تواجه الدول الأوروبية شتاءً صعبًا بعد تراجع مخزونات الغاز إلى 73% فقط من السعة التخزينية، أي أقل بنحو 17 نقطة مئوية من هدف 90% الذي حددته المفوضية الأوروبية لمطلع نوفمبر، وسط ارتفاع حاد في الأسعار وضغوط متزايدة على خطة REPowerEU للحد من الاعتماد على الغاز الروسي.
أدنى مستوى منذ 2011
تُظهر بيانات الصناعة أن مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي بلغت 73.1%، وهو أدنى مستوى لهذا الوقت من العام منذ 2011، وأقل بنحو 15 نقطة من المتوسط خلال السنوات الخمس الماضية. كما يقل المستوى الحالي بنحو 24 نقطة عن مستوى 2022، عندما كانت أوروبا لا تزال تتلقى تدفقات من الغاز الروسي قبل القطع الكامل.
وكانت بروكسل قد حددت هدفًا بوصول المخزونات إلى 90% بحلول الأول من نوفمبر، لكن هذا الهدف أصبح بعيد المنال هذا العام، ما يضع الاتحاد أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تأمين الإمدادات والسيطرة على الأسعار قبل موجة البرد.
تفاوت حاد بين الدول
لا تتوزع المخزونات بالتساوي بين الدول الأعضاء، إذ سجلت بولندا أعلى نسبة عند 99.1%، تلتها إيطاليا بنسبة 88.3%، وفرنسا 86.1%، وإسبانيا 76.3%. في المقابل، لا تتجاوز المخزونات في ألمانيا وهولندا ومعظم دول أوروبا الشرقية 50%، ما يكشف خريطة مخاطر غير متكافئة داخل الكتلة.
وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب محدودية شبكات الأنابيب، إذ لم تُصمم خطوط نقل الغاز الروسي سابقًا إلى وسط أوروبا للعمل بالاتجاه المعاكس، ما يصعّب إعادة توزيع الفوائض من فرنسا وإسبانيا نحو دول الشرق، رغم الدعوات المتكررة إلى «التضامن الطاقي» الأوروبي.
بروكسل تطلب ترشيد الاستهلاك
أرسل مفوض الطاقة الأوروبي دان يورجنسن رسالة إلى الدول الأعضاء الـ27 أواخر سبتمبر، طالب فيها بخفض الطلب على الغاز والكهرباء أمام مستويات تخزين «منخفضة بشكل استثنائي»، محذرًا من أزمة أسعار مرتبطة بأزمة إمدادات.
وعادت إلى الطاولة إجراءات أزمة 2022، منها تقليل التدفئة في المباني العامة، وإطفاء الإنارة غير الضرورية ليلًا، ونقل الاستهلاك إلى ساعات الطلب المنخفض عبر العدادات الذكية والتعريفات المتغيرة، وترشيد استهلاك الكهرباء في أوقات الذروة. لكن هذه التوصيات تبقى دون مواعيد نهائية أو حصص إلزامية لكل دولة، تاركةً القرار لكل حكومة.
أسعار الغاز تتضاعف
ارتفع سعر الغاز الهولندي TTF، المرجع الرئيسي لأسواق أوروبا، إلى 80.4 يورو لكل ميجاواط/ساعة، أي ضعف سعره في يونيو، وأعلى مستوى منذ شتاء 2022. ويقدر معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي أن أوروبا تحتاج إلى خفض الطلب بنسبة 7% هذا الشتاء لتجنب نقص الإمدادات في حال تعرضت لموجة برد قوية، محذرًا من أن سد الفجوة بالاستيراد سيكون مكلفًا للغاية.
ورغم أن إسبانيا تدخل الشتاء بمخزونات مريحة نسبيًا، فقد لجأت شركة الكهرباء الوطنية 10 مرات هذا العام إلى تعليق مؤقت للإمدادات لبعض العملاء الصناعيين لضمان استقرار الشبكة. كما بدأ ارتفاع أسعار الغاز ينعكس على تكاليف الصناعة وأسعار السلع، إذ ارتفعت أسعار السلع الصناعية غير الطاقية بمقدار 0.4 نقطة مئوية بين يونيو وسبتمبر، لتصل إلى 11%.
خطة لتقليل الاعتماد على الغاز الروسى
يكشف الوضع الحالي عن هشاشة بنيوية في خطة REPowerEU التي أطلقتها أوروبا عام 2022 لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، فرغم نجاح الخطة في تسريع انتشار الطاقات المتجددة وخفض الاستهلاك، لم تحل مشكلة الاعتماد على الغاز المستورد بأسعار مرتفعة، ولا خلقت آلية مشتركة قوية لشراء الغاز.
ويواجه الاتحاد الأوروبي اختبارًا حقيقيًا في اجتماع مجلس الطاقة المقبل، حيث سيعود يورغنسن للضغط من أجل التزامات واضحة بترشيد الاستهلاك، في وقت تتردد الحكومات في اتخاذ قرارات تقشفية قبل رؤية تطورات الطقس ودرجات الحرارة.