في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، واستمرار الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، وعودة الجدل بشأن نقل السفارات الأجنبية إلى القدس، عقد مجلس جامعة الدول العربية، اليوم الثلاثاء، اجتماعًا طارئًا على مستوى المندوبين الدائمين، لبحث آليات توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني والتصدي للإجراءات الإسرائيلية التي تهدد مستقبل الدولة الفلسطينية.
وجاء الاجتماع، الذي استضافه مقر الأمانة العامة للجامعة بالقاهرة، بناءً على طلب دولة فلسطين وبتأييد الدول العربية، برئاسة تونس، ممثلة في السفير الهاشمي العجيلي، مدير عام المنظمات المغاربية والعربية والإسلامية بوزارة الخارجية التونسية، وبمشاركة السفير الدكتور فائد مصطفى، الأمين العام المساعد رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، والسفير شريف كامل، الأمين العام المساعد رئيس مكتب الأمين العام.
وتمحورت المناقشات حول ثلاثة ملفات رئيسية، تتعلق بتوفير الحماية الدولية للفلسطينيين، ومواجهة الاستيطان واعتداءات المستوطنين، والحفاظ على المكانة القانونية لمدينة القدس، وسط دعوات إلى ترجمة المواقف العربية والدولية إلى إجراءات عملية.
تونس تطالب بحماية دولية للفلسطينيين وتربط القضية الفلسطينية بالأمن القومي العربي
أكد السفير الهاشمي العجيلي، ممثل تونس ورئيس الاجتماع، ضرورة توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، مشددًا على أهمية تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وتطبيق قرارات الشرعية الدولية بعيدًا عن الانتقائية وازدواجية المعايير.
وجدد العجيلي تمسك تونس بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس، محذرًا من محاولات المساس بالهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة ومكانتها القانونية والتاريخية.
وربط المسؤول التونسي بين القضية الفلسطينية والأمن القومي العربي، مؤكدًا أن التضامن بين الدول العربية يمثل مسؤولية جماعية تقتضي الدفاع عن سيادتها وأمنها ووحدة أراضيها.
كما جدد تضامن تونس مع المملكة العربية السعودية وسائر الدول العربية التي تتعرض لاعتداءات، معتبرًا أن الأمن القومي العربي وحدة لا تتجزأ، وأن مواجهة التحديات الراهنة تستوجب تعزيز التنسيق والتحرك المشترك في المحافل الدولية والإقليمية.
الجامعة العربية تحذر من سياسة ممنهجة لتغيير الواقع الديموجرافي وتقويض حل الدولتين
بدورها، أكدت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية أن اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين لا تمثل حوادث منفصلة، وإنما تأتي ضمن سياسة ممنهجة تستهدف تهجير التجمعات الفلسطينية وتوسيع الاستيطان وتغيير الواقع الديموجرافي والجغرافي للأراضي المحتلة.
وقال السفير الدكتور فائد مصطفى، الأمين العام المساعد رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، إن الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون المسلحون تحت حماية سلطات الاحتلال تكشف عن ارتباط ممارساتهم بالسياسات الإسرائيلية الرسمية، بما يستوجب تحركًا دوليًا لوقف الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها.
وحذر من أن استمرار مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني والتهجير القسري يقوض فرص تحقيق حل الدولتين، مؤكدًا ضرورة الانتقال إلى تحرك عربي عملي ومنسق يستند إلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
كما شدد على ضرورة احترام الوضع القانوني لمدينة القدس، محذرًا من الإجراءات التي تستهدف تغييره، بما في ذلك فتح سفارات أجنبية في المدينة، وداعيًا إلى موقف عربي واضح وحازم تجاه هذه الخطوات.
غزة حاضرة في الاجتماع.. ورفض عربي للتهجير وفصل القطاع عن الدولة الفلسطينية
وحضر الوضع الإنساني في قطاع غزة ضمن المناقشات، حيث أكدت الأمانة العامة ضرورة إنهاء معاناة السكان وضمان وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية دون عوائق، وتوفير الحماية للمدنيين، ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين أو اقتطاع أجزاء من أراضي القطاع.
