سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 14 أكتوبر 1932.. وفاة أمير الشعراء أحمد شوقى.. والموسيقار محمد عبدالوهاب أقرب الناس لقلبه يتلقى الخبر فى طنطا ويعود مسرعا إلى القاهرة

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 14 أكتوبر 1932.. وفاة أمير الشعراء أحمد شوقى.. والموسيقار محمد عبدالوهاب أقرب الناس لقلبه يتلقى الخبر فى طنطا ويعود مسرعا إلى القاهرة أمير الشعراء أحمد شوقى

كانت الساعة الثانية صباح 14 أكتوبر، مثل هذا اليوم، 1932، حين استيقظ حسين ابن أمير الشعراء أحمد شوقى على صوت الخادم يناديه ويخبره بأن أباه تعبان ويطلبه، فأسرع حسين إلى أبيه فى حجرته فوجد أمه بجانبه قلقة تناديه: ما بك؟ ما بك؟ ولكنه لم يجب إذ فاضت روحه، حسبما يذكر حسين شوقى فى كتابه «أبى شوقى».

كان «شوقى» يبلغ من العمر 64 عاما «مواليد 16 أكتوبر 1868»، ووفقا للدكتور زكى مبارك فى كتابه «أحمد شوقى»: «عاش شوقى للشعر ومات بالشعر، ففى الساعة التى كان يجود فيها بروحه، كانت الآنسة ملك تطرب الجمهور بتغريدته «يا حلوة الوعد ما أنساك ميعادى»، وفى صباح اليوم الذى جهز فيه نعشه، كان المنشد ينشد قصيدته فى مصنع مشروع القرش، فهتف هاتفا: يحيا شوقى، وصفق الجمهور وأغرق فى الهتاف، ولكن هاتفا آخر رفع صوته، وقال: يرحم الله شوقى، وتلفت الجمهور وهو مذعور، فعرف أن المقادير انتزعت من بين يديه كنزه الثمين».

يراه الكاتب والسياسى «فتحى رضوان» فى كتابه «عصر ورجال»: «عاش بيننا كأنه واحد من شعراء العصر الأموى والعباسى، يتناول أمورنا بأسلوبهم، ويرثى عظماءنا على طريقتهم، ثم يجدد فى اللغة والشعر، وينفى عنها جمودها وركاكتها ورثاثة أساليبها، التى أورثنا إياها العهد العثمانى المظلم، وعهد المماليك المدمر، وعهد الاستعمار الذى آلى على نفسه أن يقوض أسباب وجودنا، وأن يقطع صلاتنا بأنفسنا وتاريخنا وآبائنا».

يتذكر فتحى رضوان أن شوقى قال له فى لقاء جمعهما مقارنا نفسه بالشاعرين، حافظ إبراهيم، وخليل مطران: «حافظ شاعر ولكن تنقصه المعانى، ويسىء إليه كثيرا أنه محدث عظيم، يخرج من بيته فيرتاد المجالس، فيخلب لب السامعين بطرائفه وخفة ظله وحلاوة حديثه، ينتقل من مجلس إلى مجلس، وفى جميع الأحوال هو المتحدث، والناس يسمعون، لا يسمح لأحد غيره أن يتكلم، فبدل أن يأخذ من كل زهرة رحيقها، يعطى للناس أجمل ما عنده، فإذا عاد إلى بيته أفرغ كل ما فى جعبته، وشعر بالحاجة إلى الراحة وسعى للنوم، أما أنا فلا أحب الكلام وأهرب من الناس، وثقلاؤهم كثيرون ويطاردوننى ولا أجد منفذا لى إلا الشعر، أما مطران فمتعلم، على عكس حافظ، ويقرأ كثيرا خصوصا عن الأدب الأوربى، والشعر الأوروبى، ولذلك عنده معان، ولكن هذه المعانى فى حاجة إلى لفظ جميل مثلها، ولكنه يشتغل فى الثقافة الزراعية، فيمضى سحابة نهاره فى شؤون لا تمت إلى الأدب ولا تجلو صدأ النفس، فتأتى ألفاظه خالية من الحرارة والجمال، ولو وضعت حافظ على مطران لخلقت منهما شاعرا، وأنا هذا الشاعر».

يصفه زكى مبارك، قائلا: «كان شوقى عاديا فى حديثه وفى مظهره، ولكنه فى شعره أعجوبة الأعاجيب، وكان دليلا على أن العرب كانوا معذورين حين ظنوا الشعر من وحى الشيطان، فما أذكر أن حديث شوقى راعنى مرة، أو دلنى على أن للرجل عقلا يمتاز به عن سائر العقول، وكان مظهره بسيط جدا، لأنه كان يبغض اللباس الأنيق، وكان يضيق صدرا بالملابس الرسمية، وطلب من الخديو السابق «عباس حلمى الثانى» أن يعفيه من لبس الردنجوت فى عابدين، وأعفاه الخديو فكان شكله يضحك حين يتكلف ملابس الاستقبال عند تقديم بعض السفراء»، ويضيف «مبارك»: «كان شوقى من كبار أهل العلم بأسرار اللغة العربية، وقد دانت له تعابيرها وأخيلتها وألفاظها، بحيث كانت تحمل من صنوف الثروة اللغوية ما لا تظفر به قصائد غيره من المعاصرين إلا فى النادر القليل».

ارتبط به الموسيقار محمد عبدالوهاب منذ صباه، ففتح له مدرسة الحياة، وكان لا يتركه نهارا وحتى ساعات النوم، ويصطحبه فى رحلاته الخارجية، ويكتب له أغنيات لا يكتبها لغيره، ويكشف فى كتاب «النهر الخالد- حوار لسعد الدين وهبة» أنه تلقى خبر الوفاة وكان فى طنطا بعد إحياء حفلة فيها، وكان عنده فى بيته «كرمة ابن هانئ» نهار ليل وفاته، وأوصله إلى محطة القطار للسفر، وبعد انتهاء الحفل نام فى لوكاندة، واستيقظ صباح 14 أكتوبر، ليستقل القطار إلى القاهرة الساعة 11، وقابل فيه طاهر حقى، أحد الأصدقاء المقربين لشوقى وعائلته، وكان سكرتيرا لعلى ماهر باشا.

يضيف «عبدالوهاب» أن «حقى» ناوله تلغرافا تلقاه من ابن شوقى يقول: «توفى والدى»، فنزلا فى محطة بنها إلى نظار محطة القطار وطلبا منه الاتصال ببيت شوقى لمعرفة الحقيقة، لكن الرجل ناولهم ملحق خاص أصدرته جريدة «الجهاد» فى صباح اليوم، وسهر صاحبها توفيق دياب لإعداده بعد أن عرف بوفاة شوقى بعد منتصف الليل.

من محطة باب الحديد أخذ عبدالوهاب وطاهر حقى تاكسى إلى بيت شوقى، وصعد عبدالوهاب إلى الصالون الكبير، وارتمت بنت شوقى عليه باكية، ويؤكد: «نزلت ومابقتش عارف أتلم على نفسى، وقعدت مذهول على الكرسى جنب سعيد لطفى مدير الإذاعة فيما بعد، قلت له: يا سعيد بك.. شوقى مات، أبويا مات، قال لى: يا ابنى أنت قصيدة من قصائده».




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة