قال الدكتور علي خورشيد، أستاذ الاقتصاد الدولي، إن الحكومة البريطانية تواجه اختبارًا صعبًا مع اقتراب موعد عرض الموازنة أمام البرلمان في 28 أكتوبر، في ظل ارتفاع النفقات الحكومية وتزايد أعباء الدين، إلى جانب التزامات الدفاع والصحة والمعاشات.
وأوضح أستاذ الاقتصاد الدولي، خلال مداخلة هاتفية عبر قناة القاهرة الإخبارية، أن وزير الخزانة البريطاني جون هيلي يواجه ضغوطًا متزامنة، إذ يتعين على الحكومة خفض بعض المصروفات، وزيادة المعاشات، وتوفير مخصصات كبيرة للدفاع، في ظل حرب الاستنزاف بين روسيا وأوكرانيا، التي قال إنها تفرض أعباءً على المملكة المتحدة بسبب انخراطها فيها.
التزامات الدفاع والديون السابقة تضغط على الموازنة
وأشار خورشيد إلى أن عضوية بريطانيا في حلف شمال الأطلسي تفرض عليها متطلبات إنفاق دفاعي كبيرة، موضحًا أن هذه الالتزامات تأتي ضمن مجموعة من الأعباء التي تواجه وزير الخزانة الجديد، الذي يتولى المنصب للمرة الأولى.
وأضاف أن الحكومة الحالية ورثت التزامات مالية من الحكومات السابقة، التي اعتادت ترحيل بعض المصروفات إلى ميزانيات لاحقة، لافتًا إلى أن بريطانيا لا تزال تسدد ديونًا تعود إلى فترة جائحة كورونا.
وتوقع خورشيد أن تلجأ الحكومة البريطانية إلى الاقتراض مجددًا لتمويل التزاماتها والوفاء بوعودها الانتخابية، خصوصًا فيما يتعلق بالمعاشات والرعاية الصحية والدفاع.
وأوضح أن الأدوات الأخرى المتاحة أمام وزير الخزانة تشمل رفع الضرائب، وتحريك الأجور، وخفض بعض المصروفات الحكومية لتغطية بنود إنفاق أخرى.
وحذر من أن الخفض الحاد في النفقات الحكومية قد يؤدي إلى تراجع الاستثمار، مؤكدًا أن الحكومة تحتاج إلى تحقيق توازن بين أولويات الإنفاق والحفاظ على ثقة المستثمرين البريطانيين والأجانب، حتى لا يتجهوا إلى سحب رؤوس أموالهم ونقلها خارج البلاد.
مشروعات الذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية لاستقطاب الاستثمارات
وقال خورشيد إن الحكومة البريطانية تحاول الحفاظ على جاذبية البلاد للاستثمارات من خلال فتح مشروعات كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي بالشراكة مع شركات أمريكية، إلى جانب توسيع الاستثمارات في قطاع الرعاية الصحية ومصانع الأدوية واللقاحات.
وأشار إلى أن هذه المشروعات تمثل أحد المسارات التي تسعى الحكومة من خلالها إلى دعم الاستثمار والإيرادات، في وقت تواجه فيه ضغوطًا مالية متزايدة.
وأكد خورشيد أن خيارات الحكومة البريطانية محدودة، متوقعًا أن تضطر إلى تأجيل بعض المشروعات الضخمة التي تتطلب ميزانيات كبيرة، لإعطاء الأولوية للإنفاق على الدفاع والصحة والمعاشات.
وأوضح أن حزب العمال يواجه ضغوطًا للوفاء بوعوده الانتخابية وتقديم مكتسبات للطبقة العاملة، لكنه قد لا يتمكن من تنفيذ جميع طموحاته في الوقت الحالي، ما يدفعه إلى ترحيل بعض مشروعات البنية التحتية إلى سنوات لاحقة.
ارتفاع تكلفة الاقتراض يزيد أعباء الدين
ولفت خورشيد إلى أن ارتفاع تكلفة الاقتراض وزيادة حجم الدين يضعان الحكومة أمام خيارات صعبة، لكنه رأى أنها لا تملك بديلًا سهلًا عن الاقتراض في ظل التزاماتها الحالية.
وأضاف أن اللجوء إلى مزيد من الاقتراض سيؤدي إلى ترحيل أعباء السداد إلى الحكومات المقبلة، كما حدث مع التزامات مالية سابقة، مؤكدًا أن الحكومة التي ستتولى السلطة مستقبلًا ستتحمل مسؤولية سداد هذه الديون، سواء استمر حزب العمال في الحكم أو تولى حزب آخر السلطة.
وأوضح خورشيد أن بريطانيا لم تتعافَ بالكامل من تداعيات جائحة كورونا، التي أدت إلى تراجع الإنتاج وإيرادات الدولة، بينما استمرت الالتزامات المالية الناجمة عنها.
وأضاف أن هذه الالتزامات تشكل نحو نصف بالمئة من الميزانية الحالية، إلى جانب ديون سابقة من عهد المحافظين جرى ترحيلها إلى الحكومة الحالية.
الضرائب على المؤسسات المالية تهدد بخروج الاستثمارات
وحذر خورشيد من أن فرض ضرائب إضافية على المؤسسات المالية، ومنها البنوك، قد يؤدي إلى تداعيات سلبية على النشاط المصرفي والقروض الاستثمارية، وربما يدفع رؤوس الأموال والشركات إلى الانتقال لمراكز مالية بديلة مثل ألمانيا ولوكسمبورغ وفرنسا.
وأشار إلى أن مدينة لندن استعادت مكانتها مركزًا ماليًا رئيسيًا يدير أموالًا من أوروبا والشرق الأوسط وآسيا بعد تراجع سابق عقب الجائحة، معتبرًا أن الحفاظ على جاذبيتها يتطلب تجنب الإجراءات التي قد تشجع المؤسسات الاستثمارية على المغادرة.
وأضاف أن الحكومة البريطانية تراهن على المشروعات الصحية والتقنية للحفاظ على الاستثمارات، لكنه أشار إلى وجود تحفظات بشأن التوسع في الذكاء الاصطناعي، بسبب المخاوف من تأثيره على الوظائف وارتفاع البطالة، وما قد يترتب على ذلك من زيادة أعباء الدعم الحكومي.