وشدد فائد مصطفى على أن غزة جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن مستقبلها يرتبط بوحدة الأرض والشعب الفلسطيني، وبهدف إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
فلسطين تطالب بعقوبات على إسرائيل وتحذر من افتتاح سفارة كولومبيا في القدس
من جانبه، دعا السفير مهند العكلوك، مندوب فلسطين الدائم لدى جامعة الدول العربية، إلى فرض العقوبات والمقاطعة على إسرائيل، ومواصلة الجهود لتجريم الاستيطان وإدراج جماعات المستوطنين المتورطة في الاعتداءات على قوائم الإرهاب الوطنية والإقليمية والدولية.
واعتبر العكلوك أن المواقف الدولية الداعمة للفلسطينيين، رغم أهميتها، لم تنجح حتى الآن في وقف الانتهاكات أو إنهاء الاحتلال، مطالبًا بترجمتها إلى إجراءات ملموسة تضمن حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات.
وفي ملف القدس، حذر المندوب الفلسطيني من اعتزام كولومبيا افتتاح سفارة لها في المدينة غدًا الأربعاء 14 أكتوبر، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل انتهاكًا للوضع القانوني الدولي للقدس وقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القراران 476 و478 الصادران عام 1980.
وطالب الدول العربية بتفعيل قرارات القمم المتعلقة بالدول التي تنقل سفاراتها إلى القدس، بما تتضمنه من إجراءات سياسية ودبلوماسية واقتصادية وقانونية رادعة، محذرًا من احتمال إقدام دول أخرى على خطوات مماثلة.
5500 اعتداء للمستوطنين منذ بداية العام وتحذيرات من استهداف موسم الزيتون
وفي استعراضه للأوضاع الميدانية بالضفة الغربية، أشار العكلوك إلى أن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية وثقت أكثر من 5500 اعتداء للمستوطنين منذ مطلع عام 2026، أسفرت، بحسب البيانات التي عرضها، عن استشهاد 30 فلسطينيًا.
وأوضح أن نحو 825 ألف مستوطن إسرائيلي يقيمون في الضفة الغربية المحتلة، داخل 200 مستوطنة وأكثر من 350 بؤرة استيطانية، بينما أقامت سلطات الاحتلال ما يقارب ألف حاجز عسكري وبوابة وساتر ترابي ومكعب إسمنتي، بما يقيّد حركة نحو 3.5 مليون فلسطيني.
وتطرق إلى الاعتداءات التي يتعرض لها المزارعون الفلسطينيون خلال موسم قطاف الزيتون، مشيرًا إلى عمليات منع الوصول إلى الأراضي وإتلاف الأشجار وسرقة المحاصيل، وما تسببه من خسائر اقتصادية ومعيشية للأسر الفلسطينية.
التحرك العربي والدولي.. اختبار تحويل المواقف إلى إجراءات
ويعكس اجتماع القاهرة تعدد مسارات التحرك المطروحة لمواجهة التطورات في الأراضي الفلسطينية، بين المطالبة بتوفير الحماية الدولية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، والتصدي للتوسع الاستيطاني، والحفاظ على الوضع القانوني للقدس.
فبينما ركزت الرئاسة التونسية على المسؤولية الدولية والتضامن العربي، شددت الأمانة العامة على ضرورة تنسيق التحركات السياسية والدبلوماسية مع الأمم المتحدة والجهات الدولية المعنية، في حين طرحت فلسطين مطالب محددة بفرض العقوبات وتفعيل القرارات العربية المتعلقة بنقل السفارات إلى القدس.
وتبقى أهمية هذه المواقف مرتبطة بما يمكن أن تفضي إليه من إجراءات لاحقة، سواء على مستوى العمل العربي المشترك أو التحركات داخل المؤسسات الدولية، خاصة في ظل استمرار الاعتداءات على الفلسطينيين والتحديات التي تواجه فرص إقامة دولتهم المستقلة.