضليل الاقتصادي لا تقتصر على الرد على الشائعات بعد انتشارها، بل تبدأ من بناء وعي رقمي قادر على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمحتوى المضلل، وتعزيز دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في نشر الثقافة المعلوماتية، وتشجيع المواطنين على الرجوع إلى المصادر الرسمية والتقارير المتخصصة قبل تداول الأخبار، بما يسهم في الحد من انتشار الادعاءات غير الدقيقة ويحمي المجتمع من محاولات التأثير على وعيه.
واختتمت الدكتورة غادة البدوي تصريحاتها بالتأكيد على أن الإنجازات التنموية تُقرأ من خلال نتائجها ومؤشراتها وما تتيحه من فرص للتقدم الاقتصادي والتكنولوجي، مشيرة إلى أن حملات التشكيك لن تكون بديلًا عن الحقائق والبيانات الموثقة، مؤكدة ضرورة مواصلة جهود التنمية، وتعزيز الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والتحول الرقمي، بما يدعم بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، ويمنح مصر قدرة أكبر على المنافسة ومواكبة التطورات العالمية.